تشهد أسواق المملكة موجة غلاء متصاعدة للبصل، ما يضع الأسر في مواجهة مباشرة مع ارتفاع تكلفة المواد الأساسية.
وهذه الظاهرة تعكس اختلالات في سلاسل الإنتاج والتوزيع، إضافة إلى تأثير العوامل المناخية على المحاصيل المحلية.
ويثير الغلاء المتزايد قلق المواطنين حول قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية، خاصة في ظل تفاوت الأسعار بين المدن وغياب رقابة فعالة على السوق.
كما يسلط الوضع الضوء على الحاجة الملحة لإجراءات حكومية واستراتيجية لتوفير المنتجات الأساسية بأسعار مناسبة، وضمان استقرار القدرة الشرائية للمواطنين.
♦أثمنة خيالية
أكد محمد، أن أسعار البصل عرفت ارتفاعا حادا وغير مسبوق خلال الفترة الأخيرة، موضحا أنه كان يقتنيها سابقا بحوالي 1 درهم إلى 1.20 درهم، قبل أن تقفز بشكل مباشر إلى ما بين 15 و17 درهما للكيلوغرام، وهو ما اعتبره ارتفاعا صادما أربك ميزانية الأسر المغربية.
وأبرز محمد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الغلاء لم يعد مقبولا بالنسبة للمواطن البسيط، خاصة في ظل تزايد تكاليف المعيشة، مضيفا أن البصل، الذي كان عنصرا أساسيا في كل بيت، أصبح اليوم يثقل كاهل المستهلكين بشكل واضح.
وأشار المتحدث إلى أنه اضطر إلى تغيير عاداته الاستهلاكية نتيجة هذا الوضع، حيث لم يعد يشتري نفس الكميات كما في السابق، بل أصبح يكتفي باقتناء نصف كيلوغرام أو حبة أو حبتين فقط عند الحاجة، من أجل التحكم في مصاريفه اليومية، موضحا أن هذا السلوك أصبح شائعا بين عدد كبير من المواطنين، الذين لم يعد بإمكانهم مجاراة هذا الارتفاع، ما يعكس حجم الضغط الذي تعيشه القدرة الشرائية.
وأضاف محمد أن الأزمة لا تقتصر على البصل فقط، بل تشمل كذلك باقي الخضر، مشيرا إلى أن بعض الخضروات وصلت إلى 10 دراهم للكيلوغرام، وهو رقم لم يسبق له أن شاهده من قبل، بعدما كانت تُباع بـ 0.40 درهم إلى 0.60 درهم في فترات سابقة، مبرزا أن هذا الارتفاع العام حرم المستهلك من إيجاد بدائل مناسبة، وجعل اختياراته الغذائية أكثر صعوبة وتعقيدًا.
ولفت المتحدث إلى أن تكلفة اقتناء الخضر الأساسية أصبحت مرتفعة بشكل كبير، موضحًا أن شراء 1 كيلوغرام من الطماطم، و1 كيلوغرام من الفلفل، و1 كيلوغرام من الباذنجان، و1 كيلوغرام من الكوسة، و1 كيلوغرام من الجزر، و1 كيلوغرام من الخيار، إضافة إلى 2 كيلوغرام من البطاطس، قد يصل إلى حوالي 150 درهما، وهو مبلغ مرتفع بالنسبة لعدد كبير من الأسر، مؤكدا أن هذا الرقم يعكس بوضوح حجم الغلاء الذي طال المواد الأساسية.
واعتبر محمد أن هذا الارتفاع المتزامن في أسعار عدد من المواد الغذائية يطرح تساؤلات حقيقية حول أسبابه، كما يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن في تدبير مصاريفه، خاصة في ظل غياب حلول ملموسة للحد من هذه الزيادات، معبرا عن أمله في تحسن الأوضاع خلال الفترة المقبلة، متمنيًا أن تعود الأسعار إلى مستويات معقولة تتيح للمواطنين تلبية حاجياتهم الأساسية دون ضغط أو معاناة.
♦تراجع العرض وارتفاع الأسعار
أوضح عبد الكبير معيدن،الكاتب العام لجمعية سوق الجملة للخضر والفواكة بالدار البيضاء، أن الارتفاع الملحوظ في أسعار البصل بالأسواق الوطنية خلال الفترة الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بتراجع العرض، نتيجة الاضطرابات المناخية التي أثرت على الإنتاج، خاصة التساقطات الأخيرة التي شهدتها منطقة الغرب، باعتبارها من أهم المزودين للسوق المغربية.
وأشار معيدن في تصريح لجريدة “شفاف” إلى أن الفيضانات التي عرفتها هذه المناطق ألحقت أضرارا كبيرة بالمحصول، سواء من حيث الكمية أو الجودة، حيث أصبح جزء مهم من الإنتاج غير قابل للتسويق بسبب التلف أو تدهور حالته، وهو ما ساهم في تقليص الكميات المعروضة داخل الأسواق.
وأبرز المتحدث أن هذا الوضع انعكس بشكل واضح على التوازن بين العرض والطلب، حيث أدى انخفاض الكميات المتوفرة إلى ارتفاع الأسعار بشكل تدريجي، في ظل استمرار الطلب المرتفع على هذه المادة الأساسية.
وأضاف أن السوق يمر حاليا بمرحلة دقيقة، تتسم بندرة نسبية في المنتوج، ما يجعل أي اضطراب في الإنتاج ينعكس بشكل مباشر على الأسعار.
ولفت إلى أن جزءا من البصل المعروض حاليا فقد جزءا من جودته نتيجة ظروف التخزين، حيث تظهر عليه علامات التلف أو “التنبيت”، ما يعكس تأثير طول مدة التخزين وعدم توفر شروط مثالية للحفاظ على المنتوج.
♦تكاليف مرتفعة وآفاق الانفراج
شدد عبد النبي الزيراري على أن الوضع الحالي لا يرتبط فقط بتراجع الإنتاج، بل يتداخل مع عوامل أخرى، من بينها ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، في ظل زيادة أسعار المحروقات ومدخلات الإنتاج، وهو ما يفرض ضغطا إضافيا على الفلاحين والمهنيين، ويدفع نحو رفع الأسعار لتغطية هذه التكاليف.
وأظهر أن المرحلة الحالية تعد فترة انتقالية بين موسمين فلاحيين، وهو ما يؤدي عادة إلى ضغط على العرض في انتظار دخول محاصيل جديدة إلى الأسواق.
وأفاد أن البصل المتوفر حاليا خضع لفترة تخزين طويلة منذ شهري 7 و8، ما يجعله أكثر عرضة للتلف مقارنة بالمنتوج الطازج، خاصة في ظل اعتماد طرق تخزين تقليدية لا توفر دائما الظروف الملائمة، حيث ساهمت الرطوبة الناتجة عن التساقطات المطرية، إلى جانب انخفاض درجات الحرارة خلال الأشهر الماضية، في إتلاف جزء من المخزون وتقليص مدته التسويقية، مشيرا إلى أن هذه العوامل مجتمعة تفسر تراجع الجودة المسجل حاليا، إلى جانب ارتفاع الأسعار.
وتوقع المتحدث أن تعرف السوق نوعا من الانفراج خلال الأسابيع المقبلة، مع تحسن العرض تدريجيا، تزامنا مع دخول محاصيل جديدة من عدد من المناطق الفلاحية ابتداء من شهر 5، وهو ما من شأنه إعادة التوازن بين العرض والطلب، والمساهمة في استقرار الأسعار بشكل تدريجي، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالتخزين وتكاليف الإنتاج.

