نظمت جمعية الفضاء الجمعوي، بشراكة مع شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، بمدينة الدار البيضاء، اليوم الجمعة، لقاء لإطلاق تقرير الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 2025 حول الحق في المياه وتغير المناخ.
أطلقت شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND)، إصدارها السابع من سلسلة “الراصد العربي”، الذي يقدم قراءة نقدية لأزمة المياه في المنطقة العربية من منظور حقوقي واقتصاد سياسي، مؤكدا ارتباطها بالحوكمة والسياسات الاقتصادية وتغير المناخ والنزاعات.
كشف التقرير أن المنطقة العربية تواجه أزمة مائية متعددة الأبعاد تمس الفئات الهشة بشكل مباشر، داعيا إلى اعتبار المياه حقا أساسيا وموردا عاما مشتركا، وتعزيز العدالة المائية والمناخية ضمن سياسات تنموية مستدامة.
♦الزراعات التصديرية تستنزف الفرشات المائية
أكدت فاطنة أفيد، الأستاذة والفاعلة النقابية والحقوقية، أن أزمة المياه لم تعد مجرد إشكال تقني أو بيئي معزول، بل تحولت إلى قضية تنموية وحقوقية مركزية ترتبط بشكل مباشر بالعدالة الاجتماعية والسيادة الغذائية والاستقرار الاقتصادي والسياسي، معتبرة أن النقاش حول الماء اليوم يكشف عمق الاختلالات في تدبير الموارد وتوزيع الثروة والقدرة على التكيف مع التحولات المناخية والاجتماعية.
وثمنت أفيد، في مداخلتها خلال الندوة، عمل شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية والتنمية الجهوية، مشددة على أهمية التقارير الدورية وتقارير الرصد في فهم التحولات والأزمات المتعددة، ومعتبرة أن مختلف المداخلات التي قدمت خلال الندوة أظهرت وجود “تقاطع كبير” في التشخيص والمعطيات والأرقام، ما يعكس وجود رؤية مشتركة حول طبيعة الأزمة وتداعياتها، مع الحاجة إلى بلورة برنامج عمل مستقبلي موحد
وأوضحت المتحدثة أنها اختارت تناول الموضوع من خلال خمسة محاور كبرى، تتعلق بالمياه كمدخل لفهم الأزمات المتعددة، وعلاقة المياه بالنموذج التنموي، والمياه في سياق الأزمات المركبة، وحكامة المياه وحدود المقاربة التقنية، ثم الحالة المغربية والبدائل الممكنة، مؤكدة أن الماء أصبح عنصرا استراتيجيا مرتبطا بالأمن الغذائي والصحي والطاقي، وبالاستقرار الاجتماعي والسياسي، ولم يعد مجرد مورد طبيعي مرتبط بالشرب أو الفلاحة أو الصناعة.
وشددت أفيد على أن قضية المياه اليوم تشكل تقاطعا أساسيا لفهم طبيعة النماذج التنموية وحدود السياسات العمومية، خصوصا في بلدان تعاني من الإجهاد المائي مثل المغرب، معتبرة أن الأزمة الحالية “ليست أزمة تقنية فقط، بل أزمة تنموية وعدالة اجتماعية وعدالة مجالية”، لأنها تكشف الاختلالات العميقة في تدبير الموارد الطبيعية وفي توزيع الثروات.
وأبرزت، من خلال تجربتها داخل الائتلاف المغربي من أجل العدالة المناخية، أن النقاش حول الماء لا ينبغي اختزاله في البعد البيئي فقط، لأن المسألة أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بحقوق الإنسان والكرامة والسيادة الغذائية والعدالة الاجتماعية والمساءلة، وهو ما اعتبرت أنه يتقاطع مع خلاصات تقرير الرصد العربي.
وسجلت المتحدثة أن الأزمات اليوم أصبحت مترابطة ومتداخلة، موضحة أن الحديث عن أزمة المياه يفرض بالضرورة الحديث عن التغير المناخي والأمن الغذائي والطاقة والهجرة والفقر والتوترات الاجتماعية، لأن تراجع الموارد المائية يؤثر مباشرة على الإنتاج الفلاحي والأسعار والهشاشة الاجتماعية والهجرة، معتبرة أن الماء أصبح “مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والموارد الطبيعية وبين الدولة والمجتمع وبين الاقتصاد والبيئة”.
وانتقدت أفيد النماذج التنموية القائمة على الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية دون مراعاة حدودها البيئية، معتبرة أن المغرب يشهد توسعا في الزراعات التصديرية المستهلكة للمياه، من قبيل الأفوكا والدلاح والخيار والأرز وقصب السكر، وهي زراعات قالت إنها ساهمت في استنزاف الفرشات المائية دون مراعاة للمصلحة البيئية أو الاستدامة.
وقدمت المتحدثة مثال منطقة شتوكة آيت باها بأكادير، التي قالت إنها أصبحت تعاني بشكل حاد من استنزاف المياه الجوفية، مضيفة أن مناطق فلاحية عديدة بالمغرب باتت مهددة بالتوسع العمراني والعقاري على حساب الأراضي الزراعية والغابات، في ظل غياب رؤية تحافظ على الموارد الطبيعية والتوازنات البيئية.
كما انتقدت ضعف الاستثمار في إعادة استعمال المياه العادمة، رغم ما يمكن أن توفره من موارد مهمة في مجال السقي، مشيرة إلى أن عددا محدودا من المدن فقط يعتمد هذا الخيار، في وقت لا تزال فيه بعض الضيعات الخاصة والملاعب والفضاءات الترفيهية تستعمل الماء الصالح للشرب في السقي.
وأبرزت أفيد ما وصفته ب”المفارقة الواضحة” في المغرب، حيث تتراجع الموارد المائية في مقابل استمرار الأنشطة الاقتصادية المستنزفة للمياه، لافتة إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك حوالي 80 في المائة من الموارد المائية، وهو ما يطرح، بحسبها، سؤال العدالة المائية، خصوصا في ظل معاناة الفلاحين الصغار والمناطق القروية من العطش والهشاشة.
وانتقدت المقاربات الرسمية التي تركز، بحسب تعبيرها، على الحلول التقنية المكلفة دون معالجة الأسباب الحقيقية للندرة، موضحة أن اللجوء إلى تحلية مياه البحر ونقل المياه بين الأحواض وبناء السدود يترتب عنه رفع كلفة الماء على المواطنين عبر زيادات تدريجية في التسعيرة، معتبرة أن ذلك يثقل كاهل الأسر الفقيرة والهامشية.
وأكدت المتحدثة أن الماء باعتباره خدمة اجتماعية وعمومية كان ينبغي أن يظل تحت تدبير الدولة، معتبرة أن ارتفاع فواتير الماء وارتباط تدبير القطاع بالخوصصة يطرح أسئلة سياسية واجتماعية كبرى حول طبيعة النموذج المعتمد في تدبير الموارد الأساسية.
وسجلت أفيد أن المغرب يعيش اليوم إجهادا مائيا متزايدا، موضحة أن نصيب الفرد من المياه تراجع من حوالي 2500 متر مكعب سنويا إلى نحو 600 متر مكعب فقط، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي بدأت آثارها تظهر بشكل واضح على الحياة اليومية للمغاربة.
كما شددت على وجود علاقة جدلية بين الماء والطاقة، معتبرة أن أي أزمة في أحد القطاعين تنعكس مباشرة على الآخر وعلى باقي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، في ظل تزايد مظاهر الهشاشة الاجتماعية المرتبطة بتدبير الموارد المائية.
وأكدت أفيد أن الحلول التقنية وحدها، مثل بناء السدود أو تحلية المياه، غير كافية، داعية إلى إعادة التفكير في النموذج الاقتصادي والسياسي والفلاحي والتنموي القائم، وإلى النضال من أجل العدالة الترابية والمائية، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني والجماعات المحلية في حكامة المياه.
وقالت المتدخلة إن معركة الماء هي “معركة حول العدالة والسيادة والحق في المستقبل”، معتبرة أن أزمة المياه لم تعد مشكلة ظرفية أو عابرة، بل أصبحت قضية تنموية بامتياز، وأن الحفاظ على الأمن المائي رهين بإرساء حكامة عادلة ومستدامة تضع مصالح المواطنين فوق منطق الاستنزاف والربح السريع وتحويل الماء إلى سلعة.
♦ليبيا وأزمة المياه المركبة
سجلت ملاك التائب، الاستشارية المستقلة في السياسات البيئية، أن حضورها في هذا اللقاء جاء في إطار تقديم عرض حول دراسة خاصة بليبيا ضمن تقرير المركز العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، موجهة الشكر لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية على إدراج الحالة الليبية ضمن أعمال الرصد الإقليمي، معتبرة أن هذا النوع من التقارير يساهم في بناء فهم أعمق للأزمات المركبة في المنطقة.
وأوضحت أن الهدف الأساسي كان تفكيك أزمة المياه بوصفها قضية حوكمة وعدالة اجتماعية واستقرار سياسي وحقوق إنسان، وليس مجرد إشكال تقني أو بيئي، مشيرة إلى أن الفترة الممتدة منذ 2011 كشفت تفاقم هذه الإشكالات بفعل الانقسام السياسي والصراع المسلح، إلى جانب تأثيرات التغير المناخي.
وبينت الباحثة في مداخلتها، أن ليبيا تعد من أكثر الدول جفافا في العالم، وتعتمد بشكل شبه كلي على المياه الجوفية غير المتجددة، مع غياب شبه تام للموارد السطحية، رغم امتلاكها واحدا من أكبر المخزونات الجوفية الأحفورية في العالم ضمن منظومة الحجر الرملي النوبي، التي تم استغلالها عبر مشروع النهر الصناعي كأحد أبرز مشاريع نقل المياه في المنطقة.
وأوضحت التائب أن هذا المشروع اعتمد بشكل أساسي على استغلال المياه الجوفية لتغطية حاجيات البلاد، حيث وجه حوالي 70 في المائة من موارده للقطاع الفلاحي، مقابل نسب أقل للاستعمال المنزلي والصناعي، رغم ضعف مساهمة الزراعة في الناتج الداخلي مقارنة بقطاعي النفط والغاز، وهو ما كشف، بحسبها، اختلالا بين الاستهلاك المائي والأولوية الاقتصادية.
واستعرضت المتحدثة تجربة النهر الصناعي منذ الثمانينات، باعتباره مشروعا ضخما ساهم في تحسين التزويد بالمياه في بعض المناطق، خاصة الساحلية والحضرية، لكنه في المقابل خلق تفاوتات مجالية واضحة في الولوج إلى الماء، في ظل غياب رؤية عادلة وشاملة لتوزيع هذا المورد على كافة التراب الليبي.
وأشارت التائب إلى أن الاعتماد المفرط على الحلول الهندسية الكبرى دون بناء مؤسسات قوية أو سياسات مستدامة لإدارة المياه أدى إلى تكريس نموذج مائي هش قائم على استنزاف الموارد الجوفية غير المتجددة، ما جعل المنظومة المائية أكثر عرضة للانهيار على المدى البعيد.
وانتقلت الباحثة إلى مرحلة ما بعد 2011، حيث اعتبرت أن تفكك الدولة والانقسام السياسي والصراع المسلح ساهموا في تعقيد أزمة المياه، إذ تعرضت البنية التحتية للإهمال والتخريب، كما تحولت بعض المنشآت المائية وخطوط النقل إلى أدوات نفوذ وصراع، مما أثر مباشرة على استمرارية الخدمة.
وأبرزت التائب أن غياب الدولة المركزية الفاعلة أدى إلى ضعف التخطيط الاستراتيجي وتداخل الاختصاصات، مع التركيز على حلول ظرفية بدل مقاربات طويلة المدى، وهو ما عمق هشاشة القطاع وأضعف قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وسجلت المتحدثة أن أزمة المياه في ليبيا لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والاجتماعي، حيث أصبح الولوج إلى الماء في بعض المناطق مرتبطا باعتبارات محلية وقبلية وأمنية، ما عمق الفوارق بين المناطق والفئات، وأعاد إنتاج أشكال من اللامساواة في توزيع هذا الحق الأساسي.
وتابعت التائب بتوضيح أن الإطار القانوني والمؤسساتي لقطاع المياه رغم وجوده، يعاني من ضعف كبير في التنفيذ وغياب التنسيق وعدم إدماج الحق في المياه ضمن السياسات العامة بشكل واضح وملزم، مشيرة إلى أن بعض المناطق، خصوصا في الجنوب وأجزاء من الغرب، ظلت خارج شبكات التزويد أو تعتمد على حلول بديلة محدودة.
وحذرت الباحثة من تحول المياه في سياقات النزاع من مورد للعيش المشترك إلى أداة ضغط ونفوذ، لافتة إلى أن الإغلاقات أو ضعف الحماية الأمنية أثرت بشكل مباشر على تزويد السكان بالمياه في أكثر من محطة خلال السنوات الماضية.
وأكدت التائب أن الحق في المياه لا يقتصر على التوفر فقط، بل يشمل الجودة والاستدامة والقدرة على الأداء والتكلفة المقبولة دون تمييز، بما يضمن كرامة الإنسان ويؤسس لعدالة مائية فعلية.
وربطت المتحدثة بين أزمة المياه والتغير المناخي، معتبرة أن ليبيا رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات، تعد من أكثر الدول هشاشة أمام تداعيات المناخ، مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الجفاف وتدهور الأراضي الزراعية، ما يضاعف الضغط على الموارد المحدودة.
وقدمت التائب في ختام مداخلتها مجموعة من التوصيات، في مقدمتها ضرورة إرساء إطار وطني موحد لإدارة المياه قائم على الشفافية والمساءلة والعدالة، ومعالجة حالة التشتت المؤسسي التي تعاني منها البلاد.
ودعت أيضا إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات وإنهاء الانقسام في تدبير الموارد المائية، إلى جانب تبني حلول مستدامة تشمل إعادة استعمال المياه وتحسين شبكات التوزيع وتقليص الهدر، بما يضمن كفاءة أكبر في الاستغلال.
وشددت المتحدثة على أهمية إشراك المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في صنع القرار المتعلق بالمياه، باعتبارها فاعلا أساسيا تم تهميشه رغم ارتباطه المباشر بالواقع الميداني.
وأفادت أن التعامل مع المياه ينبغي أن يتم باعتبارها حقا إنسانيا أساسيا وليس مجرد مورد اقتصادي أو أداة سياسية، مبرزة أن أزمة المياه في ليبيا هي نتاج تراكمات سياسية ومؤسساتية وبيئية، يمكن تجاوزها عبر إرادة سياسية حقيقية ورؤية تنموية مستدامة وشاملة.
♦أزمة الماء ترفع الهجرة القروية
سجلت حفيظة رفيق، رئيسة جمعية رائدات العهد الجديد لدعم قدرات المرأة القروية بواد الرمان، أن قضية الماء تحولت من مجرد إشكال يومي إلى أزمة اجتماعية وإنسانية عميقة تمس حياة النساء والأطفال بشكل مباشر، مؤكدة أن هذا الملف فرض نفسه من الميدان وليس من النقاشات النظرية.
وأوضحت المتحدثة، في مستهل مداخلتها، أنها عبرت عن شكرها للفضاء الجمعوي الذي أتاح لها فرصة إيصال صوت المرأة القروية، مشيرة إلى أن اهتمامها بملف الماء جاء بشكل غير متوقع بعد احتكاك مباشر بمعاناة النساء في المنطقة.
ولفتت رفيق إلى أن ندرة المياه في واد الرمان خلال السنوات السبع الأخيرة ساهمت في تفاقم الأوضاع الاجتماعية داخل الأسر، حيث دفعت هذه الأزمة عددا من الرجال إلى الهجرة بحثا عن العمل، ما زاد من الضغط على النساء في تدبير شؤون الحياة اليومية.
وأبرزت المتحدثة أن النساء أصبحن يتحملن أعباء مضاعفة، من خلال التنقل في ساعات مبكرة أو متأخرة لجلب الماء من مسافات بعيدة، في ظروف صعبة ومرهقة جسديا ونفسيا، ما يعكس حجم المعاناة المرتبطة بهذه المادة الحيوية.
وأبانت رفيق أن الأطفال بدورهم تأثروا بشكل مباشر بالأزمة، حيث يضطر عدد منهم إلى مرافقة أمهاتهم في رحلات جلب الماء أو المساهمة في بعض المهام اليومية، وهو ما ينعكس سلبا على مسارهم الدراسي واستقرارهم التعليمي.
أشارت المتحدثة إلى أن الوضع الاجتماعي داخل الأسر تأثر بشكل واضح، حيث خلقت أزمة الماء ضغطا يوميا متواصلا، انعكس على العلاقات الأسرية وعلى نمط العيش داخل الدواوير القروية.
وصرحت رفيق أن ندرة المياه ساهمت كذلك في بروز ظواهر اجتماعية مقلقة، من بينها ارتفاع حالات الزواج المبكر، نتيجة سعي بعض الأسر إلى تخفيف عبء المعاناة اليومية المرتبطة بغياب شروط العيش الكريم.
وانتقلت المتحدثة إلى الواقع الفلاحي بالمنطقة، مبرزة أن توفر الماء لا يلغي وجود اختلالات عميقة، حيث تعيش المنطقة صراعا واضحا بين الفلاحين الكبار الذين يملكون وسائل الإنتاج والري، والفلاحين الصغار الذين يعجزون عن استغلال أراضيهم.
وشددت رفيق على أن الفلاح الصغير غالبا ما يجد نفسه أمام خيارين صعبين، إما كراء أرضه أو تركها دون استغلال، بسبب ضعف الإمكانيات وصعوبة الولوج إلى الماء وارتفاع كلفة الإنتاج الفلاحي.
وأنهت مداخلتها بالتأكيد على أن أزمة الماء في واد الرمان تتجاوز بعدها التقني، لتصبح قضية عدالة اجتماعية وتنمية قروية، تستدعي حلولا منصفة تضمن الكرامة وتقلص الفوارق داخل العالم القروي.
♦المياه تكشف هشاشة العدالة
اعتبر صقر النور، عالم الاجتماع الريفي ومدير برنامج شبكة العمل من أجل انتقال عادل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (RÉSEAU-TANMO)، أن الاحتجاجات المرتبطة بالمياه في العالم العربي لم تعد مجرد تحركات مطلبية معزولة، بل أصبحت تعكس تحولات عميقة في علاقة المجتمعات بالدولة وبالحقوق الأساسية، في ظل تصاعد الأزمات المناخية والاجتماعية والاقتصادية المتداخلة.
واستعرض النور، في مستهل مداخلته، الورقة البحثية التي شارك بها ضمن التقرير، موضحا أنها سعت إلى رصد وتحليل الحركات الاحتجاجية المرتبطة بالمياه في العالم العربي، بهدف فهم طبيعة هذه الاحتجاجات والعلاقات المشتركة بين أشكالها المختلفة في عدد من الدول العربية.
وأشار المتحدث إلى أن الدراسة انطلقت من محاولة بناء إطار نظري لفهم الصراعات والنضالات المرتبطة بالمياه، عبر توظيف مفاهيم مركزية تناولتها الأدبيات الخاصة بالحركات الاحتجاجية والنزاعات البيئية، قبل الانتقال إلى تصنيف الأنماط المختلفة لهذه الاحتجاجات، ثم طرح تصورات مرتبطة بإمكانيات التشبيك والتنسيق العربي المشترك حول هذا الملف.
وتوقف النور عند طبيعة الأزمة المركبة التي تعيشها المنطقة العربية، موضحا أن الأزمة المناخية تتداخل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأن آثارها تختلف من بلد إلى آخر بحسب البنية الاجتماعية والاقتصادية وطبيعة الهشاشة الموجودة داخل المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق الريفية والساحلية. و
ناقش المتحدث مسألة التفاوت في مقاربات التكيف والتخفيف بين الدول العربية، وعلاقة هذه السياسات بمنظومات التمويل الدولية والتركيبات الاجتماعية الداخلية، مؤكدا أن أزمة المياه تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والاستقرار والإنتاج الاقتصادي والمعيشي في المنطقة.
وسلط النور الضوء على مفهوم “بيئوية الفقراء” أو “بيئوية الهامش”، باعتباره من المفاهيم الأساسية التي تناولتها الورقة، موضحا أن هذا المفهوم يعيد قراءة تاريخ طويل من النضالات البيئية المرتبطة بسبل العيش، ويمنح الفئات المهمشة موقعا مركزيا داخل الحركات البيئية.
ولفت المتحدث إلى أن النقاشات البيئية السائدة غالبا ما تركز على قضايا ذات طابع “برجوازي”، مثل استخدام البلاستيك أو أنماط الاستهلاك، مقابل تجاهل قضايا أكثر التصاقا بحياة الفئات الهشة، من قبيل تلوث التربة ونقص المياه والصراعات المرتبطة بالموارد الطبيعية.
وتطرق النور إلى مفاهيم أخرى تناولتها الدراسة، من بينها “المواطنة الهيدرولوجية” أو “المواطنة المائية”، معتبرا أن النقاش حول الماء في العالم العربي يرتبط بشكل مباشر بعلاقة الإنسان بالدولة، وبفكرة الكرامة والحق في العيش والعدالة الاجتماعية.
واستحضر المتحدث مثال “ثورة العطش” التي شهدتها مصر سنة 2007، موضحا أن الاحتجاجات انطلقت بعد اضطرار سكان إحدى القرى إلى تكفين موتاهم بمياه الترع، ما دفعهم إلى قطع الطريق العام احتجاجا على الإهمال وغياب الماء، لتتحول القضية لاحقا إلى رمز للاحتجاجات المرتبطة بالمياه في المنطقة.
وربط النور بين هذه التجارب وبين استعمال مفاهيم مثل “ثورة العطش” و”انتفاضة العطش” في بلدان أخرى، بينها تونس والمغرب، معتبرا أن تشابه المصطلحات والخطابات يعكس وجود مسار تاريخي ونضالي مشترك داخل المنطقة العربية.
ورصد المتحدث عددا من أشكال الاحتجاجات والتحركات المرتبطة بالمياه في دول عربية مختلفة، من بينها مصر والجزائر وتونس والمغرب والعراق والأردن ولبنان، موضحا أن هذه التحركات اتخذت أشكالا متعددة، من الاحتجاجات الشعبية إلى حملات المقاطعة والتوثيق والرصد المدني.
واستعاد النور نماذج من المغرب، من بينها احتجاجات زاكورة وصفرو والنقاشات المرتبطة بخصخصة الماء، إضافة إلى أدوار النساء في التعبئة والتنظيم، معتبرا أن النضالات المرتبطة بالمياه تفتح المجال أمام أشكال أوسع من التضامن والربط بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وتوقف المتحدث عند حالات أكثر حدة، مثل فلسطين واليمن، حيث جرى، بحسب تعبيره، استهداف البنية التحتية المائية بشكل ممنهج، واستخدام المياه كأداة للسيطرة والإخضاع، ما يعكس البعد السياسي والأمني للصراع حول الموارد.
وأبرز النور أن جزءا مهما من الاحتجاجات المرتبطة بالمياه يبقى “غير مرئي”، خاصة في المناطق الريفية والهامشية، بسبب ضعف التوثيق والإعلام المحلي وهيمنة المركزية الإعلامية، وهو ما يجعل العديد من التحركات الاجتماعية خارج الرصد والتغطية.
وأشاد المتحدث بتجربة “المرصد التونسي للمياه”، معتبرا إياها نموذجا مهما في الرصد والتوثيق والتفاعل مع الإعلام والمجتمع المحلي، ومختبرا عمليا لما يمكن إنجازه على المستوى العربي في مجال إنتاج المعرفة الجماعية حول قضايا المياه.
وطرح النور فكرة إنشاء منصة عربية مشتركة تعنى بالحركات الاحتجاجية المتعلقة بالمياه، على غرار مشاريع دولية متخصصة في رصد الصراعات البيئية، بهدف دعم الباحثين والصحافيين والمجتمع المدني وتوفير قاعدة بيانات تراكمية وطويلة الأمد.
ودعا المتحدث إلى نقل النقاش حول المياه من منطق “الندرة والكفاءة” إلى منطق “الحق والمواطنة والعدالة”، معتبرا أن الخطابات التقنية السائدة تسعى إلى إبعاد المجتمعات المحلية عن النقاش السياسي والاجتماعي المرتبط بالماء.
وشدد النور كذلك على أهمية توظيف الفضاء الرقمي في التوثيق والتعبئة والتشبيك، وربط النضالات البيئية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما يفتح المجال أمام تحالفات أوسع وأكثر تأثيرا داخل المنطقة العربية.
وأفاد المتحدث أن الهدف من الدراسة لم يكن تقديم خلاصات نهائية، بل فتح نقاش عربي مشترك حول الاحتجاجات المرتبطة بالمياه، واستخلاص الدروس من التجارب المختلفة لبناء أشكال جديدة من المناصرة والتضامن والتعلم الجماعي.
♦السياسات تعمق أزمة المياه
اعتبرت آمنة شرف، الباحثة والناشطة في مجال العدالة البيئية والمناخية، أن أزمة المياه في مصر لا ترتبط فقط بندرة الموارد الطبيعية، بل تعكس بالأساس نتائج اختيارات سياسية واقتصادية وحوكمية تؤثر بشكل مباشر على توزيع الموارد والخدمات وعلى الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة.
واستهلت شرف مداخلتها بتوجيه الشكر للجهات المنظمة، معربة عن سعادتها بالمشاركة ضمن النقاشات المرتبطة بتقرير مصر، ومشيرة إلى أن عددا من القضايا الواردة في التقرير جرى التطرق إليها أيضا في مداخلات تخص المغرب وتونس، وهو ما اعتبرته مؤشرا على وجود تقاطعات إقليمية يمكن البناء عليها في مجالات المناصرة والعمل المشترك خلال المرحلة المقبلة.
وأظهرت المتحدثة أن إحدى الأفكار الأساسية التي ركز عليها التقرير تتمثل في مسألة “الاختيارات السياسية”، معتبرة أن الخطاب السائد غالبا ما يحمل الطبيعة مسؤولية أزمة المياه عبر الحديث عن الندرة أو شح الموارد، في حين تكشف التقارير والدراسات أن جزءا كبيرا من الأزمة مرتبط بالحوكمة وسياسات الاستثمار والتكيف وتدبير الموارد.
وذهبت شرف إلى أن التفاوت في الوصول إلى المياه يظهر على مستويات متعددة داخل المجتمع المصري، سواء بين الأحياء داخل المدن الكبرى أو بين الريف والحضر، موضحة أن هذا التفاوت يشمل جودة البنية التحتية وجودة المياه نفسها، إضافة إلى اختلاف مستويات الاستثمار والخدمات بين المناطق.
وأبرزت المتحدثة أن المركزية المرتبطة بنهر النيل كمورد مائي أساسي في مصر انعكست على طبيعة توزيع الخدمات، حيث تتراجع جودة البنية التحتية والخدمات كلما ابتعدت المناطق عن المركز، وهو ما يظهر بشكل واضح في بعض القرى والمناطق الطرفية، مثل العريش وبعض قرى أسوان.
وناقشت شرف التأثيرات الاجتماعية للأزمة المائية، مؤكدة أن النساء والفئات الهشة يتحملن العبء الأكبر، خصوصا داخل الأحياء غير المخططة والمناطق الريفية، سواء من خلال تحمل مسؤولية توفير المياه أو نتيجة تراجع النشاط الزراعي وتأثيرات التغير المناخي على الأراضي الزراعية.
وتطرقت المتحدثة إلى التفاوت الحاصل في السياسات الزراعية، مشيرة إلى وجود تفضيل واضح للزراعات التصديرية على حساب الزراعات الموجهة للاستهلاك المحلي، إضافة إلى منع زراعة بعض المحاصيل التقليدية، في مقابل تشجيع أنشطة زراعية تستهلك كميات كبيرة من المياه لأغراض تصديرية.
وانتقدت شرف السياسات المرتبطة باستصلاح الأراضي، معتبرة أن جزءا من الموارد المائية المستخدمة في هذه المشاريع كان يمكن توجيهه لدعم المناطق الزراعية القائمة بالفعل وتحسين أوضاع المجتمعات الريفية المحلية.
وربطت المتحدثة بين أزمة المياه وقضايا الأمن الغذائي والسيادة المائية، موضحة أن الفئات المتضررة لا تمتلك في الغالب القدرة على التأثير في السياسات العمومية أو المشاركة في اتخاذ القرار، بينما تظل القرارات الأساسية محصورة في نطاق ضيق.
وتناولت شرف مسألة النيوليبرالية وتحرير قطاع المياه، موضحة أن هذه السياسات بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي في إطار برامج المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي دفعت نحو خصخصة الخدمات العامة وربطها بشروط التمويل والقروض.
وأشارت المتحدثة إلى أن التوجه نحو الخصخصة لا يتم دائما بشكل مباشر، بل عبر سياسات ضمنية تجعل مناقشة هذه الخيارات مع المؤسسات الدولية أكثر تعقيدا، في ظل استمرار تقليص دور الدولة في الخدمات الأساسية.
وحذرت شرف من الخطابات الرسمية التي تلقي باللوم على الوافدين أو اللاجئين في استهلاك الموارد والخدمات، معتبرة أن هذه السرديات تستخدم بشكل متكرر للتنصل من المسؤولية السياسية المرتبطة بإدارة الموارد، سواء تعلق الأمر بالمياه أو الكهرباء أو الخدمات الأساسية الأخرى.
وربطت المتحدثة هذه السرديات بالسياسات الإقليمية المرتبطة بالموارد العابرة للحدود، موضحة أن النقاشات المرتبطة بالأزمات الدبلوماسية والمائية في المنطقة غالبا ما تقدم بخطاب يحمل طابعا عدائيا، في وقت تحتاج فيه هذه الملفات إلى مقاربات سياسية وتعاونية مختلفة.
وتوقفت شرف عند ردود الفعل المجتمعية، مشيرة إلى وجود محاولات تنظيم محلية وقاعدية لإدارة الموارد وتوقع المخاطر المرتبطة بالمياه، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على المياه الجوفية أو التي تبقى خارج التغطية الحكومية الكافية.
وطرحت المتحدثة عددا من الحلول المقترحة، في مقدمتها الاعتراف بالمبادرات المحلية والقاعدية باعتبارها أكثر قدرة أحيانا على فهم السياقات المحلية والتعامل معها بفعالية أكبر من الأنظمة المركزية.
ودعت شرف كذلك إلى رفع الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة، مع تجاوز سياسات الخصخصة وتسليم الخدمات الأساسية للقطاع الخاص، إلى جانب مراجعة القوانين والسياسات بشكل أكثر تشاركية وعدالة تجاه الفئات المهمشة.
وجددت التأكيد على أهمية اعتماد مقاربات دبلوماسية أكثر وعيا بأهمية الموارد المشتركة وبالسياقات السياسية والاجتماعية المحيطة بها، بما يضمن إدارة أكثر عدلا واستدامة لقضايا المياه في المنطقة.
الإجهاد المائي يهدد الاستقرار
اعتبرت سناء مسالم، المنسقة الوطنية للائتلاف المغربي من أجل العدالة المناخية، أن قضية الماء أصبحت اليوم من أكبر القضايا الاستراتيجية والحساسة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالعدالة الاجتماعية والسياسات العمومية ومستقبل المنطقة ككل، مؤكدة أن النقاش حول الماء لم يعد نقاشا تقنيا أو بيئيا فقط، بل تحول إلى سؤال مركزي يتعلق بالسيادة والاستقرار والحقوق الأساسية.
واستحضرت مسالم، في بداية مداخلتها، سؤال “لماذا دراسة الماء اليوم؟”، موضحة أن هذا النقاش بات أكثر إلحاحا في ظل تزايد الضغط على الموارد المائية في مختلف الدول التي شملتها الدراسة، إلى جانب توالي سنوات الجفاف وتصاعد التوترات الاجتماعية المرتبطة بالماء، بالتوازي مع توسع الأنشطة الاقتصادية المستهلكة للموارد المائية.
وأبرزت المتحدثة أن المغرب عاش خلال السنوات الأخيرة فترة جفاف حادة امتدت لنحو خمس سنوات، انعكست بشكل مباشر على تراجع التساقطات المائية وارتفاع حدة أزمة الماء، ما أدى إلى بروز أسئلة متزايدة حول العدالة والسيادة المائية ومستقبل تدبير الموارد الطبيعية.
وأكدت مسلم أن الماء لم يعد مجرد ملف بيئي، بل أصبح حقا أساسيا من حقوق الإنسان وشرطا للعيش الكريم والصحة والكرامة، إضافة إلى كونه قضية مرتبطة بالعدالة الاجتماعية والمجالية وبالسياسات العمومية والنموذج الاقتصادي المعتمد.
وأوضحت المتحدثة أن المغرب عرف تحولات كبرى أعادت تشكيل علاقته بالماء، من بينها تسارع تأثيرات التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات وتزايد فترات الجفاف، إلى جانب تنامي الضغط الناتج عن الزراعة التكثيفية والتوسع الحضري والنشاط الصناعي والسياحي.
ولفتت مسلم إلى أن هذه التحولات ساهمت كذلك في تعميق التفاوتات الاجتماعية والمجالية، خاصة داخل العالم القروي وفي صفوف صغار الفلاحين والفلاحات، معتبرة أن أزمة الماء أصبحت حاضرة بقوة داخل النقاش العمومي وبين مختلف فئات المجتمع.
وكشفت المتحدثة أن التقرير اعتمد مقاربة متعددة الأبعاد، جمعت بين التحليل القانوني ودراسة السياسات العمومية والتوثيق الميداني، مع إشراك باحثين وفاعلين مؤسساتيين ومدنيين عبر مجموعات نقاش ومقابلات ميدانية، بهدف فهم أعمق للتفاوتات المجالية والعدالة المائية.
وشددت مسلم على أن التشخيص العام للأزمة بات واضحا ومتفقا عليه، ويتمثل في دخول المغرب مرحلة “إجهاد مائي هيكلي متزايد”، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الظواهر المناخية وعدم انتظام التساقطات واستنزاف المياه الجوفية وتراجع الفرشات المائية في عدد من المناطق.
ونبهت المتحدثة إلى أن المناطق القروية والجبلية والواحات أصبحت أكثر عرضة للتدهور البيئي والاجتماعي، بفعل هشاشة الأنظمة البيئية وتفاقم أزمة الماء، مشيرة إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك ما يصل إلى 85 في المائة من الموارد المائية المتوفرة بالمغرب.
وتساءلت مسلم عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي توجه إليه الموارد المائية، معتبرة أن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الاستهلاك، بل أيضا بالاختيارات الاقتصادية والسياسات التي تحدد المستفيدين من هذه الموارد ومن يتحمل كلفة استنزافها.
واستعرضت المتحدثة التحولات التي عرفها النموذج الفلاحي المغربي، خاصة مع “مخطط المغرب الأخضر” و”استراتيجية الجيل الأخضر”، موضحة أن هذه السياسات ركزت على رفع الإنتاجية وتشجيع الاستثمار والتصدير، مقابل توسع الزراعات كثيفة الاستهلاك للمياه، مثل الأفوكا والبطيخ الأحمر والحوامض، داخل مناطق تعاني أصلا من ضغط مائي كبير.
وسجلت مسالم أن هذه الاختيارات عمقت هشاشة الفلاحين الصغار والعالم القروي، مقابل توجيه جزء مهم من الموارد المائية لأنشطة ذات منطق ربحي وتصديري، معتبرة أن السياسات الفلاحية ساهمت في زيادة الضغط على المياه بدل الحد منه.
وتطرقت المتحدثة إلى الحلول التي اعتمدتها الدولة، من قبيل بناء السدود وتحويل المياه بين الأحواض وتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة ومشاريع النجاعة المائية، موضحة أن هذه السياسات ساهمت في تخفيف بعض آثار الأزمة وتحسين التزويد بالمياه في بعض المناطق.
وأثارت مسالم، في المقابل، عددا من الأسئلة المرتبطة بالكلفة الطاقية والبيئية والمالية لهذه الحلول، إلى جانب إشكالات العدالة المجالية والاجتماعية واستدامة الاختيارات الحالية، خاصة مع استمرار أنماط الاستهلاك نفسها.
وسلطت المتحدثة الضوء على ما وصفته ب”مفارقة النجاعة التقنية”، موضحة أن اعتماد تقنيات الري بالتنقيط، رغم مساهمته في تحسين النجاعة المائية، أدى في عدد من المناطق إلى توسيع المساحات الزراعية وزيادة الاستهلاك الإجمالي للمياه بدل تقليصه.
وحذرت مسالم من التحول التدريجي للماء من حق جماعي إلى مورد اقتصادي تحكمه منطق السوق والربح والاستثمار، مشيرة إلى تصاعد منطق التسعير والتدبير المقاولاتي وتنامي دور الفاعلين الخواص في تدبير قطاع الماء.
وتوقفت المتحدثة عند التحولات التي شهدتها حكامة الماء بالمغرب، من خلال توسيع نماذج التدبير المفوض والشراكات بين القطاعين العام والخاص، معتبرة أن هذا التوجه يكرس منطق النجاعة الاقتصادية داخل قطاع استراتيجي وأساسي.
وأشارت مسالم إلى أن آثار أزمة الماء لا تتوزع بشكل عادل بين مختلف الفئات والمجالات، حيث تتحمل المناطق القروية والواحات والفئات الهشة والنساء والفتيات وصغار الفلاحين العبء الأكبر، إضافة إلى الأحياء الهامشية التي تعاني من ضعف الولوج المنتظم إلى الماء والتطهير.
وناقشت المتحدثة الإطار القانوني المنظم للماء، معتبرة أن دستور 2011 شكل مكسبا مهما بعدما أقر لأول مرة مسألة الحق في الماء ضمن الفصل 31، غير أن هذا الاعتراف ظل محدودا بسبب غياب التنصيص الصريح على الحق في الماء وضعف آليات المساءلة والإنصاف.
وأوضحت مسلم أن القانون 36-15 المتعلق بالماء تضمن عددا من الجوانب الإيجابية، مثل اعتماد التدبير المندمج للموارد المائية وتعزيز دور الأحواض المائية، إلا أن تنزيله ما زال يواجه تحديات مرتبطة بضعف التنفيذ والمراقبة واستمرار الاستغلال المفرط للموارد.
وسجلت المتحدثة وجود اختلالات بنيوية في حكامة قطاع الماء، تتمثل في تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات وضعف التنسيق ومحدودية الشفافية وصعوبة الولوج إلى المعلومة البيئية والتقنية، إضافة إلى ضعف إشراك المواطنين في اتخاذ القرار.
وشددت مسلم على أن أزمة الماء مرتبطة بالنموذج التنموي ككل، معتبرة أنه لا يمكن الاستمرار في النموذج الاقتصادي الحالي في ظل الإجهاد المائي المتزايد الذي يعرفه المغرب منذ سنوات.
وأكدت المتحدثة أن الماء قضية سيادة وعدالة واستقرار، وليس مجرد مورد طبيعي أو ملف تقني، داعية إلى تجاوز المقاربات التي ساهمت في إنتاج الأزمة، والتعامل مع الماء كحق جماعي واستراتيجي فوق منطق الربح والسوق.
ودعت مسلم إلى بناء حكامة مائية ديمقراطية وتشاركية تقوم على إشراك الساكنة والمجتمع المدني وتعزيز الشفافية والحق في المعلومة، إلى جانب مراجعة النموذج الفلاحي وربط السياسات العمومية بالاستدامة والعدالة المائية.
وأنهت المتحدثة مداخلتها بالتأكيد على ضرورة تقوية الترافع المدني حول الحق في الماء، وتعزيز المراقبة المواطنية، وبناء تحالفات بين الجمعيات والحركات الاجتماعية والباحثين، مع دعم النماذج المحلية والمستدامة لتدبير المياه وربط العدالة المائية بالعدالة المناخية والاجتماعية.
♦تونس بين فشل الخيارات واستنزاف الماء
أكد حسين الرحيلي، خبير متخصص في التنمية والموارد المائية، أن التكيف مع المعطى الطبيعي في تونس بدأ منذ سنوات طويلة، حيث جرت محاولات لحصر وجمع مياه الأمطار كلما تساقطت، باعتبارها موردا محدودا ومتقلبا.
واعتبر الرحيلي في مداخلته، أن الشح المائي لم يكن مجرد نتيجة للندرة الطبيعية، بل نتج أساسا عن فشل الخيارات الاقتصادية، خصوصا في قطاعات الفلاحة والسياحة والصناعة.
واستعرض المتحدث أن تونس، منذ أواخر الستينيات، انخرطت في مسار الانفتاح الاقتصادي، حيث استقبلت منذ 1972 صناعات ذات قيمة ضعيفة ومستهلكة للمياه مثل النسيج والصناعات الغذائية والتحويلية.
وأظهر الرحيلي أن التوجه الفلاحي اختار تحويل البلاد إلى “حديقة خلفية” للأسواق الغربية، حيث تم تصدير منتجات لا تنتجها الدول المستوردة، مع تصدير غير مباشر للمياه بأثمان زهيدة جدا.
وقدم الخبير مثالا من منطقة قفصة، حيث قام فلاحون بضخ المياه من أعماق تصل إلى 200 متر لزراعة الخس العربي، وهو محصول شديد الاستهلاك للمياه، ثم وجه بالكامل نحو التصدير.
وبين الرحيلي مفارقة صارخة بين كلفة المياه وقيمة التصدير، حيث بين أن حزمة خس واحدة كانت تصدر ب0.35 يورو فقط، رغم أن كلفة المياه المستعملة تفوق بكثير هذا العائد.
وخلص المتحدث إلى أن “خرافة التصدير” فشلت خلال عقود طويلة، إذ لم تصلح الموارد المائية، ولم تحقق التوازنات الاقتصادية، ولم تخفف من المديونية، بل زادت من الاختلالات.
وأكد الرحيلي أن التحولات المناخية لم تكن السبب الأساسي للأزمة، بل جاءت لتكشف وتعمق فشل السياسات المائية العمومية، رغم الخطاب الرسمي الذي ربط الأزمة بندرة الأمطار.
ونبه الخبير إلى أن هذا الخطاب الرسمي خلق تصورا عاما لدى المواطنين بأن الأزمة طبيعية ولا حل لها، في حين ثبت وجود هدر كبير للمياه نتيجة تراجع الاستثمار في الخدمات العمومية.
وبين الرحيلي أن التراجع شمل قطاعات الماء والصحة والنقل والتعليم، مما أدى إلى تفاقم الأزمات البنيوية، وترك أثرا مباشرا على الموارد المائية.
وأبرز المتحدث أن سنوات الجفاف بين 2019 و2024 أدت إلى انخفاض حاد في مخزونات السدود، حيث تراجعت الإيرادات من 2.5 مليار متر مكعب إلى أقل من 700 مليون متر مكعب.
وأبان الرحيلي أن هذا الانخفاض انعكس على الاستهلاك، حيث أصبحت كمية مياه السدود قريبة من حجم مياه الشرب السنوية المستعملة في البلاد.
وجدد الخبير التأكيد أن الحق في الماء كان حقا كونيا وإنسانيا، وقد تم التنصيص عليه في دستور تونس 2014، إلا أن تطبيقه ظل يطرح إشكالات كبرى تتعلق بالكرامة والإنصاف.
ورأى الرحيلي أن المواطنين كانوا يحصلون أحيانا على كميات محدودة من الماء، لكنهم كانوا يضطرون لقطع مسافات طويلة لجلبه، مما أفرغ الحق من مضمونه الحقيقي.
وسجل المتحدث تدهورا في جودة مياه الشرب، حيث أصبحت تونس من بين أكثر الدول استهلاكا للمياه المعلبة، بسبب ضعف جودة المياه العمومية.
وربط الرحيلي هذا التراجع بضعف الاستثمار في معالجة وتوزيع المياه من طرف الشركة الوطنية، مما ساهم في توسع “خريطة العطش” في مختلف الجهات.
وأوضح الخبير أنه من خلال المرصد التونسي للمياه وتطبيق “واتش ووتر”، تم تسجيل تزايد مستمر في انقطاعات المياه من سنة إلى أخرى.
ولوح الرحيلي إلى أن أزمة الماء لم تعد محصورة في المناطق الداخلية المهمشة مثل قفصة والقيروان، بل امتدت إلى المدن الكبرى والساحلية.
ووثق المتحدث أن الانقطاعات تجاوزت آلاف الحالات سنويا، حيث قدرت بأكثر من 2600 انقطاع في سنة واحدة، مع إمكانية بلوغها أكثر من 3000 حالة.
ولاحظ الرحيلي أن الأزمة لم تعد كمية فقط، بل أصبحت نوعية أيضا، مع تراجع جودة المياه وارتفاع مستويات الملوحة في عدد من المناطق.
وحذر الخبير من مشاريع كبرى مثل الهيدروجين الأخضر، التي طرحت كجزء من انتقال طاقي، لكنها قد تستنزف مساحات واسعة من الأراضي والموارد المائية.
وكشف الرحيلي أن هذه المشاريع كانت ستعتمد على تحلية مياه البحر والطاقة الشمسية لإنتاج الهيدروجين وتصديره إلى أوروبا عبر شبكات ضخمة.
ودعا المتحدث إلى التوقف عند الكلفة البيئية والاقتصادية لهذه المشاريع، معتبرا أنها قد تعيد إنتاج نفس منطق الاستنزاف تحت غطاء “الطاقة النظيفة”.
وطرح الرحيلي مجموعة من الحلول، أهمها ضرورة بناء ثقافة مواطنية حول الماء، باعتباره موردا قانونيا وحقوقيا وليس مجرد نعمة طبيعية مجانية.
وجزم الخبير أن الأجيال القادمة تحتاج إلى وعي جديد يربط بين الماء والقانون والعدالة، بدل التعامل معه كسلعة أو مورد بلا مسؤولية.
وطالب المتحدث بمراجعة شاملة للنموذج التنموي، وإعادة توجيه الإنتاج الفلاحي نحو تلبية الحاجيات الداخلية بدل التصدير المكثف.
واقترح الرحيلي إدراج مفهوم البصمة المائية في التشريعات، لتقييم كمية المياه المستهلكة في كل منتوج قبل السماح بزراعته أو تصديره.
وحث الخبير على منع أو تقنين الزراعات كثيفة الاستهلاك للمياه الموجهة للتصدير، مثل بعض أنواع الخضر والفواكه، التي استنزفت الموارد المائية.
وأوصى المتحدث بدعم الفلاحين الصغار وسكان المناطق الهشة والواحات، عبر برامج تكيف فعالة مع التغيرات المناخي، مجددا التأكيد على أن أزمة الماء في تونس كانت أزمة خيارات وسياسات قبل أن تكون أزمة طبيعة ومناخ.
♦دور المرأة الفكيكية في تدبير الماء
أبرزت فاتحة قادي، رئيسة منتدى النساء للتنمية المستدامة أن واحة فجيج، الواقعة في الجنوب الشرقي المغربي وعلى الحدود مع الجزائر، تميزت بمناخ قاحل، حيث سجلت تساقطات لا تتجاوز في المتوسط ما بين 120 و122 ملم سنويا، مع تكرار فترات الجفاف بشكل دائم، ما أنتج عجزا مائيا بنيويا انعكس على الشبكة الهيدروغرافية وضعف الموارد السطحية مقابل الاعتماد الكلي على فرشة مائية باطنية متجددة مشتركة بين السقي والشرب.
وأوضحت قادي في مداخلتها، أن الوضع المناخي بالواحة ظل يتأرجح بين الندرة والوفرة، غير أن المحدودية بقيت هي السمة الغالبة، مستحضرة أن الإنسان الواحي راكم خبرة تاريخية ومعارف متوارثة مكنته من تدبير الندرة بشكل عقلاني وتشاركي، بما يضمن استدامة الماء كحق للأجيال القادمة وكعنصر أساسي لاستمرار الحياة داخل الواحة.
وتناولت المتحدثة مفهوم الثلاثية القائمة بين الإنسان والماء والأرض، مشيرة إلى أن هذه العلاقة تعكس هشاشة المجال، حيث يتقاطع دور الواحة كمجال أخضر مع دور المرأة ومكانتها داخل هذا النظام، وهو ما يتجلى أيضا في الحركات الاجتماعية التي عرفتها فجيج.
وواصلت التأكيد أن تشبث الإنسان الواحي بالأرض والماء جعله يعتبرهما مصدر قوته ووجوده، ما يجعل الحق في الماء محورا أساسيا للحياة، وليس مجرد مورد طبيعي.
وشرحت أن العدالة المائية لا تعني فقط توفير الماء، بل تشمل المشاركة في التدبير، والاستفادة الاقتصادية من الزراعة المعيشية، والتضامن عبر ممارسات مثل “التويزة”، إضافة إلى حق الحماية من سوء التدبير وحماية البنى التحتية كالسواقي والسهارج والمغاسل العمومية، ثم حق الاعتراف بالماء كإرث جماعي.
وأوضحت أن الأزمة المائية في الواحة نتجت عن تداخل العاملين الطبيعي والبشري، حيث فرضت القحولة وضعا صعبا نتيجة ضعف التساقطات وارتفاع التبخر وتكرار الجفاف، ما أدى إلى اضطراب الدورة الهيدرولوجية وتعميق العجز المائي.
وأضافت أن العامل البشري ساهم بدوره في تفاقم الأزمة من خلال التحولات السوسيو-مجالية، وتراجع التدبير التقليدي، وظهور سلوكيات فردية قائمة على الاستغلال العشوائي، خصوصا عبر الحفر غير المنظم للآبار والضخ المكثف.
وسجلت أن المجال الواحي ظل نظاما تاريخيا قائما على التدبير الجماعي للماء، حيث طور المجتمع عبر قرون منظومة متكاملة تقوم على الترشيد والتوزيع العادل، بما يضمن استدامة المورد للأجيال القادمة.
وأشارت إلى أن هذا النظام شمل هندسة تقليدية دقيقة، مثل الخطارات (إفيا/إفلاون)، والسواقي، والسهاريج، ووحدات القياس والأعراف الاجتماعية التي نظمت توزيع المياه وحل النزاعات المرتبطة به.
وأكدت أن الممارسات الزراعية التقليدية، خاصة تنظيم الأحواض الزراعية وتوزيع المزروعات، ساهمت في ترسيخ ثقافة الندرة وتثبيت عقلانية الاستغلال، كما انتقلت لتوضيح أن هذا التدبير عرف تطويرا ضمن حكامة جديدة، حيث تم الحفاظ على الموروث السقوي التقليدي الذي صنفته منظمة الفاو ضمن الممارسات الجيدة.
وأبرزت أنه رغم غياب التمثيلية النسائية داخل المجالس السلالية، فقد تم تعزيز مشاركة النساء عبر المجتمع المدني، خاصة في تدبير المغاسل العمومية، وفي إطار المجلس المحلي للمياه المكون من 12 جمعية لمستغلي المياه.
وأوردت أن هذا النموذج الجديد حافظ على التكامل بين النظام التقليدي والاستثمارات الفلاحية الحديثة، خاصة تلك المرتبطة بزراعة النخيل، مع الحفاظ على منطق ترشيد الماء وفق الخصوصية الجيولوجية للواحة.
وسجلت كذلك أن النساء انخرطن في دينامية جديدة داخل الحراك الاجتماعي المائي، خصوصا في إطار تدبير الماء الصالح للشرب، بعد تنزيل القانون 83-21، الذي أحدث تحولات مؤسساتية عميقة.
واسترجعت أن هذه المرحلة عرفت توترا مؤسساتيا داخل المجلس الجماعي، حيث تم التصويت ضد القرار في البداية، قبل أن يفرض تغييره، ما أدى إلى انقسام المجلس وشلله جزئيا.
وأبانت أن هذا السياق تزامن مع بروز مشروع تفويت قطاع الماء نحو شركة جهوية متعددة الخدمات، في تحول اعتبرته قطيعة مع التدبير الجماعي المباشر الذي استمر لعقود، مؤكدا أن وضعية الماء في فجيج تظل مرتبطة بإطار قانوني معقد، حيث يعتبر الماء ملكا عموميا وفق القانون 36-15، رغم وجود وضعيات خاصة وموروثات حقوقية متداولة، ما خلق نقاشا حول الملكية والتدبير.
كما سجلت أن النساء لعبن دورا محوريا في الحراك الاجتماعي ضد خصخصة الماء، ليس فقط كفاعل احتجاجي، بل انطلاقا من ارتباطهن التاريخي اليومي بالمورد في البيوت والمغاسل والضيعات.
وأضافت أن هذا الارتباط جعل مشاركتهن طبيعية ومؤثرة، خصوصا وأنهن كن تاريخيا المسؤولات عن جلب الماء من العيون وتدبيره في ظروف قاسية، مشيرة إلى أن المجتمع المدني ساهم بدوره في إبراز القيادة النسائية وتعزيز حضورها في تدبير الماء.
وانتقلت لتقديم تصور برنامج جهوي لتحسين ولوج النساء إلى الماء وتدبير الموارد، مبرزة جملة من المقترحات العملية، أهمها: اعتماد التدبير المباشر للماء من طرف المجلس الجماعي، ورفض تحويله إلى سلعة، وتثبيت مبدأ وحدة المصدر، وتوقيع اتفاق لحماية العيون من التدخلات الخارجية ومنع الحفر العشوائي، وإحداث لجنة دائمة مشتركة تضم مختلف المتدخلين.
وختمت بمقترح إضافي اعتبرته أساسيا، تمثل في رفع ملتمس إلى السلطات المعنية من أجل تعديل القوانين التنظيمية بما يراعي الخصوصية التاريخية والواحية، مع توفير إرادة سياسية حقيقية لترجمة إمكانيات الواحة إلى مشاريع تنموية تثبت الساكنة وتضمن استمرارية المجال، مؤكدة على ضرورة تعبئة شاملة حول هذا الورش باعتباره مسألة حياة ووجود، وليس مجرد ملف تقني.

