في تحوّل غير مسبوق داخل المشهد السياسي لجنوب إفريقيا، أعلن حزب “أومكونتو وي سيزوي” (uMkhonto WeSizwe Party)، الذي يقوده الرئيس السابق جاكوب زوما، -وهو ثالث قوة سياسية في البرلمان حاليا-، دعمه الكامل لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مؤيدًا مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع المفتعل حول الصحراء، وهذا الموقف الذي وُصف بالتحول التاريخي، لم يقتصر على تأييد المبادرة المغربية، بل ذهب إلى حد الإشادة بالمسيرة الخضراء واعتبارها نضالًا مشروعًا لإنهاء الاستعمار، في سابقة تعكس اختراقًا سياسيًا لافتًا للمغرب داخل إحدى أبرز القلاع التقليدية الداعمة لأطروحة الانفصال.
والوثيقة السياسية التي أصدرها الحزب حملت إشارات قوية إلى ضرورة إعادة بناء علاقات استراتيجية مع الرباط، والتأسيس لتحالف شامل في مجالات الاقتصاد والأمن والدبلوماسية متعددة الأطراف، ما يثير تساؤلات ضمنية حول مستقبل الموقف الرسمي لبريتوريا، ومدى قابلية باقي مكونات الدولة الجنوب إفريقية للتفاعل مع هذا التحول، وإن كان يمهّد موقف حزب “زوما” الطريق لتغيير أوسع في السياسات الإفريقية تجاه قضية الصحراء، ومعها إمكانية استثمار المغرب لهذا المعطى لتوسيع قاعدة الدعم داخل القارة، ومدى تأثر محور الجزائر-بريتوريا بهذه الدينامية الجديدة التي تعيد خلط أوراق التوازن الإقليمي.
♦ تحول سياسي لافت
يرى بلال التليدي، الباحث والمحلل السياسي، أن التحول في موقف حزب “أومكونتو وي سيزوي” بجنوب إفريقيا تجاه قضية الصحراء المغربية ليس حدثًا معزولًا أو طارئًا، بل ثمرة لمسار دبلوماسي ملكي طويل الأمد قادته الرباط.
وقال التليدي في تصريح لجريدة “شفاف”، إن هذا المسار سعى منذ قرابة عقد إلى مدّ جسور التفاهم والانفتاح مع جنوب إفريقيا، رغم المواقف المتصلبة التي اتخذتها الأخيرة داخل الاتحاد الإفريقي وضمن تحالفات إقليمية داعمة للبوليساريو.
وأكد أن المغرب لم يراهن فقط على المسارات الرسمية، بل أولى أهمية متزايدة للدبلوماسية الموازية، من خلال الاشتغال على الفضاء الحزبي والمدني الجنوب إفريقي، وهو ما بدأ يعطي ثماره اليوم بتحول أحد الأحزاب البارزة داخل المشهد السياسي في بريتوريا نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي والاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وهذا الاختراق لا يمكن فصله، بحسب التليدي، عن الجهد المغربي المتكامل الذي وظف أدوات اقتصادية ودبلوماسية، وقيمية لبناء خطاب عقلاني وواقعي، يراهن على التعاون بدل الاصطفاف الإيديولوجي، ويضع التنمية الإقليمية في صلب أي مشروع تكاملي إفريقي.
♦ تأثير داخلي مرتقب
يبرز التليدي أن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول تكمن في آثاره المنتظرة داخل الدينامية السياسية الجنوب إفريقية، لا سيما في حال تمكن حزب زوما من تعزيز حضوره داخل البرلمان أو الولوج إلى الحكومة بعد استحقاقات انتخابية قريبة.
وأوضح أنه بموجب هذا المستجد، لم تعد السياسة الخارجية الجنوب إفريقية، وتحديدًا ما يتعلق بقضية الصحراء، خارج دائرة المساءلة، بل أصبحت موضوع نقاش داخلي وتعدد في وجهات النظر.
وشدد الباحث والمحلل السياسي على أن هذا التحول من أحادية القرار إلى التعدد داخل المؤسسات السياسية، يفتح الباب أمام تليين مواقف بريتوريا مستقبلاً.
ويستحضر التليدي هنا تجربة مماثلة جرت في إسبانيا، حين نجح المغرب في كسر وحدة الموقف الإسباني المعادي له بفضل انخراطه في محاورة الطيف السياسي الإسباني، وصولًا إلى التغيير الجذري الذي طبع موقف مدريد الرسمي مؤخرًا بدعم مقترح الحكم الذاتي.
♦ عزلة المحور الجزائري
يذهب التليدي إلى أن هذا التطور، إذا ما تكرس من خلال حضور فعلي لحزب “MK Party” داخل الحكومة، سيكون بمثابة ضربة قاصمة لمحور الجزائر-بريتوريا، الذي شكل لسنوات قاعدة إسناد إيديولوجية ودبلوماسية لجبهة البوليساريو داخل القارة الإفريقية.
وأردف الباحث والمحلل السياسي، أن جنوب إفريقيا كانت من بين الدول القليلة التي حافظت على دعم مطلق لأطروحة الانفصال، ليس فقط في المحافل القارية، بل كذلك في المنتديات الدولية، وهو ما انعكس سلبًا على موقع المغرب داخل الاتحاد الإفريقي.
حين تكذب الجزائر في مجلس الأمن.. هل تكفي دبلوماسية هلال لتصحيح المسار أم آن أوان المحاسبة؟
وتابع أنه مع بروز مواقف حزبية داعمة للطرح المغربي، فإن مشروعية الانحياز الجنوب إفريقي أصبحت موضع مساءلة، ما يضع الجزائر في موقع العزلة السياسية، ويدفعها إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية داخل القارة، لا سيما وأن الحاضنة الإفريقية بدأت تتآكل تدريجيًا بفعل تغير موازين القوى الإقليمية والدولية.
♦ واقع دولي جديد
يؤكد التليدي أن التحول في المواقف الإفريقية، ومن ضمنها موقف جنوب إفريقيا، لا يرتبط بالوعي السياسي في شكله النظري، بل هو استجابة لتغيرات جوهرية في البيئة الدولية والإقليمية.
وأبرز أن مواقف العديد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة وألمانيا وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، عرفت تحولات عميقة لصالح المقترح المغربي، وهو ما أفرز دينامية جديدة داخل الأمم المتحدة، انعكست على صياغة قرارات مجلس الأمن وطبيعة مقاربات الحل.
ولفت إلى أن مواقف دول الجوار، مثل موريتانيا، عرفت تحولات مهمة، من أبرزها تشديد المراقبة على حدودها ومنع تسلل عناصر البوليساريو إلى المنطقة العازلة، مما يعكس إرادة إقليمية في تطويق التوترات ودفع المسار نحو حلول واقعية.
وشدد الباحث والمحلل السياسي، على أنه لم يعد يسمح لجنوب إفريقيا اليوم في ظل المستجدات المذكورة؛ بالبقاء أسيرة لخطاب متجاوز ومكلف دبلوماسيًا.
♦ الرهان الاقتصادي والإقليمي
يرى التليدي أن ما يغير المعادلات اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو بروز مشاريع إقليمية كبرى عابرة للحدود، تضع المغرب في موقع محوري ضمن منظومات التعاون جنوب-جنوب.
وأشار إلى أن مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، وخط أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، والتعاون المغربي-الموريتاني-الإفريقي في المجال الطاقي والتجاري، كلها أوراش استراتيجية ترسم خريطة جديدة للتنمية في إفريقيا، وتجعل الشراكة مع المغرب خيارًا عقلانيًا أكثر من الاصطفاف خلف أطروحة انفصالية غير واقعية.
ونبه إلى أن جنوب إفريقيا في هذا السياق؛ مطالبة بتجاوز المواقف العقائدية والانخراط في منطق المصالح المتبادلة والتكامل الاقتصادي، خاصة وأن الرباط باتت طرفًا فاعلًا في مشاريع تقودها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.
♦ نحو مراجعة جنوب إفريقية
في ضوء هذه التحولات، يشير التليدي إلى أن السياسة الخارجية الجنوب إفريقية، بقيادة سيريل رامافوزا، ستكون مضطرة لإعادة التموقع، ليس فقط تحت ضغط داخلي مصدره تغير التوازنات الحزبية، بل أيضًا بفعل المعطيات الإقليمية والدولية الجديدة.
وذكر الباحث والمحلل السياسي، أن أي استمرارية في دعم البوليساريو تعني مزيدًا من العزلة وتعقيد العلاقات مع دول إفريقية وازنة اختارت دعم المقترح المغربي، أو على الأقل تبني الحياد الإيجابي.
الرباط تعزز محور الساحل الإفريقي.. استمرارية استراتيجية أم تحوّل إقليمي؟
واستطرد أن الرهان المغربي اليوم هو توسيع هذا الاختراق السياسي وتحويله إلى اختراق دبلوماسي شامل، يدفع جنوب إفريقيا نحو موقف أكثر توازنًا، بما يعيد للقارة الإفريقية دورها كوسيط في حل النزاعات بدل أن تكون طرفًا فيها.

