تتواصل الدعوات الحقوقية والمدنية بالمغرب إلى تشديد الجهود لمواجهة ظاهرة استغلال الأطفال في التسول، في ظل تنامي المخاوف من اتساع هذه الممارسات وانعكاساتها الخطيرة على الطفولة.
وتثير مشاهد الأطفال والرضع في الشوارع والفضاءات العمومية تساؤلات متزايدة حول نجاعة آليات الحماية والتدخل، ومدى قدرة السياسات العمومية على التصدي لهذه الظاهرة.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول ضرورة الانتقال من المعالجة الظرفية إلى مقاربة شاملة تجمع بين الزجر القانوني، والحماية الاجتماعية، والتوعية المجتمعية، بما يضمن صون حقوق الأطفال وتجنيبهم مختلف أشكال الاستغلال والإهمال.
♦دعت إلى تحرك وطني عاجل
أكدت فاطمة عريف، رئيسة جمعية “صوت الطفل أكادير”، أن استمرار استغلال الرضع والأطفال في التسول لم يعد مجرد مشهد اجتماعي مألوف أو انعكاسا للهشاشة الاقتصادية، بل تحول إلى جريمة تمس جوهر حقوق الطفولة وكرامة الإنسان، معتبرة أن الصمت الجماعي إزاء هذه الممارسات يساهم بشكل مباشر في استمرارها واتساعها.
وشددت رئيسة جمعية “صوت الطفل أكادير” في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة رصد الظاهرة والتعبير عن الأسف إلى مرحلة التدخل الحازم الذي يضع حماية الأطفال في صدارة الأولويات الوطنية.
وأوضحت أن المشاهد التي أصبحت تتكرر يوميا في شوارع مدينة أكادير، وخاصة داخل الفضاءات العمومية والمناطق السياحية والساحات التي تعرف إقبالا كبيرا من المواطنين والزوار، تكشف حجم المأساة التي يعيشها أطفال أبرياء يتم استغلالهم في ظروف لا تليق بكرامتهم ولا تحفظ حقوقهم الأساسية.
وأضافت أن رؤية أطفال بملامح شاحبة ورضع يقضون ساعات طويلة بين أحضان متسولين في ظروف غامضة أصبحت تمثل جرحا إنسانيا مفتوحا يستوجب تدخلا عاجلا من مختلف المؤسسات.
واعتبرت أن تحويل الطفولة إلى وسيلة لاستدرار عطف المارة وتحقيق مكاسب مالية يمثل شكلا خطيرا من أشكال الاتجار بالبشر واستغلال الفئات الهشة، مشيرة إلى أن الطفل في هذه الحالات يتحول إلى أداة لتحقيق الربح بدل أن يكون موضوعا للحماية والرعاية.
وأكدت أن هذه الممارسات تنتهك بصورة واضحة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، كما تضرب في العمق الالتزامات الوطنية الرامية إلى صون كرامة الأطفال وضمان نموهم السليم.
وأوردت أن الطفل المستغل في التسول لا يفقد فقط حقه في التعليم، وإنما يحرم أيضا من حقه في اللعب، والرعاية الصحية، والاستقرار النفسي، والحياة الأسرية الآمنة، وهي حقوق تشكل الأساس الطبيعي لأي طفولة سليمة.
كما لفتت إلى أن بقاء هؤلاء الأطفال لساعات طويلة في الشوارع، تحت أشعة الشمس أو في ظروف مناخية قاسية، يعرضهم لمخاطر صحية ونفسية جسيمة، فضلا عن احتمال تعرضهم للعنف والاستغلال والانحراف بمختلف أشكاله.
♦شخصت اختلالات الواقع الحالي
سجلت رئيسة الجمعية أن مواجهة هذه الظاهرة ما تزال تصطدم بغياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة تمكن من معرفة الحجم الحقيقي لاستغلال الأطفال في التسول، معتبرة أن غياب الإحصائيات الرسمية يحرم صناع القرار من معطيات أساسية تسمح بوضع سياسات عمومية فعالة وقابلة للتقييم. وأبرزت أن أي تدخل ناجح ينبغي أن ينطلق من تشخيص علمي يعتمد على مؤشرات دقيقة تعكس الامتداد الجغرافي للظاهرة وتطورها.
وأشارت إلى أن الفراغ الإحصائي يفتح المجال أمام استمرار هذه الممارسات دون رقابة كافية، كما يجعل من الصعب قياس نتائج التدخلات الميدانية أو تقييم فعالية البرامج الاجتماعية الموجهة لحماية الأطفال. وأكدت أن غياب الأرقام الدقيقة لا يعني تراجع الظاهرة، بل قد يخفي اتساعها وانتشارها في عدد من المدن والأحياء.
وانتقدت في السياق ذاته غياب آليات بسيطة ومباشرة تسمح للمواطنين بالتبليغ الفوري عن حالات استغلال الأطفال، موضحة أن الكثير من الأشخاص يصادفون يوميا أطفالا في أوضاع خطيرة لكنهم لا يعرفون الجهة المختصة التي ينبغي الاتصال بها أو الإجراءات الواجب اتباعها. معتبرة أن هذا الارتباك يضيع فرصا مهمة لإنقاذ أطفال يعيشون أوضاعا تستدعي تدخلا فوريا.
وأوردت أن توفير أرقام خضراء مجانية ومنصات رقمية وتطبيقات سهلة الاستعمال للتبليغ عن حالات استغلال الأطفال سيشكل خطوة عملية لتقريب المواطن من مؤسسات الحماية، وسيساعد السلطات المختصة على التدخل بسرعة أكبر. مشددة على أن إشراك المواطنين في عملية الرصد والتبليغ يعزز ثقافة المسؤولية الجماعية ويحول المجتمع إلى شريك حقيقي في حماية الطفولة.
وأكدت أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في بعدها الاجتماعي أو الاقتصادي فقط، لأنها ترتبط كذلك بوجود شبكات تستغل هشاشة الأطفال لتحقيق أرباح غير مشروعة، الأمر الذي يستوجب تشديد المراقبة وتفعيل النصوص القانونية والزجرية في حق كل من يثبت تورطه في استغلال القاصرين، سواء كانوا أفرادا أو شبكات منظمة.
♦حلولا عملية عاجلة
طالبت فاطمة عريف بإطلاق خطة وطنية شاملة لمحاربة استغلال الأطفال في التسول، تقوم على التنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات القضائية والأمنية والجماعات الترابية ومكونات المجتمع المدني، حتى يتم التعامل مع الظاهرة باعتبارها قضية حماية للطفولة وليست مجرد ملف اجتماعي عابر.
ودعت إلى تكثيف حملات المراقبة داخل الفضاءات العمومية والأماكن التي تعرف انتشار المتسولين، مع ضمان التكفل الفوري بالأطفال الذين يتم العثور عليهم في أوضاع الاستغلال، وإحالتهم على مؤسسات الرعاية الاجتماعية المختصة، مع تتبع أوضاعهم النفسية والتعليمية والصحية إلى حين إعادة إدماجهم في بيئة آمنة.
واقترحت وضع لافتات تحسيسية ثابتة وواضحة في الشوارع الرئيسية والساحات العمومية ومحطات النقل والمرافق الأكثر ارتيادا، تتضمن أرقاما مباشرة للتبليغ عن جميع حالات استغلال الأطفال، حتى يتمكن أي مواطن من الإبلاغ بسرعة عند ملاحظته لأي طفل يوجد في وضعية خطر، معتبرة أن هذه الخطوة ستكون أداة فعالة لتعزيز اليقظة المجتمعية.
وحثت المواطنين على مراجعة أساليب التعاطف مع المتسولين الذين يستغلون الأطفال، موضحة أن تقديم الأموال في الشوارع قد يبدو سلوكا إنسانيا، لكنه يساهم، من حيث لا يشعر الكثيرون، في تغذية هذه التجارة وضمان استمرارها. مشددة على أن التعاطف الحقيقي ينبغي أن يتجسد في التبليغ عن حالات الاستغلال ودعم المبادرات التي تحمي الأطفال بدل تشجيع الشبكات التي تستفيد من معاناتهم.
واعتبرت أن مسؤولية حماية الأطفال مسؤولية جماعية لا يمكن أن تتحملها مؤسسة واحدة، بل تستوجب تعبئة جميع الفاعلين، من سلطات عمومية وقضاء وأجهزة أمنية ومؤسسات تعليمية وإعلام ومجتمع مدني ومواطنين، حتى تصبح حماية الطفولة ثقافة مجتمعية راسخة وليست مجرد رد فعل موسمي.
وخلصت إلى أن المغرب يمتلك من الإمكانات القانونية والمؤسساتية ما يؤهله لوضع حد لهذه الممارسات، غير أن نجاح ذلك يظل رهينا بإرادة جماعية حقيقية ترفض استغلال الأطفال تحت أي مبرر، معتبرة أن كرامة الطفولة ليست موضوعا قابلا للتفاوض، وأن إنقاذ طفل واحد من الاستغلال يمثل انتصارا للمجتمع بأكمله، فيما يبقى الصمت أمام هذه المشاهد مشاركة غير مباشرة في استمرار الجريمة، وهو ما يفرض تحركا عاجلا قبل أن تتفاقم الظاهرة أكثر وتخلف آثارا يصعب تداركها على مستقبل الأطفال والمجتمع.

