فجر ظهور الدكتور أحمد فطري، الأمين العام السابق لحزب الوحدة والديمقراطية، داخل المقر المركزي لحزب العدالة والتنمية بالرباط، بحضور عبد الإله بنكيران وإدريس الأزمي الإدريسي، موجة من التساؤلات حول خلفيات استقالته ومسار تقاربه مع “البيجيدي”.
وأعاد هذا الظهور غير المسبوق فتح النقاش بشأن مستقبل حزب الوحدة والديمقراطية، وحدود التحولات التي يشهدها المشهد الحزبي، في ظل حديث متزايد عن إعادة تموقعات سياسية استعدادا للاستحقاقات المقبلة.
♦سنوات التأسيس والمعاناة
وفي هذا السياق، استعرض أحمد فطري، الأمين العام السابق لحزب الوحدة والديمقراطية، تفاصيل المرحلة التي سبقت تأسيس الحزب، مؤكدا أن التجربة انطلقت وسط ظروف وصفها ب”القاسية والمعقدة”، بعيدا عن أي دعم سياسي أو مالي، وفي سياق اتسم بصعوبات قانونية وتنظيمية استمرت لسنوات.
وأوضح فطري، خلال ندوة صحفية احتضنها مقر حزب العدالة والتنمية بالرباط، صباح اليوم الأربعاء، أن مؤسسي الحزب خاضوا معركة طويلة من أجل الحصول على الاعتراف القانوني، بعدما واجهوا عراقيل إدارية وقانونية دفعتهم إلى اللجوء للقضاء الإداري ابتدائيا واستئنافيا في مواجهة وزارة الداخلية.
وأشار إلى أن أول ملف قانوني جرى رفضه، ما اضطر قيادة الحزب إلى إعادة العملية التنظيمية من بدايتها، بما في ذلك جمع التوقيعات على المستوى الوطني، مؤكدا أن العملية تطلبت مجهودا كبيرا بالنظر إلى ضعف الإمكانيات المتوفرة آنذاك.
وأضاف أن الحزب تمكن في نهاية المطاف من جمع حوالي 1200 توقيع للمرة الثانية، وهو ما اعتبره “إنجازا تنظيميا” تحقق بفضل القناعة السياسية والإصرار على الاستمرار، قبل أن يحصل الحزب على الاعتراف الرسمي سنة 2009.
وبين فطري أن السنوات الأولى بعد التأسيس كانت مليئة بالتضحيات الشخصية، موضحا أنه كان يتنقل رفقة الراحل العربي العزوزي بين مختلف المدن والقرى المغربية للتواصل مع المناضلين واستكمال الإجراءات التنظيمية، وذلك بموارد ذاتية ومن دون أي تمويل خارجي.
ورأى أن التحضير للمؤتمر التأسيسي سنة 2008، الذي عرف مشاركة أزيد من 1200 مؤتمر، تم بإمكانيات خاصة، قائلا إن قيادة الحزب كانت تتحمل كافة المصاريف من دخلها الشخصي، مضيفا أن الأمر وصل إلى حد “الصرف من قوت الأسرة” من أجل استمرار المشروع السياسي.
كما كشف أن الحزب لم يتوصل بأي دعم عمومي خلال السنوات الثلاث الأولى التي أعقبت الاعتراف القانوني، مبرزا أن التنظيم ظل يعتمد بشكل كامل على موارده الذاتية إلى غاية انتخابات 2011، التي مكنته من الفوز بأول مقعد برلماني بمدينة تازة، وهو الفوز الذي اعتبره نقطة تحول أعادت للحزب جزءا من حضوره السياسي.
واسترسل بأن الحزب تمكن لاحقا من الظفر بمقعد ثان خلال انتخابات 2016 بإقليم أزيلال، الأمر الذي سمح له بالحصول على دعم عمومي محدود ساهم في تغطية جزء من المصاريف التنظيمية والإدارية.
♦الانهيار المالي والتنظيمي
اعتبر فطري أن سنة 2021 شكلت بداية مرحلة الانهيار الحقيقي داخل حزب الوحدة والديمقراطية، موضحا أن الحزب دخل بعد تلك الانتخابات في أزمة مركبة شملت الجوانب المالية والتنظيمية والسياسية.
وأرجع هذا الوضع، في جزء كبير منه، إلى وفاة القيادي العربي العزوزي نهاية سنة 2020، مؤكدا أن الراحل كان يشكل دعامة أساسية داخل الحزب سواء على المستوى المالي أو التنظيمي أو المعنوي، مضيفا أن غيابه ترك فراغا كبيرا داخل القيادة الحزبية.
ونبه إلى أن الحزب تلقى ضربة ثانية بعد فشله في الفوز بأي مقعد خلال انتخابات 2021، ما أدى إلى فقدانه لشرط الاستفادة من الدعم العمومي، خاصة بسبب عدم احترام شرط إدراج امرأة من الجالية المغربية ضمن لوائح الترشيح، وهو ما تسبب في حرمان الحزب من التمويل العمومي.
أفاد فطري أن الحزب وجد نفسه بعد ذلك أمام وضع مالي خانق، قائلا إن التنظيم لم يعد قادرا حتى على تغطية المصاريف الأساسية المرتبطة باستمرار العمل الحزبي، مثل التنقل والإقامة وتنظيم الاجتماعات.
وأورد أنه اضطر شخصيا إلى تحمل مصاريف الحزب من ماله الخاص، موضحا أنه كان يؤدي شهريا مبالغ تتراوح بين ثلاثة آلاف وثمانية آلاف درهم لضمان الحد الأدنى من استمرارية التنظيم، رغم كونه أستاذا جامعيا متقاعدا بإمكانيات محدودة.
وانتقد ما وصفه بضعف الالتزام داخل بعض هياكل الحزب، معتبرا أن عددا من أعضاء المكتب السياسي لم ينخرطوا فعليا في تحمل المسؤولية التنظيمية أو المالية، مضيفا أن بعضهم “كان حاضرا بالاسم فقط”.
وقال إنه حاول خلال مؤتمر سنة 2022 تجاوز الأزمة المالية عبر طرح مقترح يلزم أعضاء المكتب السياسي بمساهمة مالية سنوية، غير أن المقترح واجه اعتراضات قوية قبل أن يتم تخفيض قيمته بشكل كبير، مؤكدا أن نصف الأعضاء لم يلتزموا حتى بالمبلغ المخفف.
كما تحدث عن الديون التي ما تزال تثقل كاهل الحزب، موضحا أن التنظيم مطالب بإرجاع حوالي 13 مليون سنتيم مرتبطة بمصاريف الحملة الانتخابية الأخيرة، رغم أن الأموال صرفت فعليا خلال الانتخابات، وفق تعبيره.
وأشار إلى أنه تواصل مع المجلس الأعلى للحسابات من أجل توضيح ملابسات الملف، غير أن المؤسسة أكدت أن الأمر يتعلق بتطبيق المقتضيات القانونية الجاري بها العمل.
وأضاف أنه اضطر إلى دفع جزء من المبلغ من ماله الخاص من أجل إظهار حسن النية تجاه الدولة، فيما لا يزال جزء مهم من الدين قائما إلى حدود اليوم.
وأكد فطري أن الأزمة المالية انعكست بشكل مباشر على الوضع التنظيمي للحزب، موضحا أن المكتب السياسي أصبح يعقد اجتماعاته عن بعد بسبب غياب الإمكانيات، بينما توقفت عدة لجان وهيئات داخلية عن عقد اجتماعاتها طيلة سنوات.
♦التقارب مع العدالة
كشف أحمد فطري أن قرار التقارب مع حزب العدالة والتنمية لم يكن قرارا مفاجئا أو معزولا، بل جاء بعد سلسلة من المشاورات الداخلية ومحاولات البحث عن مخرج للأزمة التي كان يعيشها حزب الوحدة والديمقراطية.
وأبان أنه اقترح في البداية فتح حوار مع خمسة أحزاب سياسية مختلفة، قبل تقليص العدد تدريجيا إلى ثلاثة ثم حزبين، غير أن ضعف التفاعل داخل أجهزة الحزب حال دون بلورة أي مبادرة عملية لإنقاذ التنظيم.
وذهب إلى أن العلاقة التي تجمعه منذ أكثر من ثلاثين سنة ب عبد الإله بنكيران وعدد من قيادات العدالة والتنمية ساهمت في تقريب وجهات النظر، مضيفا أن الحزب وجد نفسه أقرب إلى “البيجيدي” من الناحية الفكرية والتنظيمية.
وأظهر أن خيار الاندماج القانوني بين الحزبين كان صعب التحقيق بسبب التعقيدات القانونية والتنظيمية المرتبطة بقوانين الأحزاب، ما جعل خيار حل حزب الوحدة والديمقراطية وترك الحرية للأعضاء في اختيار انتمائهم السياسي هو الحل المتاح.
ورد فطري على الانتقادات التي طالته عقب إعلان هذا التوجه، معتبرا أن بعض الأصوات التي تعارض القرار “اختفت تماما” خلال فترة الأزمة، ولم تظهر إلا بعد طرح فكرة حل الحزب، مضيفا أن بعض المنتقدين كانوا يخشون فقدان مواقعهم أو امتيازاتهم داخل التنظيم.
كما اعتبر أن حزب العدالة والتنمية يتميز بكونه من الأحزاب التي ما تزال تشتغل على التأطير السياسي للمواطنين خارج الفترات الانتخابية، مشيدا بما وصفه بالانضباط التنظيمي والحفاظ على الثوابت السياسية.
وجدد التأكيد على أن اختياره لهذا التوجه نابع من قناعة فكرية وأخلاقية، موضحا أن السياسة بالنسبة إليه لا يمكن أن تنفصل عن الأخلاق والممارسة النظيفة، مضيفا أنه ظل طوال مساره السياسي يبحث عن تجربة حزبية تقوم على الوضوح والالتزام.
وخلص فطري إلى أن تجربته داخل حزب الوحدة والديمقراطية كانت مليئة بالتضحيات والصعوبات، لكنها ظلت، بحسب تعبيره، “محاولة سياسية صادقة” آمن بها منذ البداية، قبل أن تفرض التحولات المالية والتنظيمية واقعا جديدا دفعه إلى اتخاذ قرار الاستقالة وفتح صفحة سياسية مختلفة.

