تعيش فئة حراس الأمن الخاص داخل المؤسسات التعليمية بالمغرب وضعية مهنية هشة تتكرر تفاصيلها في مختلف الجهات، بين أجور متدنية، وحماية اجتماعية غير مكتملة، ومهام تتجاوز ما تنص عليه العقود.
وهذا الملف، الذي يطفو باستمرار على سطح النقاش العمومي، يكشف خللا بنيويا في تدبير خدمات الحراسة بالمرافق التعليمية، ويطرح أسئلة حول مسؤولية الشركات المتعاقدة، وآليات المراقبة، وقدرة الدولة على ضمان احترام القوانين المنظمة لهذا القطاع.
♦أجور هزيلة ومعاناة مستمرة
أكدت لبنى ناجيب الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن وضعية حراس الأمن الخاص داخل المؤسسات التعليمية بالمغرب تعاني من اختلالات عميقة تمسّ حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها تأخر الأجور لشهور، عدم احترام التسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإخضاع العمال لمهام إضافية لا تدخل ضمن نطاق اختصاصهم القانوني.
وشدّدت في تصريح لجريدة شفاف، على أن هذه الانتهاكات لم تعد حالات معزولة، بل أصبحت سلوكا متكررا داخل عدد من المؤسسات التعليمية، نتيجة هشاشة آليات المراقبة وضعف المساءلة.
وأوضحت أن أجور عدد كبير من الحراس لا تتجاوز 2000 إلى 2200 درهم، وهو مبلغ يقلّ عن الحد الأدنى للأجور المعتمد وطنيا، ما يجعل قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية مهددة بشكل مباشر.
وأضافت أن التلاعب بملفات الضمان الاجتماعي أصبح ممارسة متواترة، حيث يُسجّل العمال لأيام معدودة أو بمبالغ غير حقيقية، وهو ما يحرمهم من حقوق التقاعد والتعويضات والتغطية الصحية.
وأشارت ناجيب إلى أن الحراس يُجبرون في كثير من الأحيان على القيام بأعمال النظافة والصيانة، رغم أن عقودهم تنصّ بشكل صريح على مهام الحراسة فقط.
واعتبرت أن هذا الوضع يُثقل كاهلهم، ويحوّل عملهم إلى مهمة متعددة الأدوار دون أي مقابل إضافي، مما يعكس خللا واضحا في تدبير الموارد البشرية داخل المؤسسات التعليمية.
وذهبت إلى أن هذه التجاوزات تضرب في العمق الاستقرار المهني والاجتماعي للعمال، وتخلق إحباطا متزايدا لدى هذه الفئة التي تُعدّ من بين الأكثر هشاشة داخل المنظومة التعليمية.
ورأت أن استمرار هذا الوضع يشكل تهديدا حقيقيا لكرامة الحراس وحقوقهم الأساسية، ويدلّ على غياب إرادة حقيقية لتنظيم القطاع وضمان احترام قانون الشغل.
ولفتت إلى أن المعطيات التي تتوصل بها النقابات من مختلف مناطق المغرب تُظهر أن الوضع لا يختلف كثيرا بين مؤسسة وأخرى، وأن الخروقات متشابهة بدرجة تدل على غياب الرقابة المؤسسية، وضعف تفعيل المذكرات الوزارية المتعلقة بحقوق العاملين في قطاع الحراسة والنظافة داخل المؤسسات التعليمية.
♦اختلالات قطاع الحراسة التعليمية
حملت لبنى ناجيب شركات المناولة المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات، مؤكدة أن هذه الشركات تعتمد على هشاشة الوضع القانوني للعمال وعلى ضعف المتابعة من طرف الجهات المتعاقدة.
وتابعت أن جزءا كبيرا من الخروقات يتم بتواطؤ واضح بين الشركات وبعض المسؤولين داخل المؤسسات أو المديريات، ما يسمح باستمرار الممارسات نفسها عاما بعد عام.
وأبانت ن الشركات تعتمد على عقود غير واضحة أو صيغ مبهمة تسمح لها بالتهرب من التزاماتها القانونية، سواء على مستوى الأجور أو التصريح بالضمان الاجتماعي أو احترام مدة العمل.
وقالت إن العديد من الشركات تعتمد حيلا مختلفة لتخفيض التكلفة، من خلال تسجيل العمال لأيام معدودة، أو التصريح بمبالغ أقل من الأجور الحقيقية، أو تأخير صرف الرواتب لعدة أسابيع أو شهور.
وأرجعت نجيب جزءا كبيرا مما يحدث لعمال الحراسة والمطعمة في المؤسسات التعليمية إلى الدولة، وذلك بسبب ضعف الرقابة وعدم تفعيل آليات التفتيش، إلى جانب عدم فرض احترام دفاتر التحملات التي تُوقّع عليها الشركات عند التعاقد.
وزادت المتحدثة أن الأكاديميات والمديريات الإقليمية، رغم أنها مسؤولة قانونيا عن تتبع تنفيذ العقود، تتغاضى في كثير من الأحيان عن الخروقات أو تتعامل معها باعتبارها “تفاصيل ثانوية”، مما يعطي الشركات ضوءا أخضر للاستمرار في ممارساتها.
وواصلت المتحدثة توضيحها بأن المفتشية العامة للشغل تعاني من محدودية الموارد والصلاحيات، مما يقيّد قدرتها على التدخل في هذا النوع من الملفات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصفقات ممولة من مؤسسات عمومية.
وجددت الفاعلة النقابية التأكيد على أن بعض المؤسسات التعليمية تعتمد بدورها على عقود غير دقيقة أو غير محكمة، تسمح للشركات بالتهرب من التزاماتها القانونية دون خوف من المتابعة.
وسجّلت ناجيب أن عدم تطبيق المذكرات الوزارية التي تؤكد ضرورة احترام الحد الأدنى للأجور، والتصريح الكامل بالضمان الاجتماعي، والتقيّد بساعات العمل القانونية، يُظهر بوضوح ضعف إرادة الدولة في إصلاح القطاع.
وصرحت بإن جميع الحوارات التي جمعت النقابات بالمسؤولين الحكوميين لم تُترجم إلى إجراءات عملية، وظلّت مجرد وعود دون أثر ملموس على أرض الواقع.
وأكدت أن هذه الاختلالات تجعل الحراس في مواجهة مستمرة مع الظروف القاسية، دون حماية قانونية فعلية، ودون أي ضمانات للاستقرار المهني.
وأشارت إلى أن المؤسسات التعليمية، رغم دورها المركزي في تربية الأجيال، تعتمد في خدماتها الأساسية على عمال يعيشون في ظروف لا تليق بمرفق عمومي يفترض أن يكون نموذجا في احترام الحقوق.
♦غياب أثر الحوارات الحكومية يفاقم الأزمة
انتقدت لبنى ناجيب، بشدة، غياب الأثر العملي للحوارات الحكومية المتعلقة بملف الحراسة والنظافة داخل المؤسسات التعليمية، موضحة أن اللقاءات المتكررة مع مسؤولي وزارة التربية الوطنية أو كتاب الدولة لا تُنتج أي تغيير حقيقي، بل تساهم في خلق شعور متزايد بالإحباط لدى العمال والنقابات بسبب الهوة الواسعة بين الوعود والواقع.
وقالت إن الجهات الحكومية تقدّم التزامات عديدة خلال الاجتماعات، لكنها تبقى مجرد تصريحات لا تُترجم إلى إجراءات تنفيذية، بينما تستمر الخروقات بنفس الوتيرة.
وشددت أن الدولة لم تُظهر إلى حدود اليوم إرادة سياسية حقيقية لإصلاح هذا الملف، وأن غياب التطبيق الفعلي للقوانين يضعف ثقة العمال في المنظومة الإدارية برمتها.
وبيّنت إلى أن النقابات، رغم احتجاجاتها المتكررة وجهودها في توثيق الخروقات، تجد صعوبة في فرض احترام القوانين، بسبب تداخل المصالح بين بعض المسؤولين وشركات المناولة، مضيفة أن جزءا كبيرا من الممارسات اللاتنظيمية يجد غطاء إداريا يسمح له بالاستمرار دون مساءلة.
ولمواجهة هذا الوضع، أعلنت ناجيب أن النقابات طلبت مواصلة الحوار مع وزارة الشغل وكتاب الدولة، لكنها أكدت أنه في حالة عدم التجاوب سيتم المرور إلى خطوات تصعيدية تشمل تنظيم وقفات وطنية واعتصامات، من أجل الضغط لتطبيق مدونة الشغل، واحترام الحد الأدنى للأجور، وضمان التغطية الصحية، وحماية حقوق العمال داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ونبهت إلى ضرورة إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر هشاشة، مثل عاملات النظافة اللواتي يعملن في ظروف صعبة وبأجور متدنية جدا، مشددة على أن احترام حقوقهن واجب لا يمكن التراجع عنه أو تجاهله.
وخلصت إلى النقابات لن تتراجع عن مطالبها المشروعة، وأن الضغط سيستمر إلى حين تحقيق إصلاح حقيقي يضمن الكرامة والحماية القانونية لحراس الأمن وعاملات النظافة داخل المؤسسات التعليمية، مؤكدة أن الأمل موجود، وأن الاستمرار في النضال هو الطريق الوحيد لفرض تطبيق القوانين على أرض الواقع، وإنهاء حلقات الاستغلال التي يعاني منها آلاف العمال في هذا القطاع الحيوي.

