أصدر “المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة” تقريرا استراتيجيا شاملا تشخيصيا واستشرافيا تحت عنوان “المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب: أزمة الوساطة، والفئة الصامتة، ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035″، يقدم فيه قراءة نقدية لمسار ستة عقود من المشاركة الانتخابية بالمملكة.
وأكد التقرير أن الكتلة الأكبر في المشهد السياسي اليوم لم تعد متمثلة في أي حزب سياسي، بل في “كتلة الممتنعين” أو ما يُعرف بـ”الفئة الصامتة”.
وكشف التقرير عن فجوة كبرى في هندسة المشهد الانتخابي، حيث يوجد أكثر من 16 مليون مواطن مؤهل خارج الفعل الانتخابي؛ فمن أصل 25.23 مليون مواطن في سن التصويت، لم يدْلِ سوى 8.8 ملايين بصوتهم في اقتراع 2021.
ورغم أن معدل المشاركة المعلن استقر في حدود 50.35% (محتسباً من اللوائح الانتخابية)، فإن النسبة الفعلية للمشاركة لا تتعدى 34.9% من إجمالي المواطنين المؤهلين قانونياً، مما يعني أن حجم “الفئة الصامتة” يمثل 65.1%. وعزا المركز هذا العزوف إلى أزمة بنيوية عميقة تكمن في “تآكل وظيفة الوساطة الحزبية”، وتراجع مستويات الثقة في الهيئات الحزبية إلى 18%.
ورصد التحليل ظاهرة “التطاير الانتخابي الحاد” كدليل على هشاشة الولاء البرنامجي، حيث انهار الحزب المتصدر في انتخابات 2016 بفقدانه أكثر من مائة مقعد في 2021، في مقابل صعود قفزي لحزب آخر تضاعفت مقاعده بنحو ثلاث مرات، وهو مسار تأثر جزئياً بتعديل “القاسم الانتخابي”.
وفي مقابل هذه التحديات، أبرز التقرير إشارات إيجابية بفضل الهندسة المؤسسية الواعية، وفي مقدمتها الطفرة النوعية في تمثيلية النساء بالبرلمان التي انتقلت من 10% عام 2002 إلى 24.3% عام 2021.
وربطت الدراسة بشكل وثيق بين الانسحاب من الشأن العام والضغوط الاقتصادية، حيث تقفز بطالة الشباب (15-24 سنة) إلى رقم قياسي يبلغ 37.2%، وتصل بطالة حاملي الشهادات إلى 19.1%، مما يترجم الإحباط المعيشي إلى عزوف سياسي.
وأوضح المركز أن الشباب لم يغادر السياسة بل انتقل للتعبئة رقمياً؛ فمع تخطي نسبة النفاذ الرقمي 92%، تحول الثقل النقاشي إلى الشاشات، مما يفرض توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كرافعة للشفافية عبر منصات تتبع الالتزامات الانتخابية وتفعيل آليات الميزانية التشاركية الرقمية لمحاربة التضليل والشعبوية.
واختتم المركز تقريره بوضع لوحة قيادة استشرافية حددت مستهدفات كمية واضحة لأفق 2035، تهدف إلى رفع معدل المشاركة الانتخابية الفعلية إلى 65%، وتقليص حجم الفئة الصامتة إلى 40%.
ويتلازم هذا الطموح السياسي مع ضرورة تحقيق إقلاع اقتصادي يرفع نسبة النمو إلى 6% سنوياً تماشياً مع مستهدفات النموذج التنموي الجديد، والهبوط بمعدل البطالة الوطني إلى 5%، مشدداً على أن استعادة ثقة المواطنين تتطلب تجاوز الحملات الموسمية وتقديم عرض سياسي واقتصادي ملموس وقابل للقياس.

