باشر مجلس الأمن الدولي، مع مطلع سنة 2026، عمله بتشكيلة جديدة عقب التحاق خمسة أعضاء غير دائمين (انضمام كل البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا، ومغادرة كل من الجزائر وغيانا وجمهورية كوريا وسيراليون وسلوفينيا)، في سياق أممي دقيق يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى مركزية المجلس في تدبير ملف الصحراء، حيث تكتسب هذه التركيبة بُعدًا نوعيًا لكون عددًا من أعضائها الجدد يعترفون صراحة بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، وسجلوا هذا الموقف ميدانيًا عبر فتح قنصليات دبلوماسية في العيون والداخلة، ما يعزز الرصيد الدبلوماسي المغربي داخل الأمم المتحدة ويقوي حضوره في مسار القرارات ذات الصلة بالنزاع.
وتأتي هذه التحولات في وقت يسعى فيه المغرب إلى تثبيت المكاسب التي راكمها خلال السنوات الأخيرة؛ خاصة بعد تكريس مبادرة الحكم الذاتي كإطار جدي وواقعي للحل، مقابل مغادرة أطراف كانت تعرقل هذا المسار عضوية المجلس، ويطرح هذا السياق تساؤلات حول مدى قدرة هذه التركيبة الجديدة على إحداث تحول فعلي في موازين النقاش الأممي، وحدود تأثير رئاسة دول داعمة للمغرب على توجيه سردية مجلس الأمن، وكذا ما إذا كانت هذه المؤشرات كافية للانتقال من إدارة النزاع إلى أفق الحسم السياسي النهائي.
❖ بيئة متحولة
يعتبر هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، أن التركيبة الجديدة لمجلس الأمن مع مطلع سنة 2026، تعكس تحولاً نوعيًا في البيئة السياسية المحيطة بملف الصحراء المغربية، من حيث المناخ العام الذي تدار فيه النقاشات داخل أروقة الأمم المتحدة.
وأبرز معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التحول لا ينبغي قراءته باعتباره انتقالاً آليًا نحو قرارات حاسمة بالمعنى القانوني النهائي، ذلك أن مجلس الأمن يظل في جوهره ساحة لتقاطع مصالح القوى الكبرى أكثر من كونه فضاء لتجميع الأصوات وفق منطق عددي صرف.
وأردف الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، أن أهمية التحول الحالي تكمن أساسًا في تراجع قدرة الأطراف المناوئة للمغرب على التأثير في مسار النقاش أو إعادة فتح نقاشات تجاوزها الزمن السياسي داخل المجلس.
ولفت إلى أن وجود عدد وازن من الأعضاء غير الدائمين الداعمين صراحة لمغربية الصحراء لا يغيِّر قواعد اللعبة القانونية، لكنه يعدل ميزان النقاش، ويضعف إمكانيات المناورة التي كانت تستثمرها بعض الأطراف لإبقاء الملف في حالة سيولة دائمة.
وأكد أن هذا المناخ الجديد يسهم في تحصين المسار الذي استقر عليه مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة، والقائم على أولوية الحل السياسي الواقعي والعملي.
واستطرد أنه بدل البحث عن اختراقات مفاجئة، بات الاتجاه العام يميل نحو تثبيت الصياغات التي تجعل أي مقاربة خارج إطار السيادة المغربية أقل قابلية للتسويق السياسي والدبلوماسي داخل المنظومة الأممية.
❖ لغة القرارات
من الناحية العملية، يرى هشام معتضد أن انعكاسات التركيبة الجديدة لمجلس الأمن ستظهر أساسًا على مستوى لغة القرارات الأممية، لا على مستوى تغيير جوهرها بشكل جذري.
وتابع أن المسار الأممي وفق هذا المنظور، يشتغل بمنطق التراكم التدريجي، حيث تعاد صياغة المفاهيم والمحددات السياسية بشكل يجعل بعض الخيارات أكثر شرعية من غيرها مع مرور الوقت.
ورجح أن تشهد القرارات المقبلة مزيدًا من التأكيد على واقعية مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، وتشديدًا أكبر على أولوية الحل السياسي العملي، مقابل تضييق متواصل على الأطروحات الانفصالية التي فقدت سندها الواسع داخل مجلس الأمن.
وشدد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، على أن الحسم هنا لا يقاس بقرار واحد قاطع، بل بتراكم لغوي وسياسي يجعل أي مسار خارج الإطار المغربي غير قابل للاستدامة.
تحوّل موقف جنوب إفريقيا تجاه قضية الصحراء المغربية.. انفتاح ظرفي أم مراجعة جيوسياسية عميقة؟
وأضاف أن هذا التراكم لا يستهدف فقط تحييد الأطروحات المناوئة، بل يهدف أيضًا إلى تثبيت تصور أممي جديد يعتبر أن النزاع بلغ مرحلة استنفاد البدائل.
واستطرد أنه من ثم تصبح القرارات الأممية من حيث الصياغة والمرجعيات؛ أداة لترسيخ أمر واقع سياسي وقانوني يخدم المغرب، دون الحاجة إلى قفزات مفاجئة قد تصطدم بتوازنات دولية معقدة.
❖ رئاسة البحرين
تحمل رئاسة مملكة البحرين لمجلس الأمن خلال أبريل 2026، في تقدير هشام معتضد، وزنًا سياسيًا ورمزيًا لا يمكن التقليل من شأنه، وإن ظل محكومًا بالقواعد الصارمة التي تضبط عمل المجلس.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، أن الرئاسة وإن كانت لا تمنح صلاحيات تقريرية مطلقة، إلا أنها تتيح التحكم في تفاصيل إجرائية دقيقة قادرة على التأثير في مسار النقاش العام.
وأبرز أن الأهمية الحقيقية لهذه الرئاسة تكمن في إدارة الإيقاع والسردية داخل المجلس، من خلال ترتيب جدول الأعمال، وضبط مداخلات الفاعلين، وصياغة خلاصات الجلسات.
وأشار إلى أنها عناصر تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تلعب دورًا محوريًا في توجيه النقاش، خصوصًا في ملفات معقدة وحساسة مثل ملف الصحراء المغربية.
وأضاف أن كون البحرين دولة تعترف صراحة بمغربية الصحراء يضفي حساسية سياسية إضافية على هذه الرئاسة، لافتًا إلى أن ذلك يسمح بضمان مناقشة الملف ضمن الإطار الذي استقر عليه مجلس الأمن، دون الانزلاق نحو مقاربات متجاوزة أو محاولات لإعادة تسييس النزاع خارج منطق الحل الواقعي.
وأكد الخبير على أن هذا الدعم يظل دعمًا غير مباشر، يحترم مقتضيات الحياد الإجرائي، لكنه ينسجم مع التحول التدريجي في مواقف عدد متزايد من الدول.
❖ فرصة استراتيجية
يرى هشام معتضد أن الظرف الدولي الحالي يشكل فرصة استراتيجية حقيقية للمغرب، ليس فقط لتعزيز مواقفه داخل مجلس الأمن، بل للانتقال من منطق “إدارة الزمن الأممي” إلى منطق التأثير فيه.
وأوضح أن استثمار هذه الفرصة، يقتضي اعتماد مقاربة مركبة تجمع بين الحضور الدبلوماسي النشط، والوضوح السياسي، والاستثمار الذكي للتحولات الجارية داخل المجلس.
الجهوية الموسعة والأحزاب السياسية.. هل يقود تنزيل الحكم الذاتي إلى نظام شبيه بإسبانيا؟
وشدد على أهمية تعميق الربط بين ملف الصحراء وقضايا الاستقرار الإقليمي والتنمية والأمن الجماعي، فكلما تم تقديم المبادرة المغربية باعتبارها جزءًا من حل أوسع لإشكالات الأمن والاستقرار في المنطقة، كلما تراجعت قابلية الأطروحات الأخرى للتداول داخل المنظومة الدولية، باعتبارها حلولاً مكلفة وغير واقعية.
وأضاف أن تعزيز الشراكات الثنائية مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن؛ خاصة الأعضاء الجدد، يشكل رافعة أساسية لتحويل الدعم السياسي إلى مواقف ثابتة داخل المداولات الأممية.
ولفت إلى أن الدعم لا ينبغي أن يبقى في مستوى التصريحات، بل يجب أن يترجم إلى سلوك دبلوماسي منسجم داخل المجلس، بما يخدم المسار الذي راكمه المغرب خلال سنوات من العمل الهادئ.
❖ حسم متدرج
يؤكد هشام معتضد على أن الانتقال إلى منطق الحل النهائي لا يمر عبر قرارات صادمة أو لحظات قطيعة مفاجئة، بل عبر سياسة النفس الطويل التي اعتمدها المغرب طيلة السنوات الماضية.
وأردف الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، أن الحسم في هذا السياق، هو نتيجة طبيعية لمسار أممي استنفد البدائل الأخرى، لا ثمرة لضغط ظرفي أو توازن مؤقت.
واعتبر أن التركيبة الحالية لمجلس الأمن تشكل أداة تسريع لهذا المسار، لكنها لا تمثل ضمانًا آليًا للحسم، إذ يظل العامل الحاسم هو قدرة المغرب على الاستمرار في إدارة الملف بثقة وواقعية، مع استباق التحولات الدولية بدل الاكتفاء بالتفاعل معها.
وأشار إلى أنه من خلال ما سبق؛ ستصبح الفترة الراهنة مرحلة الترسيخ لا المغامرة، والتثبيت لا المجازفة، حيث يشتغل المغرب على تحويل مبادرته إلى أفق وحيد قابل للحياة داخل المنظومة الأممية، في انتظار أن تتقاطع الإرادات الدولية مع هذا المسار بوصفه الحل الأكثر عقلانية واستدامة.

