عادت ظاهرة الغش في امتحانات البكالوريا لتتصدر واجهة الأحداث التربوية والأمنية بالمغرب، بعد تفكيك شبكات منظمة تنشط في مدن عدة، من بينها أكادير والحسيمة، وتورط فيها تلاميذ وأساتذة في القطاع الخاص وطلبة جامعيون، حيث تمكنت المصالح الأمنية من توقيف عدد من المتورطين وهم في حالة تلبس، مستعملين معدات إلكترونية متطورة، ما يؤشر على تحول الغش إلى نشاط مهيكل قائم على تقنيات دقيقة ووسائط مالية واضحة، في تحدٍّ سافر لهيبة الامتحانات الإشهادية ولجهود الدولة في ترسيخ قيم النزاهة وتكافؤ الفرص.
غير أن هذه الوقائع، التي تتكرر سنويًا رغم الحملات الأمنية والتحسيسية، تطرح في طياتها تساؤلات محرجة حول فعالية النظام التربوي في بناء حس المسؤولية لدى المتعلمين، ومدى قدرة الأسر على مواكبة أبنائها دون ممارسة ضغوط غير محسوبة على نتائجهم الدراسية، كما يفرض هذا الواقع التفكير فيما إذا كانت الظاهرة تعكس خللاً بنيويًا أعمق في تصور المدرسة والنجاح، وفيما إذا كانت العقوبات القانونية كافية للردع، أم أن هناك حاجة لمقاربة شمولية تتجاوز منطق الزجر إلى تربية ضمير المتعلم والمجتمع معًا.
♦ سلوك أم بنية؟
يشير زكرياء أكضيض، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، إلى أن الغش في امتحانات البكالوريا لم يعد مجرد سلوك فردي يمكن عزله عن سياقه، بل تطوّر إلى ما يشبه البنية داخل المجتمع.
وقال أكضيض في تصريح لجريدة “شفاف”، إن الغش هو مسلك ضمن مسالك متعددة يختارها الأفراد لتحقيق أهداف يعتبرها المجتمع ذات قيمة.
وتابع أنه بالرغم من أنه “مسلك غير مدني وغير أخلاقي”، إلا أنه يحظى بقابلية متزايدة داخل الأوساط التلاميذية، لدرجة أن بعضهم يصرّحون بأن “الغش حق”، مما يعكس ترسخًا ثقافيًا يشرعن هذه الممارسة.
وهذا التحول، وفق المتحدث، يعكس وجود معايير خاصة داخل هذه “البنية”، حيث يتم تبرير الغش والقبول به اجتماعيًا، ويجد ممارسوه مبررات تدفعهم لاعتباره ضرورة أو حقًا مكتسبًا.
ونبه أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، إلى أن هذا الأمر يفرض على الفاعلين في الحقل التربوي ضرورة الانتباه إلى الخلفيات الثقافية التي تغذّي هذه الظاهرة.
♦ الغش كمنظومة
يعتبر أكضيض أن الأمر لا يتوقف عند التبرير الفردي، بل يتجاوزه إلى بروز شبكات متخصصة تنشط في تسهيل عمليات الغش بمقابل مادي.
ويؤكد أن هذه الشبكات لا تقتصر على امتحانات البكالوريا، بل تمتد إلى مختلف الأسلاك الجامعية، من الإجازة إلى الدكتوراه.
ويذهب أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، إلى حد الحديث عن “اقتصاد للغش”، يتحرك فيه فاعلون مجهولون، ويوفر شروط الحياة لإعادة إنتاج الظاهرة سنويًا.
ويشير إلى أن وجود شبكات الغش دليل على أن المجتمع بات يحتوي على بنيات تحتضن الظاهرة، وتمكّنها من الاستمرار، بل وتمنحها مقومات الازدهار.
ولهذا يلح على دور الصحافة الاستقصائية في كشف هذه الشبكات، محذرًا من خطورة التغاضي عن تغلغلها في البنية التعليمية والاقتصادية.
♦ الأسرة تحت المجهر
من زاوية سوسيولوجية، يشدد أكضيض على أن الأسرة المغربية، أحيانًا بوعي ومرات بدونه، تساهم في الدفع بأبنائها نحو سلوك الغش.
وأردف أن الضغوط النفسية والاجتماعية، والمبالغة في رفع سقف التطلعات، تجعل التلميذ يعيش تحت إكراهات لا يملك دائمًا أدوات مواجهتها.
وتابع أنه عندما تتحوّل المسارات التعليمية إلى مشاريع عائلية، بدل أن تكون مشاريع شخصية للتلميذ، يجد هذا الأخير نفسه في مواجهة مزدوجة.
ولفت إلى أنه من جهة؛ نجد التلميذ مُطالب بتحقيق النجاح، ومن جانب آخر محاصر بقدرات ذاتية قد لا تسعفه، موضحا أنه هنا تنشأ فجوة تُملأ أحيانًا بالغش كوسيلة لتلبية تطلعات الأسرة والمجتمع.
ويحذر أكضيض من أن هذا المسار قد يدفع التلميذ إلى الانهيار النفسي إذا لم يستطع مجاراة تلك التطلعات، أو في أحسن الأحوال، إلى السقوط في دوامة الغش كحل سريع ومتاح.
♦ تجفيف منابع الفساد
من أجل بناء وعي جماعي يربط بين النجاح والاستحقاق، يدعو الأستاذ أكضيض إلى “تجفيف منابع الفساد” المتغلغلة في المجتمع، من الأعلى إلى الأسفل.
ويربط الغش في الامتحانات ببنية الفساد العامة، مؤكدًا أن محاربة هذه الظاهرة التربوية لا يمكن أن تتم بمعزل عن مواجهة مظاهر الفساد الأخرى؛ سواءً الاقتصادية أو الإدارية.
آفة الأمية بالمغرب .. بين الجهود المبدولة والتحديات المطروحة في مسار القضاء على الظاهرة
ويضرب مثالًا بالغش المالي والفساد الإداري كامتداد للغش التربوي، مشيرًا إلى أن من لا يرفض الريع في المعاملات بمختلف المجالات، لا يمكنه أن يكون صادقًا في محاربة الغش في التعليم.
ودعا أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، إلى مقاربة شمولية، تتجاوز الزجر القانوني إلى بناء منظومة قيمية تستأصل الظاهرة من جذورها.
♦ مواكبة التقنية
من بين الحلول العملية التي يقترحها أكضيض؛ ضرورة مواكبة التطورات التقنية لمواجهة الغش الإلكتروني، الذي صار يتجاوز الوسائل التقليدية نحو أساليب رقمية وشبكية معقدة.
ويرى أن تجهيز مراكز الامتحانات بأدوات تكنولوجية متطورة أصبح أمرًا ضروريًا، مع تطبيق صارم لمنع الهواتف المحمولة من الولوج إلى قاعات الامتحان.
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تكون شكلية، بل ينبغي أن تضمن تكافؤ الفرص فعليًا، وتعيد الثقة في الامتحان كمحطة استحقاق.
♦ مشروع شخصي لا جماعي
يعيد أكضيض التأكيد على أن المسار التعليمي يجب أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا شخصيًا للتلميذ، وليس مشروعًا للأسرة أو المجتمع.
وأوضح أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن كل نجاح مبني على الاستحقاق يخدم الفرد أولاً، ويمنحه ثقة في النفس، ويمكّنه من بناء حياة مهنية صلبة.
وزير التعليم يعجز عن الإجابة على أسئلة البرلمانيين.. فهل الاستوزار في حكومة الكفاءات يخضع لمعايير؟
وتابع أنه إذا استند هذا النجاح على الغش أو ضغوطات خارجية، فإنه قد يتحول إلى بناء هشّ سرعان ما ينهار في أول مواجهة مع متطلبات الواقع.
وشدد على ضرورة التفكير في حلول جماعية تُعيد إلى المدرسة دورها التربوي الحقيقي، وتُحصّن التلاميذ من السقوط في متاهات مسالك مختصرة، نهايتها دائمًا غير مضمونة.

