خلصت الدراسة الجديدة التي أنجزها المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة حول “المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب في أفق 2035” إلى أن القوة الانتخابية الأكبر في المغرب لم تعد تعود إلى أي حزب سياسي، وإنما إلى الكتلة الواسعة من المواطنين الذين يعزفون عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، سواء بسبب عدم تسجيلهم في اللوائح الانتخابية أو بسبب امتناعهم عن الإدلاء بأصواتهم رغم تسجيلهم فيها.
♦أزمة الوساطة والتحولات الانتخابية
وترى الدراسة أن هذه الفئة الصامتة، التي يفوق حجمها وزن أكبر الكتل البرلمانية، تعكس أزمة بنيوية عميقة في الوساطة الحزبية، باعتبارها الحلقة التي يفترض أن تربط بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. مبرزة أن أزمة العزوف ليست السبب المباشر لتراجع المشاركة، بل نتيجة طبيعية لتراكم اختلالات مستمرة في أداء الأحزاب السياسية وقدرتها على استعادة ثقة المواطنين.
وكشفت المعطيات الواردة في التقرير أن المشاركة في الانتخابات التشريعية شهدت مسارا تنازليا امتد على أكثر من ستة عقود، بعدما انتقلت من نسب رسمية مرتفعة خلال بداية السبعينيات إلى أدنى مستوى لها سنة 2007، حين لم تتجاوز 37 في المائة، قبل أن تسجل تعافيا نسبيا في انتخابات 2021 بنسبة 50.35 في المائة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية.
كما لفتت الدراسة الانتباه إلى أن هذه النسبة لا تعكس المشاركة الحقيقية لجميع المواطنين المؤهلين للتصويت، إذ لم يدل بأصواتهم سوى نحو 8.8 ملايين ناخب من أصل 25.23 مليون مواطن بلغوا سن التصويت، وهو ما يعني أن نسبة المشاركة الفعلية لم تتجاوز حوالي 35 في المائة، مقابل أكثر من 16 مليون مؤهل ظلوا خارج العملية الانتخابية.
وذهبت الدراسة إلى أن معالجة هذه الفجوة لا يمكن أن تتم عبر حملات تواصلية ظرفية تسبق كل استحقاق انتخابي، بل تستوجب إصلاحا مزدوجا يقوم، من جهة، على تجديد المؤسسة الحزبية من الداخل، ومن جهة أخرى على بناء عرض سياسي واقتصادي يستعيد ثقة المواطنين ويمنحهم أسبابا حقيقية للعودة إلى صناديق الاقتراع.
وسجلت الدراسة جملة من المؤشرات التي اعتبرتها الأكثر تعبيرا عن واقع المشهد السياسي المغربي، وفي مقدمتها التطاير الانتخابي الحاد الذي عرفته الانتخابات الأخيرة، بعدما انتقل أحد الأحزاب من 125 مقعدا سنة 2016 إلى 13 مقعدا فقط سنة 2021، مقابل تضاعف تمثيلية حزب آخر بما يقارب ثلاث مرات، وهو ما اعتبرته مؤشرا على تصويت عقابي ظرفي أكثر منه تعبيرا عن ولاء حزبي مستقر أو اقتناع بالبرامج السياسية.
وأبرزت الدراسة أن الأحزاب السياسية تعاني ضعفا واضحا في أداء دورها الوسيط بين المجتمع والدولة، نتيجة تركيزها على الحسابات السياسية الضيقة، مقابل تراجع الاهتمام بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى محدودية الديمقراطية الداخلية، وهو ما ساهم في اتساع الهوة بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
ورصدت الدراسة، في المقابل، مؤشرات إيجابية اعتبرت أنها تستحق البناء عليها، وفي مقدمتها الارتفاع المتواصل في تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، بعدما انتقلت من 10 في المائة سنة 2002 إلى 24.3 في المائة سنة 2021، فضلا عن اعتماد دستور 2011 الذي وفر، بحسب التقرير، إطارا دستوريا متقدما للإصلاح السياسي والمؤسساتي.
ونبهت الدراسة إلى أن الضغوط الاقتصادية تظل من أبرز العوامل التي تغذي العزوف الانتخابي، مشيرة إلى أن معدل البطالة الوطني بلغ 13 في المائة، بينما ارتفع إلى 37.2 في المائة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، كما وصل إلى 19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ثقة المواطنين في جدوى المشاركة السياسية.
واقترحت الدراسة أهدافا استشرافية في أفق سنة 2035، تقوم على رفع معدل المشاركة الانتخابية إلى 65 في المائة، وتقليص حجم الفئة الصامتة إلى 40 في المائة من مجموع المؤهلين، إلى جانب خفض البطالة إلى 5 في المائة ورفع معدل النمو الاقتصادي إلى 6 في المائة، مؤكدة أن هذه المؤشرات تشكل أهدافا توجيهية للنقاش العمومي وليست قياسات نهائية.
وشددت الدراسة على أن المغرب يتوفر على مقومات مهمة لتحقيق هذا التحول، من بينها الإطار الدستوري المتقدم، والدينامية الاقتصادية، والكتلة الشبابية الرقمية، غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهينا بإرساء هندسة ديمقراطية جديدة تعيد الاعتبار للوساطة السياسية، وتوظف الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الشفافية والمشاركة بدل أن يكونا بديلا عن المؤسسات.
واعتبرت الدراسة أن الصحافة والإعلام يشكلان شريكا أساسيا في نقل هذه المعطيات إلى الرأي العام، لذلك خصصت جزءا من التقرير لتقديم أرقام ورسائل جاهزة للاقتباس، أبرزها أن نسبة المشاركة بلغت 37 في المائة في أدنى مستوياتها سنة 2007، وارتفعت إلى 50.35 في المائة سنة 2021، بينما بقي أكثر من 16 مليون مواطن مؤهل خارج العملية الانتخابية، في وقت لم تتجاوز الثقة في الأحزاب السياسية 18 في المائة خلال سنة 2024.
وأكدت الدراسة أن الامتناع عن التصويت تحول إلى ما يشبه “الحزب الأول” في المغرب، بالنظر إلى أن عدد الممتنعين يفوق بكثير عدد المصوتين لأي حزب سياسي، معتبرة أن نتائج الانتخابات أصبحت تعكس أقلية منظمة أكثر مما تعكس الإرادة العامة للمواطنين.
وأوضحت أن أزمة المشاركة ليست ظرفية أو مرتبطة باستحقاق انتخابي بعينه، بل تمثل ظاهرة ممتدة على مدى ستة عقود، إذ إن التعافي النسبي الذي عرفته انتخابات 2021 ترافق مع إعادة تشكيل للخريطة الحزبية أكثر مما عبر عن استعادة الثقة في المؤسسات.
وربطت الدراسة بين التطاير الانتخابي وضعف البنية الحزبية، معتبرة أن الانتقال السريع للأحزاب بين الصدارة والتراجع الحاد يكشف هشاشة الولاءات السياسية وهيمنة التصويت العقابي، في ظل غياب مشاريع سياسية مستقرة.
وشددت على أن جوهر الأزمة يتمثل في تراجع وظيفة الوساطة الحزبية، بعدما أصبحت الأحزاب عاجزة عن تحويل مطالب المواطنين إلى سياسات عمومية مقنعة، الأمر الذي دفع شرائح واسعة، خاصة الشباب، إلى البحث عن فضاءات أخرى للتعبير خارج القنوات السياسية التقليدية.
وأفادت الدراسة أن الأزمة الاقتصادية أصبحت تؤثر بشكل مباشر في السلوك الانتخابي، إذ يؤدي ارتفاع البطالة وتراجع فرص الشغل إلى انشغال المواطنين بقضايا المعيشة اليومية على حساب المشاركة في الشأن العام، بينما أثبت ارتفاع تمثيلية النساء أن الإصلاحات المؤسساتية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة متى توفرت الإرادة السياسية.
وأبرزت الدراسة أن الشباب لم يهجروا السياسة بقدر ما هجروا قنواتها التقليدية، بعدما انتقلت مشاركتهم إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يفرض على الأحزاب والمؤسسات إعادة بناء وسائل التواصل مع هذه الفئة.
وانتقلت الدراسة بعد ذلك إلى توضيح منهجيتها، مؤكدة أنها اعتمدت مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التحليل التاريخي والنقدي والإحصائي والمقارن، من أجل تقديم قراءة موضوعية للمشهد الحزبي والانتخابي بعيدا عن الأحكام المسبقة أو المواقف السياسية الجاهزة، مع الاعتماد على النصوص الدستورية والقوانين، وتقارير المؤسسات الرسمية، والدراسات الأكاديمية، والمعطيات الدولية، إضافة إلى رصد البرامج الإعلامية الوطنية، قبل الانتقال إلى تحليل الإطار العام الذي يحكم العلاقة بين المواطن والمؤسسة السياسية والتطور التاريخي للمشهد الانتخابي منذ الاستقلال.
♦الأحزاب والعزوف وتجديد النخب
كشف التقرير أن أزمة الوساطة الحزبية تمثل جوهر الاختلال الذي يطبع المشهد السياسي المغربي، معتبرا أن الأحزاب، رغم حضورها داخل المؤسسات المنتخبة، أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في إقناع المواطنين بجدوى المشاركة السياسية.
ويرى أن الخلل لم يعد مرتبطا فقط بنتائج الانتخابات أو بتراجع نسب التصويت، بل بضعف قدرة الأحزاب على أداء دورها الطبيعي كحلقة وصل بين المجتمع والدولة، وتحويل انتظارات المواطنين إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
وأكد التقرير أن الأغلبية الحكومية تواجه تحديات مرتبطة بضعف التواصل مع المواطنين، مع تركيز متزايد على الحسابات السياسية الضيقة بدل تقديم برامج اجتماعية واقتصادية تستجيب للانتظارات الفعلية. وفي المقابل، تعاني المعارضة من محدودية تأثيرها السياسي ومن اختلالات تنظيمية داخلية، فضلا عن غياب رؤية متماسكة تمكنها من إقناع الناخبين بقدرتها على تدبير الشأن العام، الأمر الذي ساهم في اتساع الفجوة بين المواطنين ومختلف الفاعلين الحزبيين، سواء داخل الأغلبية أو المعارضة.
واستند التقرير إلى نتائج “الباروميتر العربي” للفترة 2023-2024، التي أظهرت أن الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 18 في المائة، مقابل نحو 38 في المائة بالنسبة للبرلمان و33 في المائة للحكومة، فيما تحظى مؤسسات أخرى، من بينها القضاء، بنسبة ثقة أعلى تصل إلى نحو 74 في المائة. وأوضح أن هذه النتائج، رغم ارتباطها بمنهجيات استطلاعية قابلة للتغير، تعكس بوضوح موقع الأحزاب في أسفل سلم الثقة لدى المواطنين، بما ينسجم مع استمرار تراجع المشاركة الانتخابية.
وأفصح التقرير أن نتائج الانتخابات التشريعية لسنتي 2016 و2021 عكست واحدة من أبرز مظاهر التطاير الانتخابي، بعدما انتقل الحزب المتصدر من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط خلال دورة انتخابية واحدة، في الوقت الذي ارتفع فيه تمثيل حزب آخر من 37 إلى 102 مقعد. معتبرا أن هذا التحول الحاد لا يعكس استقرارا في الاختيارات السياسية، بل يعبر عن تصويت عقابي مرتبط بالظرفية السياسية أكثر مما يعبر عن ولاء حزبي راسخ أو اقتناع بالبرامج الانتخابية.
وأوضح التقرير أن هذا التحول لا يرتبط فقط بتغير توجهات الناخبين، وإنما تأثر أيضا بتعديل القاسم الانتخابي المعتمد خلال انتخابات 2021، بعدما أصبح احتساب المقاعد يستند إلى عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدل الأصوات الصحيحة المعبر عنها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على توزيع المقاعد بين الأحزاب، ومنح تمثيلية أكبر للأحزاب الصغيرة مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
وعرض التقرير توزيع المقاعد داخل مجلس النواب عقب انتخابات 2021، حيث تصدر التجمع الوطني للأحرار ب102 مقعد، يليه الأصالة والمعاصرة ب87 مقعدا، ثم حزب الاستقلال ب81 مقعدا، فالتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ب34 مقعدا، والحركة الشعبية ب28 مقعدا، والتقدم والاشتراكية ب22 مقعدا، بينما تراجع حزب العدالة والتنمية إلى 13 مقعدا، إضافة إلى نحو 28 مقعدا توزعت على أحزاب أخرى.
واعتبر التقرير أن منطق التحالفات الحزبية أصبح تحكمه الحسابات العددية المرتبطة بتشكيل الأغلبية الحكومية أكثر من التقارب البرنامجي، الأمر الذي ينتج حكومات ائتلافية واسعة يصعب معها على المواطن تحديد المسؤوليات السياسية ومحاسبة الفاعلين عن حصيلة تدبيرهم للشأن العام.
وأشار إلى أن جزءا من المواطنين أصبح يعتقد أن مراكز اتخاذ القرار تتجاوز نتائج صناديق الاقتراع، وهو إدراك، بصرف النظر عن مدى دقته، ينعكس سلبا على الحافز الانتخابي ويضعف الإقبال على التصويت، مما يجعل استعادة الثقة رهينة بإبراز العلاقة المباشرة بين صوت الناخب والسياسات العمومية المنفذة.
ولفت التقرير إلى أن الأحزاب المغربية أصبحت متقاربة في تموقعها على المستوى الإيديولوجي، إذ يطغى التمركز نحو الوسط على أغلب البرامج، وهو ما يجعل التمييز بينها أكثر صعوبة بالنسبة للناخبين، ويحد من وضوح البدائل السياسية، بما يعزز ظاهرة العزوف عن المشاركة.
وخلص التقرير إلى أن التطاير الانتخابي يعكس هشاشة البنية التنظيمية للأحزاب أكثر مما يعكس تغيرا طبيعيا في المزاج الانتخابي، موضحا أن ضعف الديمقراطية الداخلية وغياب قواعد تنظيمية قوية يحولان الأحزاب إلى تحالفات ظرفية مرتبطة بالمواعيد الانتخابية، بدل أن تكون مؤسسات قادرة على التأطير السياسي وتكوين النخب.
وأوصى التقرير بفرض حد أدنى من الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، يقوم على انتخاب القيادات وتجديدها بشكل دوري، مع إلزام الأحزاب بنشر برامج قابلة للقياس قبل الانتخابات، وإخضاع حصيلتها لتقييم مستقل بعد انتهاء الولاية، إلى جانب اعتماد آلية سنوية لتقييم أداء الفرق البرلمانية.
وانتقل التقرير بعد ذلك إلى تحليل ظاهرة الفئة الصامتة، معتبرا أنها تمثل القوة السياسية الأكبر في المغرب، لأنها تضم جميع المواطنين المؤهلين للتصويت الذين لم يشاركوا في الانتخابات، سواء لعدم تسجيلهم في اللوائح أو لامتناعهم عن التصويت رغم تسجيلهم.
وأبرز التقرير أن عدد السكان المؤهلين للتصويت خلال انتخابات 2021 بلغ نحو 25.23 مليون شخص، مقابل 17.51 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية، بينما لم يتجاوز عدد المصوتين الفعليين 8.8 ملايين ناخب، ما يعني أن الفئة الصامتة بلغت حوالي 16.4 مليون شخص، أي ما يعادل 65.1 في المائة من مجموع المؤهلين للتصويت.
وحث التقرير على أن هذه الأرقام تكشف ضيق القاعدة التمثيلية التي تستند إليها المؤسسات المنتخبة، إذ إن أكثر من ستة مواطنين من أصل عشرة لم يشاركوا في العملية الانتخابية، رغم أهليتهم القانونية لذلك.
وأظهر التقرير أن العزوف الانتخابي لا يتخذ الشكل نفسه لدى جميع الفئات الاجتماعية، بل يتفاوت باختلاف السن والمستوى التعليمي والمجال الجغرافي، حيث ترتفع نسب الامتناع وسط الشباب، خاصة في الوسط الحضري، الذين يفضلون التعبير عن مواقفهم عبر المنصات الرقمية بدل المشاركة في القنوات السياسية التقليدية، في حين تختلف أنماط التصويت بين الجهات تبعا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وحدد التقرير أبرز أسباب العزوف في خيبة الأمل من أداء الأحزاب والمؤسسات، وضعف الثقة في نزاهة وجدوى العملية الانتخابية، وعدم الاقتناع بقدرة التصويت على تحسين الأوضاع المعيشية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وغياب برامج سياسية جادة تستجيب لتطلعات المواطنين.
وحذر التقرير من التداعيات السياسية للعزوف، معتبرا أنه يضعف الشرعية التمثيلية للمؤسسات المنتخبة ويحد من جودة المنافسة الديمقراطية، لأن الأحزاب تصبح مطالبة بتعبئة قواعد انتخابية محدودة بدل السعي إلى إقناع أغلبية المواطنين.
ونبه التقرير إلى أن استمرار توسع الفئة الصامتة يؤدي إلى انتقال النقاش العمومي نحو فضاءات غير مؤطرة، يصعب إخضاعها للمساءلة، كما يجعل الامتناع عن التصويت يتحول من موقف احتجاجي ظرفي إلى سلوك دائم تتوارثه الأجيال.
ودعا التقرير إلى اعتماد التسجيل الآلي في اللوائح الانتخابية عند بلوغ سن الرشد، وإعداد خرائط دقيقة للعزوف حسب الفئات العمرية والمجالات الترابية، مع تبسيط إجراءات التصويت واختبار حلول رقمية آمنة، بهدف تقليص فجوة التسجيل إلى أقل من 15 في المائة.
وانتقل التقرير إلى ملف تجديد النخب، معتبرا أنه يمثل أبرز المؤشرات الإيجابية التي عرفها المشهد السياسي المغربي خلال العقدين الأخيرين، بعدما أثبتت الإصلاحات المؤسساتية قدرتها على تحسين تمثيلية النساء داخل البرلمان.
وسجل التقرير ارتفاع عدد النساء داخل مجلس النواب من 35 مقعدا سنة 2002، بما يعادل 10 في المائة، إلى 96 مقعدا سنة 2021، بنسبة بلغت 24.3 في المائة، مع الإشارة إلى أن بعض قواعد البيانات الدولية تعتمد رقم 90 مقعدا بسبب اختلاف طرق الاحتساب، بينما يظل الرقم الأكثر تداولا رسميا هو 96 مقعدا.
واعتبر التقرير أن هذه القفزة تؤكد قدرة الإصلاحات المؤسساتية على إحداث تغيير ملموس متى توفرت الإرادة السياسية، غير أنه شدد في المقابل على أن بلوغ المناصفة الفعلية لا يزال يتطلب تعزيز حضور النساء في مواقع القرار الحزبي والحكومي والبرلماني، وليس الاكتفاء برفع عدد المقاعد.
وأفاد التقرير أن التحدي لا يتعلق فقط بالتمثيل العددي، وإنما أيضا بضمان مشاركة النساء في صناعة القرار وتولي المسؤوليات القيادية داخل المؤسسات المنتخبة.
وتناول التقرير وضعية الشباب، مؤكدا أنهم لم يغادروا الاهتمام بالشأن العام، وإنما غادروا القنوات الحزبية التقليدية، بعدما أصبح انخراطهم يتم عبر المنصات الرقمية والمبادرات المدنية والنقاشات المرتبطة بقضايا التعليم والتشغيل والبيئة والعدالة الاجتماعية.
وشدد التقرير على أن إعادة ربط الشباب بالمؤسسات السياسية تقتضي تحديث أساليب اشتغال الأحزاب، واعتماد أدوات رقمية أكثر تفاعلا، إلى جانب تعزيز الديمقراطية الداخلية وفتح المجال أمام الوجوه الجديدة لتولي المسؤوليات القيادية.
وأوصى التقرير بالانتقال من مناصفة الترشيح إلى مناصفة القرار داخل المؤسسات المنتخبة، واعتماد حوافز فعلية لإدماج الشباب في مقدمة اللوائح الانتخابية، مع إطلاق برامج للتكوين السياسي تستهدف الشابات والشباب، وربط نجاح هذه الإصلاحات بمؤشرات قابلة للقياس، من بينها رفع نسبة النساء في رئاسة اللجان البرلمانية وتعزيز حضور الشباب في مواقع المسؤولية الحزبية، باعتبار أن تجديد النخب يظل أحد الشروط الأساسية لاستعادة الثقة في المؤسسات وتعزيز الوساطة السياسية بين المواطن والدولة.
♦الاقتصاد والإعلام ورهانات الإصلاح
أكد التقرير أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات لا يمكن أن تتحقق عبر الخطاب السياسي وحده، بل تقتضي معالجة الأسباب الاقتصادية التي تغذي العزوف عن المشاركة، معتبرا أن الاختلالات الاقتصادية أصبحت ترتبط بشكل مباشر بأزمة الثقة في العمل السياسي، وأن تحسين الأوضاع الاجتماعية يشكل مدخلا أساسيا لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
واقترح التقرير برنامجا اقتصاديا نموذجيا يصلح مرجعا عابرا للأحزاب، يقوم على جعل المواطن محور السياسات العمومية، بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة، ويرتكز على أربعة محاور رئيسية تتمثل في التشغيل والعدالة المجالية، والتحول الرقمي، والإصلاح الضريبي، والتنمية المستدامة.
وكشف التقرير أن محور التشغيل والعدالة المجالية لا يقتصر على توفير فرص الشغل، وإنما يشمل أيضا ضمان توزيع متوازن للاستثمارات بين مختلف الجهات، وتقليص الفوارق المجالية، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها المشغل الرئيسي للشباب، إلى جانب توفير حوافز عملية لفائدة المقاولات التي تساهم في تشغيل الشباب والنساء.
وأشار إلى أن التحول الرقمي يمثل رافعة أساسية لتحديث الإدارة وتعزيز الابتكار وإدماج الشباب في الاقتصاد الرقمي، مؤكدا أن الرقمنة لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة لتطوير الخدمات الإدارية، بل أداة لإنتاج الثروة وخلق فرص الشغل وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
وبين التقرير أن الإصلاح الضريبي يشكل أحد المفاتيح الأساسية لاستعادة ثقة المواطنين، من خلال إرساء نظام ضريبي أكثر عدالة وشفافية، يوسع الوعاء الضريبي ويخفف العبء عن الطبقة الوسطى، بما يضمن تمويل السياسات الاجتماعية وتحقيق توازن أكبر بين متطلبات التنمية والعدالة الاجتماعية.
وشدد التقرير على أن التنمية المستدامة أصبحت خيارا استراتيجيا، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية، معتبرا أن الأمن المائي لم يعد قضية بيئية فقط، بل تحول إلى ركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يفرض إدماجه ضمن أولويات السياسات العمومية.
وكشف التقرير أن معدل البطالة الوطني بلغ 13 في المائة، غير أن هذا الرقم يخفي تفاوتات أكثر حدة، إذ ترتفع البطالة إلى 37.2 في المائة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، بينما تبلغ 19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، اختلالا بنيويا في سوق الشغل.
وأبرز التقرير أن ارتفاع بطالة الشباب وحاملي الشهادات يؤدي إلى تعميق الشعور بالإحباط وفقدان الثقة في المستقبل، الأمر الذي ينعكس على المشاركة السياسية، إذ يتحول الإقصاء الاقتصادي تدريجيا إلى انسحاب من الشأن العام.
وحدد التقرير أهدافا اقتصادية في أفق سنتي 2030 و2035، تقوم على رفع معدل النمو الاقتصادي من 4.9 في المائة إلى 5.5 في المائة سنة 2030، ثم إلى 6 في المائة سنة 2035، مقابل خفض معدل البطالة من 13 في المائة إلى 7 في المائة في المرحلة الأولى، ثم إلى 5 في المائة بحلول سنة 2035.
ولفت التقرير إلى أن هذه الأهداف تستند إلى المرجعيات الوطنية، وفي مقدمتها النموذج التنموي الجديد، مع التأكيد على أن نجاحها يظل رهينا بربط السياسات العمومية بنتائج قابلة للقياس، وعدم الاكتفاء بإطلاق الوعود أو البرامج غير المرتبطة بمؤشرات واضحة.
ولاحظ التقرير أن البرنامج الاقتصادي ينبغي أن يقاس بأثره المباشر على حياة المواطنين، وليس بعدد التدابير المعلنة، معتبرا أن العدالة المجالية، وتشغيل الشباب، وإصلاح النظام الضريبي، تمثل شروطا أساسية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
أبرز التقرير أن الفارق بين معدل البطالة الوطني وبطالة حاملي الشهادات يكشف وجود خلل في ملاءمة منظومة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، وهو ما يؤدي إلى تعطل “المصعد الاجتماعي” ويزيد من شعور الفئات المتعلمة بالإقصاء، باعتبارها من أكثر الفئات التي يفترض أن تكون منخرطة في الحياة السياسية.
أوصى التقرير بربط الامتيازات والحوافز الضريبية بمدى مساهمة المقاولات في خلق مناصب شغل مؤهلة، وإطلاق برنامج وطني لإدماج حاملي الشهادات في القطاعات الاقتصادية الواعدة، إلى جانب اعتماد مؤشرات جهوية لقياس العدالة المجالية، مع استهداف خفض بطالة الشباب بنقطتين مئويتين سنويا.
انتقل التقرير إلى تقييم دور الإعلام، معتبرا أنه يشكل أحد أبرز عناصر الوساطة بين المواطن والسياسة، بالنظر إلى مسؤوليته في تبسيط النقاش العمومي وربط القرارات السياسية بالواقع اليومي للمواطنين.
وشخص التقرير أن المغرب يعرف انتشارا واسعا للإنترنت، بعدما تجاوز عدد مستعمليه 35 مليون شخص مع نهاية سنة 2025، بما يمثل نحو 92 في المائة من السكان، فيما بلغ عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي حوالي 23 مليون شخص، وهو ما يعكس انتقال جزء كبير من النقاش السياسي إلى الفضاء الرقمي، خاصة لدى الشباب.
وأوضح التقرير أن البرامج السياسية الحوارية في التلفزيون العمومي عرفت تراجعا مقارنة بسنوات سابقة، بعدما توقفت بعض البرامج التي كانت تستضيف الفاعلين السياسيين بشكل منتظم عقب انتخابات 2011، في مقابل استمرار برامج محدودة، من بينها برنامج “للحديث بقية”، مع الإشارة إلى إعادة هيكلة القطب العمومي للإعلام بعد إدماج قناتي “2M” و”ميدي1 تيفي” ضمن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة سنة 2025.
ورصد التقرير وجود انقسام جيلي واضح في مصادر الحصول على الأخبار، إذ تعتمد الفئات الأكبر سنا على وسائل الإعلام التقليدية، بينما يتجه الشباب بشكل متزايد نحو المنصات الرقمية للحصول على المعلومات ومتابعة النقاشات السياسية.
وقيم التقرير أداء الإعلام السياسي، مشيرا إلى أنه، رغم مساهمته في تغطية القضايا العامة، لا يزال يعاني عددا من الاختلالات، من بينها محدودية التفاعل الحقيقي مع الجمهور، وضعف التحليل العميق للقضايا البنيوية، والتركيز على الأحداث الآنية، إضافة إلى قصور تناول الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل المواطنين.
ودعا التقرير إلى تعزيز المهنية والحياد داخل البرامج السياسية، والانفتاح على الشباب، وإشراك الخبراء، وتطوير أدوات التفاعل الرقمي، إلى جانب اعتماد ميثاق مهني يضمن جودة النقاش العمومي، مع إدراج فقرات تفسيرية تشرح انعكاسات القرارات العمومية على الحياة اليومية.
وتناول التقرير التحول الذي عرفه الفضاء الإعلامي، موضحا أن المنصات الرقمية أصبحت تنافس وسائل الإعلام التقليدية في تشكيل الرأي العام، بعدما أصبح المواطن في الوقت نفسه منتجا للمحتوى ومتلقيا له، وهو ما أتاح توسيع فضاء التعبير، لكنه أفرز أيضا تحديات مرتبطة بسرعة انتشار المعلومات وضعف التحقق منها.
ونبه التقرير إلى أن المنصات الرقمية تتيح فرصا مهمة لتوسيع المشاركة المجتمعية وكشف القضايا التي كانت تغيب عن النقاش العمومي، غير أنها قد تؤدي أيضا إلى تعميق الاستقطاب وانتشار الأخبار المضللة، نتيجة اعتماد الخوارزميات على المحتوى الأكثر إثارة على حساب المحتوى الأكثر دقة.
وشدد التقرير على أن مواجهة هذه التحديات لا تستوجب الحد من حرية التعبير، وإنما تعزيز التربية الإعلامية، وتقوية الإعلام العمومي، وتشجيع المنصات على تحمل مسؤوليتها في حماية جودة النقاش العام.
وانتقل التقرير إلى تقديم تحليل SWOT للمشهد الحزبي والانتخابي، موضحا أن المغرب يتوفر على عدد من نقاط القوة، من بينها الإطار الدستوري المتقدم، والاستقرار المؤسساتي، والتقدم المسجل في تمثيلية النساء، مقابل استمرار نقاط ضعف تتمثل في العزوف الانتخابي، وضعف الوساطة الحزبية، والتطاير الانتخابي.
وحدد التقرير أبرز الفرص المتاحة في الطاقات الشبابية الرقمية، والرقمنة، والنموذج التنموي الجديد، معتبرا أن هذه العناصر يمكن أن تتحول إلى روافع حقيقية للإصلاح إذا جرى توظيفها في إطار رؤية سياسية واضحة.
وحذر التقرير من استمرار التهديدات المرتبطة بتراجع الثقة في المؤسسات، وانتقال النقاش العمومي إلى فضاءات يصعب ضبطها، مؤكدا أن تجاهل هذه المؤشرات قد يؤدي إلى تعميق أزمة المشاركة السياسية مستقبلا.
واستعرض التقرير أبرز التحديات والفرص، مشيرا إلى أن عزوف الشباب يمكن تحويله إلى فرصة عبر إطلاق برامج تشاركية تستجيب لانتظاراتهم، وأن ضعف الثقة يمكن معالجته من خلال تعزيز الشفافية والرقمنة، فيما تستوجب معالجة الفئة الصامتة تقديم عرض سياسي جديد، بينما يظل الإصلاح الاقتصادي المدخل الرئيسي لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية.
وقارن التقرير مستوى المشاركة الانتخابية في المغرب بعدد من الدول الإقليمية، موضحا أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، والبالغة 50.35 في المائة، تجاوزت نظيرتها في تونس والجزائر، واقتربت من نسبة المشاركة المسجلة في السنغال، مع التأكيد على أن اختلاف السياقات السياسية يجعل هذه المقارنات ذات طابع استئناسي أكثر من كونها معيارا للحكم على التجارب.
وأكد التقرير أن القيمة الحقيقية لهذه المقارنات تكمن في قراءة الاتجاه العام للمشاركة وليس الاكتفاء بالأرقام المجردة، موضحا أن الحفاظ على مستوى مشاركة يفوق بعض دول الجوار لا يغني عن الحاجة إلى إصلاحات تعزز الثقة وتمنع تآكل المشاركة مستقبلا.
وأوصى التقرير بإرساء منظومة دائمة لرصد مؤشرات الثقة والمشاركة، واعتماد مقارنات دورية مع التجارب الإقليمية والدولية، إلى جانب إحداث نظام للإنذار المبكر يرصد أي تراجع في نسب المشاركة قبل تحوله إلى أزمة بنيوية، مع اعتماد مؤشر نصف سنوي لقياس تطور الثقة في المؤسسات باعتباره أداة لتقييم أثر الإصلاحات السياسية والاقتصادية والإعلامية.
♦خارطة الإصلاح والديمقراطية الرقمية
واستخلص التقرير إلى أن تجاوز أزمة المشاركة السياسية واستعادة ثقة المواطنين يقتضيان الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ، عبر اعتماد خارطة طريق متدرجة تمتد بين سنتي 2026 و2035، تقوم على توزيع المسؤوليات بين الأحزاب السياسية والإعلام والدولة والمجتمع المدني، مع ربط كل مرحلة بأهداف قابلة للقياس والتقييم.
واقترح التقرير مسارا إصلاحيا يتوزع على ثلاث مراحل زمنية، تبدأ بين سنتي 2026 و2028 بإطلاق الإصلاحات الداخلية للأحزاب، وتعزيز المهنية داخل وسائل الإعلام، وترسيخ مبادئ الشفافية على مستوى مؤسسات الدولة، إلى جانب تعبئة المجتمع المدني للمساهمة في توسيع المشاركة السياسية.
وأوضح التقرير أن المرحلة الثانية، الممتدة بين 2029 و2031، تركز على تجديد النخب الحزبية، والانفتاح بشكل أكبر على فئة الشباب داخل المنظومة الإعلامية، وتعزيز المساءلة داخل المؤسسات العمومية، مع الانتقال بالمجتمع المدني من أدوار التعبئة إلى المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام.
وجدد التقرير التأكيد على أن المرحلة الثالثة، الممتدة من 2032 إلى 2035، تستهدف الوصول إلى ديمقراطية حزبية أكثر رسوخا، وتحقيق حياد مهني كامل داخل الإعلام، وترسيخ حكامة ترابية أكثر توزيعا للسلطات، إلى جانب إرساء آليات للديمقراطية التشاركية تجعل المواطنين شركاء في صناعة القرار العمومي.
وشدد التقرير على أن نجاح هذه الخارطة يظل رهينا بإرساء منظومة واضحة للقياس، معتبرا أن أي إصلاح لا يخضع للتقييم الدوري يفقد جزءا كبيرا من فعاليته، وأن نشر مؤشرات سنوية للمشاركة السياسية والثقة وتجديد النخب يشكل شرطا أساسيا لتحويل الإصلاحات من وعود سياسية إلى نتائج ملموسة.
كما دعا التقرير إلى إحداث مرصد وطني مستقل يتولى تتبع تطور المشاركة السياسية والثقة في المؤسسات وتجديد النخب، مع إصدار تقرير سنوي للمساءلة يعتمد مؤشرات قابلة للمقارنة بين مختلف السنوات، إضافة إلى إطلاق لوحة قيادة عمومية مفتوحة تتيح للمواطنين متابعة تطور ستة مؤشرات رئيسية على الأقل بشكل دوري.
وانتقل التقرير إلى تحليل دور الرقمنة والذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن التحولات الرقمية غيرت طبيعة المشاركة السياسية، بعدما انتقل جزء كبير من النقاش العمومي إلى المنصات الإلكترونية، خاصة في أوساط الشباب الذين أصبحوا يعتمدون على الوسائط الرقمية للتعبير عن آرائهم ومواقفهم أكثر من اعتمادهم على القنوات الحزبية التقليدية.
وأبرز التقرير أن المغرب يتوفر على مقومات تؤهله للاستفادة من التحول الرقمي، من بينها ارتفاع نسبة الولوج إلى الإنترنت، واتساع قاعدة المستخدمين الشباب، إلى جانب التطور المتسارع في استعمال التقنيات الرقمية داخل مختلف القطاعات، وهو ما يتيح إمكانية توظيف الرقمنة لتعزيز المشاركة السياسية وتحسين جودة الخدمات العمومية.
واعتبر التقرير أن المهارات الرقمية لم تعد مرتبطة فقط بالاندماج في سوق الشغل، بل أصبحت تمثل شرطا أساسيا لممارسة المواطنة الفاعلة، من خلال تمكين المواطنين من قراءة المعطيات، والتحقق من المعلومات، والمساهمة الواعية في النقاشات العمومية.
وأوضح التقرير أن الديمقراطية الرقمية لا تقتصر على اعتماد التصويت الإلكتروني، وإنما تشمل بناء منظومة متكاملة تتيح للمواطنين تقديم المقترحات، والمشاركة في المشاورات العمومية، وتتبع تنفيذ البرامج والسياسات، وممارسة الرقابة على الأداء العمومي بين موعدين انتخابيين.
واستعرض التقرير عددا من التجارب الدولية التي اعتمدت منصات للميزانية التشاركية والعرائض الرقمية، معتبرا أن هذه المبادرات أظهرت قدرة التكنولوجيا على تقريب المواطنين من دوائر اتخاذ القرار، شريطة تكييفها مع الخصوصيات الوطنية والمحلية وربطها بالجماعات الترابية والمؤسسات المنتخبة.
ولفت التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات مهمة لتطوير المشاركة الديمقراطية، من خلال تلخيص آلاف المساهمات الواردة في المشاورات العمومية، واستخراج الأولويات المشتركة، وتحليل شكاوى المواطنين، وتبسيط النصوص القانونية حتى تصبح أكثر قابلية للفهم من طرف عموم المواطنين.
وأشار التقرير إلى أن هذه التطبيقات يمكن أن تساهم في تخفيض كلفة المشاركة السياسية، سواء من حيث الوقت أو الجهد أو المعرفة المطلوبة، وهو ما قد يشجع فئات جديدة على الانخراط في النقاشات العمومية والمساهمة في صنع القرار.
واعتبر التقرير أن أحد أهم مجالات توظيف الذكاء الاصطناعي يتمثل في تعزيز الشفافية والمساءلة، عبر تطوير أدوات رقمية تمكن المواطنين من تتبع مدى تنفيذ الوعود الانتخابية وربطها بمؤشرات إنجاز يتم تحديثها باستمرار اعتمادا على البيانات المفتوحة.
وأوضح التقرير أن هذه الآليات من شأنها نقل المساءلة من المناسبات الانتخابية إلى ممارسة يومية مستمرة، بما يسمح للمواطنين بالاطلاع على ما تحقق من الالتزامات وما تعثر منها، استنادا إلى معطيات قابلة للتحقق.
وحدد التقرير أربعة مجالات رئيسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في خدمة الديمقراطية، تشمل تتبع الوعود الانتخابية لتعزيز المساءلة، وإطلاق منصات للميزانية التشاركية الرقمية لتوسيع مشاركة السكان في اتخاذ القرار، وتطوير أدوات لتلخيص المشاورات العمومية وخفض كلفة المشاركة، إضافة إلى اعتماد حلول لرصد التضليل المعلوماتي بهدف حماية جودة النقاش العام، مع التأكيد على ضرورة احترام حرية التعبير والشفافية في عمل الخوارزميات وضمان إتاحة البيانات المفتوحة.
وحذر التقرير من أن الرقمنة لا تخلو من مخاطر، وفي مقدمتها اتساع الفجوة الرقمية بين الفئات والمجالات، بما قد يؤدي إلى إقصاء سكان المناطق القروية أو كبار السن من الاستفادة من أدوات المشاركة الرقمية إذا لم تواكبها سياسات للدمج الرقمي.
ونبه التقرير إلى تصاعد مخاطر التضليل المعلوماتي، في ظل الانتشار المتزايد للمحتوى المنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، وما يرافقه من صعوبة متزايدة في التمييز بين المعلومات الصحيحة والمحتوى المضلل، خاصة خلال الفترات الانتخابية.
وأثار التقرير إشكالية سيادة المعطيات، متسائلا عن الجهة التي تمتلك بيانات المواطنين وكيفية تخزينها والضمانات القانونية المرتبطة بحمايتها، معتبرا أن هذه القضايا أصبحت جزءا أساسيا من النقاش المرتبط بالسيادة الرقمية وحماية الحقوق الأساسية.
وأكد التقرير أن الرقمنة ليست محايدة بطبيعتها، وإنما يتحدد أثرها وفق القيم التي تحكم تصميمها والإطار القانوني والمؤسساتي الذي ينظم استعمالها، محذرا من أن أدوات المشاركة قد تتحول إلى وسائل للمراقبة أو تعميق الاستقطاب إذا غابت الضمانات الأخلاقية والمؤسساتية.
وأوصى التقرير بإطلاق منصة وطنية مفتوحة المصدر لتتبع تنفيذ الالتزامات العمومية، مع نشر مؤشرات الإنجاز الخاصة بجميع البرامج خلال أجل لا يتجاوز ثمانية عشر شهرا، إلى جانب اعتماد ميثاق وطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات العمومية، يكفل حماية المعطيات الشخصية وضمان سيادة المواطن على بياناته.
ودعا التقرير إلى إطلاق برنامج وطني للتربية الرقمية والمدنية يستهدف الشباب والفئات الهشة، مع تحديد هدف تكوين مليون مستفيد في أفق سنة 2030، بما يساهم في تعزيز الثقافة الرقمية ورفع جودة المشاركة السياسية.
وأبرز التقرير أن نجاح الديمقراطية الرقمية يظل مرتبطا بتوفير بنية تحتية رقمية عادلة تضمن تكافؤ فرص الولوج إلى الإنترنت والخدمات الرقمية بين مختلف الجهات، مع تقليص الفجوة القائمة بين الوسطين الحضري والقروي وبين مختلف الفئات العمرية.
وشدد التقرير على أن الاستثمار في الرأسمال البشري الرقمي يمثل أحد أهم رهانات العقد المقبل، معتبرا أن تنمية المهارات الرقمية لدى المواطنين توازي في أهميتها تطوير البنية التحتية، لأنها تمكنهم من التعامل الواعي مع المعطيات، وتقييم مصادر الأخبار، والمشاركة الفاعلة في النقاش العمومي.
وخلص التقرير إلى أن أزمة المشهد الحزبي والانتخابي في المغرب تعكس أزمة ثقة تراكمت على مدى سنوات، وأن العزوف واتساع الفئة الصامتة يمثلان نتيجة مباشرة لضعف الوساطة السياسية، وليس مجرد سلوك انتخابي عابر.
أوضح التقرير أن دستور 2011 وفر إطارا مؤسساتيا متقدما للإصلاح، وأن التجارب الناجحة، وفي مقدمتها تطور تمثيلية النساء، تؤكد أن الإصلاحات المدروسة قادرة على إحداث تغيير ملموس متى اقترنت بالإرادة السياسية والمتابعة المستمرة.
واستعرض التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة في أفق سنة 2035، يتمثل الأول في استمرار الوضع القائم بما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات وتراجع الشرعية التمثيلية، بينما يقوم الثاني على تنفيذ الإصلاحات بشكل تدريجي بما يسمح برفع نسبة المشاركة إلى نحو 65 في المائة وتعزيز الثقة في المؤسسات، في حين يحذر السيناريو الثالث من مخاطر الإصلاح المتسرع أو غياب الإصلاح وما قد يترتب عنه من توترات تمس الاستقرار.
وربط التقرير تحقيق الإصلاح الشامل بإرساء نموذج جديد للوساطة السياسية يعتمد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الشفافية وتتبع الالتزامات وتوسيع المشاركة، مع التأكيد على أن التكنولوجيا تظل وسيلة لخدمة الديمقراطية وليست بديلا عنها، وأن المواطن يجب أن يبقى محور العملية الديمقراطية وصاحب القرار النهائي.
وانتهى التقرير بالتشديد على أن استعادة الفئة الصامتة لا يمكن أن تتحقق عبر حملات تواصلية موسمية، وإنما تتطلب مشروعا وطنيا متكاملا لإعادة بناء الثقة وتجديد الوساطة السياسية، بالاستناد إلى ثقافة القياس والمساءلة، وتكامل أدوار الدولة والأحزاب والإعلام والمجتمع المدني، حتى يستعيد المواطن قناعته بأن مشاركته قادرة على إحداث أثر حقيقي في صناعة القرار وبناء مستقبل الديمقراطية المغربية.

