عادت قضية الصحراء المغربية إلى الواجهة من جديد، بعدما تقدم أول أمس الأربعاء ستافان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، بمقترح إلى مجلس الأمن الدولي يقضي بتقسيم الإقليم بين المغرب وجبهة “البوليساريو”، وهو ما اعتبر تراجعا خطيرا في دور المبعوث الأممي في العمل على إيجاد حل سياسي ينهي هذا النزاع المفتعل بالمنطقة لما يقارب النصف قرن، حيث لم يستحضر في مقترحه التطورات الأخيرة في هذا الملف واقرارات مجلس الأمن المرتبطة بذلك، والمتمثلة في الدعم الدولي المتزايد لمغربية الصحراء والإشادة بمبادرة الحكم الذاتي كخطة ذات جدية ومصداقية وقابلية للتطبيق على أرض الواقع.
♦ الموقف المغربي
أبرز بوبكر أنغير، الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أنه من المؤكد أن المغرب سيرفض بشكل قاطع مقترح دي ميستورا وسيعتبره تراجعا حتى عن التفويض المقدم له من قبل الأمين العام للأمم المتحدة الذي يلزمه بالبحث عن الحلول لا تعريض المفاوضات للجمود .
واعتبر أنغير أن إنكار المقترح المغربي للحكم الذاتي تشتم منه روائح التأثير الجزائري بشكل واضح مما يجعل نزاهة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة على المحك، متوقعا حدوث أزمة صامتة بين المغرب والمبعوث الأممي إلى حين تغييره أو استقالته لأنه بمقترحه يمكن ان يشعل المنطقة برمتها ويسعر الجزائر التي تبحث عن أي ذريعة للمس بالأمن والاستقرار بالمملكة المغربية.
قضية الصحراء.. هل فشل دي ميستورا في مساعيه لحلحلة الملف وما الخيارات المطروحة؟
وأردف أن خطورة المقترح تكمن في أنه يعرض كل المنطقة لمخاطر حقيقية خصوصا وأن الأوضاع الدولية والإقليمية في اضطراب كبير، مبرزا أن استقرار وأمن المغرب مسألة حيوية بالنسبة لكل الأطراف الدولية باعتبار الأدوار الكبيرة التي يقوم بها من أجل الأمن والاستقرار الدوليين.
وشدد الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، على أن أي مقترح لا تراعى فيه المصالح المغربية سيكون مآله الفشل وسيكون ضد تطورات الأمور بعد الاعترافات الدولية من كبرى الدول بسيادة المغرب على صحرائه.
♦ توالي أخطاء دي ميستورا
يشير بوبكر أنغير إلى أن الأخطاء من ممثل الأمين العام للأمم المتحدة دي ميستورا توالت منذ زيارته لجنوب افريقيا وإشراكها في قضية الصحراء التي لا تهمها بتاتا، وتصريحاته المتذبذبة وغير المفهومة في بعض الأحيان.
واعتبر أنغير ان هذا الممثل الأممي لم يعد صالحا لتدبير المفاوضات بين الأطراف بشكل نزيه ومسؤول واقتراحه بتقسيم الصحراء المغربية اقتراح مشكوك في أصله وفي حيثياته وهو تجاهل لكل المكتسبات الدبلوماسية التفاوضية التي راكمها مجلس الأمن الدولي عبر قراراته التي لم تعد تتحدث بتاتا عن أي مقترح ماعدا الحكم الذاتي.
وأشار إلى أن المبعوث الأممي أرجع الأمور الى المربع الأول وأفشل كل المساعي الأممية التي بذلت في قضية الصحراء المغربية، موضحا أن قرار التقسيم مرفوض بشكل قاطع ولا ينسجم بتاتا مع روح الواقع ومع منطق الأشياء.
تقرير غوتيريش حول قضية الصحراء المغربية.. إلى أين يتجه ملف النزاع المفتعل؟
وأبرز أن استمرار المبعوث الأممي الحالي يعتبر عرقلة حقيقية أمام التقدم في المفاوضات وفي إيجاد حل سلمي تفاوضي متوافق عليه، لافتا إلى أن اقتراح مبعوث الأمين العام دي ميستورا ليس تفاوضيا ولا مقبولا ولا يحترم ما تم بذله من عطاء وتضحيات من طرف المغرب والمنظومة الدولية التي يتزايد اعترافها بمغربية الصحراء وبوجاهة خطة الحكم الذاتي.
♦ مستقبل الوساطة الأممية
يرى بوبكر أنغير أن فشل بعض المبعوثين الأمميين المكلفين بقضية الصحراء المغربية راجع إلى عدة أمور منها أن أي مبعوث أممي يريد أن يبدأ حلحلة الملف بدون الاستناد إلى التراكمات المحققة في تطورات الملف ومنها الانتصارات الدبلوماسية التي حققها المغرب وزيادة الاعترافات الدولية بسيادة المملكة على صحرائها؛ وخصوصا من قبل الدول الكبرى.
ونبه إلى أنه لا يمكن إغفال هذه التطورات ومنطق سير الأمور والبدء من الصفر، مشددا على أن هذا ما أدى إلى فشل بعض المبعوثين الأمميين الذين لم تكن لهم الحصافة والقدرة على إقناع الجزائر باستحالة قبول المغرب لأي حل تفاوضي لا يضمن سيادته، وهو المتمثل في أن المغرب على أرضه ويباشر فيها أوراش تنموية كبيرة ويستقبل استثمارات مهمة من دول شتى في العالم.
إيران تجدد عدائها للوحدة الترابية للمملكة.. قراءة في أسرار وخلفيات الأزمة بين الرباط وطهران
وأردف أن الأمر الثاني الذي يحكم على عمل بعض المبعوثين الأمميين بالفشل هو التأثير الجزائري بجميع الوسائل ومنها غير النظيفة، أي باللجوء إلى التشويش وشراء الذمم وافتعال الأزمات، فمنذ زيارة دي ميستورا لجنوب افريقيا واقحامه لهذه الأخيرة في ملف بعيد عنها تبينت نوايا هذا المسؤول الأممي.
وذكر أن دي ميستورا ربما يتوجه إلى الاستقالة من منصبه، لأنه لم يعد مقبولا من الطرف الرئيسي المغرب وهذا ما سيظهر في الأيام المقبلة، وإن كانت الرباط لا تريد افتعال أزمة مع المبعوث الأممي ولا مع الأمين العام للأمم المتحدة، لأن حدوث ذلك أمر تبحث عنه الجزائر.
بين بريتوريا وموسكو.. هل فقد المبعوث الأممي دي ميستورا البوصلة في تدبير ملف الصحراء المغربية؟
وشدد الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، على أن المغرب يفضل اللجوء إلى الحوار البناء مع الأمم المتحدة بدون ضجيج، لافتا إلى أن البديل الأممي المرتقب في حالة رحيل دي ميستورا، يجب أن يكون ملما بالملف وبتطوراته ومستجداته، وأن يكون متنزها عن الضغوطات بكل أشكالها.

