تعد المغارات بالنسبة لعديد الدول إحدى وسائل الجذب السياحي، التي لها دور مهم في إغناء العروض بهذا المجال والمساهمة في تعزيز اقتصاداتها الوطنية، وبالرغم من توفر المغرب على عدد من هاته الفضاءات إلا أن القليلون هم من يعرفونها، وهو ما يبرز جليا مع مغارة “الكُرعان” التي تقع على بعد 37 كيلومترا شمال مدينة آسفي، والتي تحظى باهتمام عالمي مقابل تجاهل لها من طرف المسؤولين على القطاعات المرتبطة بهذا المجال في بلادنا، وذلك باستثناء عشاق الاستغوار الذين لهم اطلاع واسع بمميزاتها وجمالية طبيعتها.
ومن أجل التعرف على الخصوصيات المميزة لمغارة “الكُرعان” الواقعة في جماعة “البدوزة” بإقليم آسفي، وكذا الإشكاليات التي تواجهها، ومدى حاجتها للإشعاع السياحي بالنظر للإمكانيات التي تزخر بها، والإجراءات والتدابير اللازمة من أجل تثمين والحفاظ على التراث المادي الخاص بها، حاورت جريدة “شفاف” رضوان كرماط، رئيس جمعية راع للاستغوار والسياحة الجبلية والبيئة.
♦ كيف جاءت فكرة تأسيس جمعية للاستغوار، وهل كان المنطلق هو الرغبة في تثمين والحفاظ على التراث المادي لمغارة “الكُرعان”؟
العشق الذي أتقاسمه مع مجموعة من زملائي بآسفي لعالم استكشاف الطبيعة والشغف بالمغارات كانت أهم الدوافع لتأسيس هذه الجمعية المعنية بهذا المجال، إضافة لإدراكنا كأبناء المنطقة لضرورة وجود هيئة أو تنظيم يعنى بهذا الأمر في حاضرة المحيط الأطلسي.
وقبل تأسيس الجمعية في عام 2016، كنا نقبل عند كل زيارة لشاطئ “البدوزة” بالولوج إلى مغارة الكُرعان” التي جرى اكتشافها خلال سنة 1934، لتتولد لنا مع الوقت فكرة إحداث تنظيم يعنى بهذه المعلمة الآثرية ويعرف بها أكثر، ويساعد على حمايتها والحفاظ عليها.
وأشير إلى أنه سبقتنا جمعية مختصة في هذا المجالات، وكنا نحضر للقاءاتها وأعمالها التي تنظمها بهذا الخصوص، لكن أنشطتها لم توازي تطلعاتنا كمحبين وعشاق لمجال الاستغوار، وهو ما دفعنا إلى الاشتغال على تأسيس الجمعية الخاصة بنا (جمعية راع للاستغوار والسياحة الجبلية والبيئية).
والهدف من هذه الجمعية هو التعريف بمجال الاستغوار ولاسيما بمغارتي “الكُرعان” بآسفي و”شخرخر” باليوسفية، وتشجيع الناس على استكشاف هذا المجال وممارسة الأنشطة المرتبطة به، وللأسف لحدود اللحظة لا يزال الاهتمام ضعيفا من طرف المسؤولين بالمغارات وما تكتسيه هذه العوالم الطبيعية والمآثر التاريخية والثقافية التي تعود نشأتها لملايين السنوات.
♦ ما هي الخصوصيات الايكولوجية للمغارة وهل فعلا المغارة تحتاج للإشعاع السياحي بالنظر للإمكانيات التي تزخر بها؟
منذ سنوات تقوم مجموعة من البعثات العلمية الأجنبية المختصة في الدراسات الإيكولوجية بزيارة مغارة “الكُرعان” بسبب ما تحتويه من كائنات حية نادرة، ولاسيما عدد من الحشرات التي ينفرد هذا المكان بوجودها، إلى جانب التضاريس المتشكلة نتيجة العمليات الجيولوجية المتعاقبة على هذه المنطقة منذ قرون.
وكما هو معروف، فإن كل مغارة تنفرد بخصوصيات إيكولوجية وجيولوجية معينة، لكن الخفاش يكون هو أساس هذا المحيط باعتباره المكون البيئي التي تدور حوله الحياة بهاته الأمكنة، حيث يعيش هذا الحيوان داخلها، لكن يبحث عن طعامه خارجها، ليوفر من خلال بقايا ما يقتات عليه وما يطرحه من فضلات؛ الغذاء لباقي الحشرات الموجودة بهذه المنطقة.
وقبل ظهور المكتب الشريف للفوسفاط ومساهمته في توفير الأسمدة الفلاحية، كانت ساكنة المناطق المجاورة التي تمارس النشاط الزراعي تعتمد على فضلات الخفافيش في تسميد أراضيها، وهو ما كان له وقع إيجابي على زراعتهم خلال تلك المرحلة، وهذا الأمر من العوامل التي تدفعنا الآن إلى الاشتغال من أجل ضم هذه المغارة إلى لائحة المآثر التاريخية ببلادنا.
ووفق القانون رقم 80.22 المتعلق باﻟﻣﺣﺎﻓظﺔ ﻋﻟﯽ اﻟﻣﺑﺎﻧﻲ اﻟﺗﺎرﯾﺧﯾﺔ واﻟﻣﻧﺎظر واﻟﮐﺗﺎﺑﺎت اﻟﻣﻧﻘوﺷﺔ واﻟﺗﺣف اﻟﻔﻧﯾﺔ واﻟﻌﺎدﯾﺎت، يمكن تصنيف هذه المغارة ضمن المآثر التاريخية التي تستلزم عناية خاصة، واليوم يتم إعداد ملف من طرفنا وكذا مجموعة من المتدخلين في هذا الجانب باعتبارها منطقة ذات جمالية طبيعية من أجل وضعها بهذا التصنيف، حيث سيجري في قادم الأشهر تقديمه لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، وذلك في أفق العمل أيضا على دخولها لقائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للتراث العالمي المادي.
وفي هذا الجانب نظمنا هذه السنة؛ في 6 يونيو الماضي دراسة حول المغارات الموجودة بالمنطقة في جماعة السبيعات بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمغارات السياحية المهيأة، وذلك من أجل تسليط الضوء على هاته المعالم التاريخية التي لها ارتباط وثيق بالساكنة التي عاشت منذ قرون بالقرب منها، وتدارس الإجراءات الكفيلة بحمايتها والاستفادة مما توفره من فرص فيما يتعلق بالجانب السياحي.
وتحظى هذه المغارة بإشعاع دولي لدى الجامعات الرائدة في مجالات الإيكولوجيا والجيولوجيا بمختلف بقاع العالم، لكن مع الأسف على المستوى الوطني لا يوجد الاهتمام الكافي بها، وهو ما يضيع عديد الفرص على بلادنا وكذا الساكنة المحلية مما يمكن أن توفره هذه المغارة من جذب سياحي وتوفير فرص للشغل.
والمغرب لا يزال لم يواكب بالشكل المطلوب التطور والإقبال الذي أصبح اليوم لدى سياح العالم على المغارات المهيأة مثلما هو الأمر في تركيا وغيرها، حيث أنه ببلادنا من أصل العشرات لا توجد سوى 7 مغارات تقريبا التي تمت تهيئة مداخلها ومرافقها، فيما البقية تبقى معرضة للتجاهل والنسيان وعدم إيلائها الاهتمام المطلوب.
وجرى توقيع اتفاقية شراكة بين جمعيتا وجماعة السبيعات بإقليم اليوسفية وذلك من أجل تثمين وتصنيف مغارة “الشخرخر” والعمل على تأهيلها لجعلها وسيلة جذب سياحية بالمنطقة، وكذا تكوين وتأهيل شباب من المنطقة في مجال الاستغوار قصد الإشراف والحفاظ عليها باعتبارها موروث طبيعي مهم من شأنه التعريف بالمنطقة.
♦ كيف تعملون على تلقين ثقافة الاستغوار للناشئة، وهل تقومون برحلات استكشافية في هذا الجانب؟
نقوم بمجموعة من الأنشطة المتواصلة على طوال السنة التي تهم مختلف الفئات العمرية ولاسيما الأطفال، إذ ننظم رحلات استكشافية لهذه المغارة، لكن العقبات التي تواجهنا هي كونها غير مهيأة بالشكل المطلوب من أجل تنقل الأفراد وتوفير الحماية اللازمة لمرتاديها.
وفي إطار تعريف الناشئة والمواطنين بها، قمنا مؤخرًا بتنظيم رحلة استكشافية لها بمشاركة عدد من مرضى السرطان، وهو ما لاقى استحسانا من طرف هذه الفئة وعائلاتهم، ما يجعل نفكر في القريب في تكرار هذه التجربة مع فئات أخرى.
ونعمل أيضا من خلال مجموعة من الأنشطة سواءً عبر المناسبات الثقافية أو غيرها بتعريف الناشئة والمواطنين بمفهوم الاستغوار وكيفية القيام به وأهميته، كما نعرض عليهم الانخراط معنا في الأعمال التي نقوم بها في هذا الجانب، وفي مقدمتها تنظيف وتهيئة هذه المغارة.
♦ ما المطلوب للنهوض بوضعية “الكرعان” وغيرها من المغارات بالمغرب؟
لا بد من التأكيد على ضرورة ابتعاد الساكنة المحلية على بعض السلوكيات المضرة بهذه المعلمة التاريخية مثل ترك الأزبال بها، والإقدام على تعريض عدد من مرافقها للتخريب، علما أن 5 سنتمترات من التشكلات الصخرية المنحدرة تتطلب ما لا يقل عن 80 عاما من أجل بروزها مجددا، وهو ما يعني أنه يصعب تعويض ما يتم تكسيره أو تعريضه للتلف في هذا الجانب.
وأدعو كذلك للابتعاد عن صيد الخفافيش التي تعد عنصرا أساسيا في النظام الإيكولوجي الذي تقوم عليه المغارات كما ذكرنا سابقا، والتي يجب تشريع قوانين توفر الحماية اللازمة لهذه المغارة ومثيلاتها، والعمل على تأهيلها والاعتناء بها، وتخصيص مؤسسات أو أجهزة توكل لها مهمة الإشراف على المغارات بالمغرب.
وصراحة نحن حاليا كفعاليات للمجتمع المدني تعنى بهذا الشأن لا نزال نجهل لمن يتبع هذا المجال، وإن كان ينتسب لوزارة الثقافة أم لتلك المسؤولة عن الطاقة والتنمية المستدامة أم لقطاع السياحة، حيث يكثر المتداخلين وتغيب الفعالية والاهتمام المطلوب بهذه المعالم التاريخية.






