يشكل الترحيب غير المسبوق لرئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا، بقرار مجلس الأمن الداعم لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، محطة فارقة في مسار الموقف الرسمي لبريتوريا من ملف الصحراء، ففي خطوة فاجأت المتابعين، اعتبر رامافوزا خلال مؤتمر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) أن القرار الأممي الأخير يرسخ الحكم الذاتي باعتباره الصيغة الأكثر جدوى لإنهاء هذا النزاع، معلنًا ضمنيًا طي صفحة الخطاب التقليدي المؤيد للاستفتاء، وهذا التحول لم يأت معزولًا عن صعود أصوات سياسية واقتصادية جنوب إفريقية مؤثرة، تربطها مصالح مباشرة مع المغرب، وفي مقدمتها شخصيات نافذة داخل الحزب الحاكم ومحيطه الاقتصادي.
ومع بروز هذا الموقف الجديد، تطرح اللحظة أسئلة ضمنية حول خلفيات هذا الانعطاف، ومدى صلابته في سياق التوازنات الداخلية والخارجية لجنوب إفريقيا؛ خصوصًا في ظل المنافسة المتصاعدة داخل القارة بين القوى الإقليمية المؤثرة، كما يثير هذا التحول تساؤلات حول مآلات دعم بريتوريا التقليدي لـ”البوليساريو”، والكيفية التي يمكن من خلالها أن تعيد هذه الإشارة رسم الاصطفافات داخل الاتحاد الإفريقي، وما إذا كان المغرب قادرًا على استثمار هذه الدينامية لإعادة ترتيب محيطه الإفريقي بما يعزز حضوره الاستراتيجي ويُضعف الخطاب الانفصالي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.
رئيس جنوب إفريقيا رامافوزا يرحب بقرار مجلس الأمن الداعم لمقترح المغرب للحكم الذاتي
❖ سياق التحول
يرى محمد عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات والمدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن الموقف الأخير لجنوب إفريقيا الداعم لقرار مجلس الأمن بشأن الصحراء يعكس دينامية سياسية داخلية غير مسبوقة في بريتوريا.
وأبرز لعروسي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الساحة الجنوب إفريقية تشهد بروز تيارات سياسية متنامية تناقض خط الحزب الحاكم، وتدفع نحو إعادة تقييم الشراكات والتموقعات الخارجية، وفي مقدمتها علاقة البلاد بملف الصحراء المغربية.
وأشار أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، إلى أن هذه التغيرات الأخيرة أجبرت جنوب إفريقيا على مراجعة خطابها التقليدي، بعدما ظل رهينًا لتصورات عقائدية قديمة لم تعد تعكس واقع التحولات الإقليمية والدولية.
وأكد أن الموقف الصادر عقب القرار الأممي الأخير ليس معزولاً عن بيئة داخلية تتسم بتزايد تأثير الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين الذين نسجوا علاقات تعاون قوية مع المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وأردف أن هذا المعطى جعل مواجهة المغرب خيارًا مكلفًا على المستوى الاقتصادي والدبلوماسي، لاسيما في ظل حضور الرباط المتنامي داخل القارة الإفريقية.
وشدد على أن جنوب إفريقيا لم تعد قادرة على تجاهل الوزن السياسي والاقتصادي للمغرب، أو الاستمرار في التعاطي معه من منظور اصطفافات قديمة لم تعد تخدم مصالحها.
ولفت المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، إلى أن جوهر هذا التحول يرتبط بعامل آخر لا يقل أهمية، ويتعلق بالتحولات الجيوسياسية داخل الاتحاد الإفريقي.
وأضاف أن عودة المغرب إلى المنظمة، وتوسع شبكة الشراكات التي بناها داخل غرب القارة وشرقها، جعلا بريتوريا أمام واقع جديد لا يسمح لها بالإبقاء على نفس مستوى العداء التقليدي تجاه الوحدة الترابية للمملكة؛ خصوصًا بعد أن انخرطت أكثر من 30 دولة إفريقية في دعم مبادرة الحكم الذاتي وافتتحت قنصلياتها بالأقاليم الجنوبية.
❖ ضغوط خارجية
إلى جانب العوامل الداخلية، يبرز محمد عصام لعروسي أهمية السياق الخارجي الذي أفرز هذا التحول، ويصفه بأنه “حاسم” في تشكيل موقف جنوب إفريقيا، معتبرًا أن الإجماع الدولي المتنامي حول مغربية الصحراء جعل بريتوريا أمام خيارين لا ثالث لهما.
وأشار إلى أنه كان أمام جنوب إفريقيا؛ إما الالتحاق بالمسار الدولي الداعم للحكم الذاتي كحل واقعي وعملي، أو الاستمرار في عزلة سياسية غير مفيدة، مشددًا على أن القرار الأممي الأخير عزز هذا التوجه، ووجه رسالة قوية إلى جميع الأطراف مفادها أن الاستفتاء أصبح خيارًا متجاوزًا ولم يعد يحظى بأي سند دولي ذي وزن.
واستطرد أن التحولات التي تشهدها الجزائر نفسها، باعتبارها الطرف المباشر في النزاع، تسهم بدورها في دفع جنوب إفريقيا إلى مراجعة خطابها، مبرزًا أن الجزائر تحاول في الآونة الأخيرة لعب دور الوساطة في أكثر من ملف إقليمي لتقديم نفسها كطرف محايد، وهو ما يناقض خطابها التقليدي المدافع عن “البوليساريو”.
ونبه المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، إلى أن هذا التذبذب الجزائري جعل بريتوريا تجد نفسها أمام معادلة صعبة، تتجلى في كيفية استمرارها في دعم أطروحة بدأت تفقد مبرراتها حتى عند أقرب حلفائها.
واعتبر أن جنوب إفريقيا، في حال اختارت الإبقاء على تحالفها السابق مع “البوليساريو”، فإنها ستواجه تآكلًا في موقعها داخل القارة؛ خاصة أمام صعود محور جديد يضم دول غرب إفريقيا وبعض دول الشرق التي تبنت مبادرة الحكم الذاتي واعتبرتها الإطار العملي الوحيد لإنهاء النزاع.
وأكد أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن مواصلة التعاطف مع “البوليساريو” لم يعد يندرج ضمن أي رؤية براغماتية؛ سواءً على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وهو ما أجبر بريتوريا على مراجعة نهجها.
❖ رهانات الاتحاد
يُبرز لعروسي أن ما حدث ليس مجرد تحول ظرفي، بل يحمل رسائل واضحة تتعلق بموازين القوى داخل الاتحاد الإفريقي، مشيرًا إلى أن جنوب إفريقيا كانت تمثل لعقود قطبًا مؤثرًا داخل ما يُعرف بـ“المحور الأنغلوفوني”؛ الأمر الذي منحها قدرة على التأثير في مواقف عدد من الدول الإفريقية ذات التوجه نفسه.
وأوضح المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أنه مع هذا التحول الواقع اليوم، فإن مرحلة جديدة قد تنفتح داخل القارة الإفريقية، بحيث ينتقل الملف من منطق الانقسام إلى منطق التقارب الاستراتيجي.
وأكد أن العديد من دول غرب إفريقيا وشرقها التي بادرت إلى فتح قنصليات بالعيون والداخلة ستعتبر هذا الموقف الجنوب إفريقي الجديد مكسبًا يعزز الإجماع القاري.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وتابع أن الرباط، بالنظر إلى شبكة حضورها القارية، ستكون في وضع يسمح لها باستثمار هذا التحول لإعادة ترتيب فضائها الإقليمي واستقطاب فاعلين إضافيين لفائدة مسار الحكم الذاتي.
وأشار إلى أن المغرب، بفضل سياسته الإفريقية القائمة على “الشراكة رابح–رابح”، نجح في ترسيخ حضوره داخل القارة كفاعل مؤثر وموثوق.
ولفت إلى أن قبول جنوب إفريقيا بهذا المسار يعني عمليًا نهاية مرحلة المواجهة الرمزية داخل الاتحاد الإفريقي حول ملف الصحراء، ويفتح الباب أمام رؤية جديدة لمستقبل العلاقات المغربية–الجنوب إفريقية.
واستطرد أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن هذه المرحلة الجديدة ستقوم على منطق براغماتي يضع المصلحة فوق الاعتبارات الإيديولوجية التي حكمت مواقف بريتوريا لعقود.
❖ سيناريوهات محتملة
يرى لعروسي أن التحول الجنوب إفريقي يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية في المرحلة المقبلة؛ أولها يقوم على الحفاظ على الوضع القائم دون إعلان دعم قوي للمغرب، ولكنه يتضمن تخليًا عمليًا عن “البوليساريو” في المحافل الدولية، معتبرًا إياه احتمالًا واردًا بالنظر إلى البراغماتية التي بدأت تميز السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا.
وأما السيناريو الثاني وفق أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات؛ فيقوم على تعزيز العلاقات الثنائية بين الرباط وبريتوريا، بما في ذلك بناء شراكات اقتصادية وسياسية جديدة، وهو ما قد يدفع جنوب إفريقيا إلى مراجعة تامة لمواقفها السابقة، وربما إلى وقف أي تعامل رسمي مع “البوليساريو”.
من “المسيرة الخضراء” إلى “عيد الوحدة”.. أي تحول في رمزية السيادة المغربية؟
وأردف أن هذا السيناريو قد يكون الأكثر انسجامًا مع السياق الدولي الجديد؛ خاصة مع ضغط رجال الأعمال والسياسيين المؤثرين داخل جنوب إفريقيا لصالح تعزيز العلاقات مع المغرب.
وتابع المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن السيناريو الثالث سيبنى على ما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة بشأن الملف؛ خصوصًا في ظل تحيين مبادرة الحكم الذاتي وفق مقاربة مغربية جديدة.
وأشار إلى أن هذا السيناريو قد يحدد بشكل أوضح حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه بريتوريا في المرحلة المقبلة؛ سواءً عبر دعم المسار السياسي أو من خلال إعادة تموضع تدريجي بعيدًا عن “البوليساريو”.
❖ انهيار السرديات
يؤكد لعروسي على أن التحول الجنوب إفريقي ليس فقط موقفًا سياسيًا جديدًا، بل هو مؤشر على سقوط سرديات قديمة ارتبطت بتاريخ نيلسون مانديلا وفلسفة التحرر التي تبنتها بريتوريا بعد نهاية نظام الفصل العنصري.
وأوضح أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن هذه السرديات لم تعد قادرة على تفسير واقع النزاع، لأنها تبني دعمها لـ”البوليساريو” على فرضيات “نضالية” تفتقر للأدلة التاريخية والسياسية.
وشدد المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، على أن نزاع الصحراء، كما بيَّنت التجارب، هو صناعة إقليمية مرتبطة ببقايا الحرب الباردة وبالدعم الجزائري المباشر للجبهة.
جنوب إفريقيا تطرق أبواب المغرب عبر قضية الصحراء.. هل يفتح زوما باب التقارب بين بريتوريا والرباط؟
وأضاف أن هذا الخطاب التقليدي أصبح عاجزًا عن مواكبة التحولات الجيوسياسية داخل إفريقيا، في وقت أصبح المغرب يقدم نموذجًا للتعاون القاري يقوم على التنمية والاستثمار والشراكة المؤسساتية.
وأبرز أن جنوب إفريقيا باتت مقتنعة بأن الاصطفاف إلى جانب جبهة تعيش عزلة إقليمية ودولية متزايدة لم يعد خيارًا ممكنًا؛ خاصة في ظل الجهود الغربية التي ترمي إلى تصنيف “البوليساريو” كمنظمة إرهابية.
وشدد على أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة “واقعية سياسية”، تتجاوز منطق الشعارات الإيديولوجية، وتفتح الباب أمام بناء تحالفات جديدة تعكس مصالح إفريقيا الفعلية.
ويلفت محمد عصام لعروسي إلى أن المغرب من موقعه كقوة صاعدة داخل القارة، سيكون قادرًا على قيادة هذا التحول بما يخدم استقرار المنطقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الشراكات عوض الصراعات.

