لا تزال تشهد مجموعة من الأحياء بالدار البيضاء انتشار عدد كبير من المشردين، بالرغم من المجهودات التي بذلت خلال المرحلة السابقة، وهو ما يسائل الجهات المسؤولة وكذا فعاليات المجتمع المدني حول الحلول الممكنة لهذه الظاهرة، وإنهاء معاناة هاته الفئة التي لا تجد مأوى لها وتعيش حالة التشرد، وكذلك ساكنة العاصمة الاقتصادية التي قضت مضجعها سلوكيات بعضهم وما يتسببون فيه من تخريب وتهديد لحياتهم أحيانا.
وما يسلط الضوء اليوم أكثر على ارتفاع أعداد المشردين بالدار البيضاء، هو أن المدينة مرشحة بقوة لاحتضان تظاهرات كروية قارية ودولية، مثلما هو الحال مع نهائي كأس العالم 2030؛ المرتقب أن يشهده الملعب الكبير المزمع إحداثه ضواحي العاصمة الاقتصادية؛ الأمر الذي جعل الكثير من البيضاويين يطالبون بالإسراع بحل مشكل المشردين الذي يزداد يوما بعد آخر.
–الظاهرة في تمدد
عاينت جريدة “شفاف” في مجموعة من المناطق بالدار البيضاء، تواجد عدد من المشردين في حالة يرثى لها، وهم يسيرون بين دروب وأزقة الدار البيضاء، حيث تظهر على بعضهم علامات المعاناة من أمراض واضطرابات نفسية، وهو ما جعل بعض الساكنة الذين استوقفناهم بتلك الأماكن يعبرون لنا عن مخاوفهم من الخطر التي تشكله عليهم هذه الفئة.
خديجة، أم لطفلين والقاطنة بسيدي مومن، عبرت لـ “شفاف” عن قلقها من انتشار المشردين بحيّها، وازدياد أعدادهم مع مرور الوقت، لافتة إلى أنها لم تعد قادرة على مغادرة بيتها ليلا نتيجة لذلك، مبدية تخوفها من تعرض أبنائها للأذى من بعض من يعاني منهم من الجنون وغيره من الاضطرابات العقلية.
على ذات المنوال، يشير عصام، إلى أن حتى في أرقى المناطق بالدار البيضاء، وهو المعاريف، يتسكع أعداد من المشردين فتيات وفتيان بأروقة هذا الحي الذي يسكن به، ويُحدثون وفقه نوعا من القلق والفوضى بالمكان، نتيجة إزعاج المارة والتسبب في انتشار الأزبال، موضحا أنهم يستقرون ليلا بحدائق هذه المقاطعة.
وأضاف أن إشكالية المشردين تتسبب في مجموعة من الظواهر السلبية، التي ترتبط بأعمال الشغب والعربدة وتلويث هاته الأماكن من طرف تلك الفئة التي لا تجد لها مأوى، مبرزا أن الشكاوى التي تقدموا بها للجهات المسؤولة بخصوص هذا الموضوع، لم تلقى أي تفاعل.
فيما اعتبر زكرياء، وهو ابن حي عين السبع، عن استغرابه من تمدد واتساع أعداد المشردين ورقعة انتشارهم بالدار البيضاء، وفشل البرامج السابقة في الحد من الظاهرة، مطالبا بضرورة العمل على حل هذه الإشكالية بشكل عاجل وجذري، لاسيما مع قرب تنظيم العاصمة الاقتصادية لتظاهرات رياضية كبرى.
–أسباب التشرد
يرى المهدي ليمينة، أحد الفاعلين الجمعويين بالدار البيضاء، والناشط على مستوى منطقة المعاريف، في تصريح لـ “شفاف” أن مجموعة من المشردين اختاروا العيش في الشارع بالرغم من أن لهم أسر، مشيرا إلى أنه من خلال الاحتكاك بهم يتبين أن اختيارهم لـ “الزنقة” كملاذ جاء لكون عدد منهم مدمن على تعاطي المخدرات، إضافة إلى أن انتشار هذه الظاهرة بعمالة مقاطعات الدار البيضاء آنفا يعود لسهولة كسب قوتهم اليومية أو مبالغ مالية تكفيهم لشراء الحشيش أو “السيلسيون” أو الخمور أو غيرها من الأمور.
وأوضح ليمينة أنه رغم المبادرات التي قامت بها الدولة لتوفير المآوي لهذه الفئة، إلا أنه لا زال يشاهد كفاعل جمعوي بشكل يومي أطفال تقل أعمارهم عن 16 عاما ذكورا وإناثا، يتوافدون على منطقتي المعاريف وآنفا من جميع نواحي الدار البيضاء، وكذلك من مختلف جهات المملكة، لأنها تحتوي على محلات المأكولات الخفيفة التي يقبل عليها زبناء كثر خلال أوقات الذروة، وهو ما يجعلهم يكسبون مبالغ مالية لا بأس بها.
ولفت الفاعل الجمعوي إلى أن الخطورة التي يشكلها هؤلاء المشردين تتمثل في تناولهم المخدرات وتعرضهم للمارة، بهدف الاعتداء عليهم أو سرقتهم، إضافة للهجوم على المنازل غير المأهولة، وهو ما يجعلهم يشكلون مجموعات كبيرة، تتسبب في خلق حالة من الخوف والهلع لدى ساكنة مجموعة من المناطق، وخصوصا خلال الفترة المسائية أو الليل.
–“لا تفاعل مع نداءات المجتمع المدني”
أبرز عبد الرحمان مبسوط، رئيس جمعية تكافل للتنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية، في تصريح لـ “شفاف”، أنه تم إشعار السلطات المحلية ومراسلة القطاعات الوزارية المعنية في أكثر من مناسبة، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تشكل تحديًا كبيرًا للمجتمع المحلي وتؤثر سلبًا على جودة حياة المواطنين.
وقال إنه تم التواصل مع عدد من الممثلين للسلطات المحلية بالمدينة، لكن تجاوبهم يبقى ضعيفا، مبرزا أن هناك منهم من يرفض المقاربة التشاركية والتواصل مع فعاليات المجتمع لحل الإشكاليات المطروحة، وعلى رأسها مشكل المشردين التي أرهقت بال البيضاويين.
وأردف رئيس جمعية تكافل للتنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية، أن حي النسيم يبقى من الأمثلة البارزة على انتشار المشردين بمختلف الأجناس والأعمار، مبرز أنه أينما وليّت وجهك يظهرون أمامك، سواءً بالقرب من محطة القطار أو قرب سوق المتلاشيات أو بالمناطق العارية كما هو الحال بالمكان المعروف بـ”مقيليبة”.
وتابع أن الارتفاع الحاصل في عدد من مناطق الدار البيضاء، -ولاسيما مقاطعة الحي الحسني، التي شهدت الأسبوع الماضي بحي النسيم بها قيام إحدى المتشردات التي تعاني من اضطرابات عقلية ولا يعرف عنها أي شيء بالمنطقة، من القفز من الطابق الثاني لأحد المباني، لتفقد حياتها بشكل مأساوي-، دفع فعاليات المجتمع المدني لطرق جميع الأبواب، لإنهاء ظاهرة توافد المشردين للعاصمة الاقتصادية وإيجاد حلول ناجعة وسريعة لهذه الفئة.
وأشار إلى أنه في هذا الإطار، تمت مراسلة كل من وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، ووزارة الداخلية، والتقدم في هذا الجانب بشكاوى جدية تتعلق بحالات التشرد التي تزداد في الدار البيضاء وتشكل تهديدًا كبيرًا للمجتمع وتؤدي في بعض الأحيان إلى حالات انتحار.
واستطرد أن تلك المرسلات، نبهت لضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لهذه الظاهرة، وإعطاء تعليمات لممثلي السلطات المحلية والمصالح الخارجية للوزارات المعنية لاتخاذ الإجراءات الضرورية؛ بما في ذلك توفير مأوى ورعاية للأشخاص المتضررين من التشرد، وفرص عمل وتعليم لهم، والتوعية بأسباب وعواقب التشرد وتعزيز الجهود للوقاية منه.
–تشرد كبار السن
لفت عبد الرحمان مبسوط، إلى وجود مشردين من كبار السن بالدار البيضاء، لافتا إلى أن المسؤولين بدور العجز يفرضون أن يكون الشخص بالغا 60 سنة ويوم واحدًا على الأقل لقبوله بهاته المرافق، والتي لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لعدد منها على الأكثر 20 سريرا، موضحا أن ذلك يحرم العديد من المسنين من الاستفادة من الخدمات الاجتماعية والإنسانية بهذه المؤسسات، ويجعلهم عرضة للتشرد.
وأوضح أنه منذ قرابة سنتين جرى الحديث مع عواطف حيار، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، عقب زيارتها لدار المسنين بحي النسيم، على إشكالية المشردين بمقاطعة الحي الحسني والدار البيضاء عموما، وضرورة تشييد مراكز كبرى بالمنطقة التي تحتوي على زهاء 120 هكتارا من الأراضي الخالية، لإيواء كبار السن أو غيرهم ممن لا يتوفرن على مأوى للعيش، حفاظا على كرامتهم وضمانا لاستقرارهم وتوفير حاجياتهم اليومية البسيطة.
وذكر أنه عدم تفاعل وزيرة التضامن معهم، دفعهم اليوم كمجتمع مدني إلى مراسلتها مجددا، متمنيا أن يتم التعامل مع هذه الظاهرة بالعاصمة الاقتصادية، من خلال اتخاذ إجراءات فورية تشمل توفير مركز فيه جميع الخدمات الاجتماعية للمشردين بهدف توجيههم نحو حياة أفضل.
وطالب رئيس جمعية تكافل للتنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية، بضرورة تقديم دعم نفسي واجتماعي للمشردين لمساعدتهم في التخلص من مشكلاتهم، وتعزيز التوعية والتثقيف حول أسباب وعوامل ظهور هذه الظاهرة والوقاية منها، والمساهمة في تحسين جودة الحياة للمجتمع المحلي.
–المونديال والمشردين
يشير عبد الرحمان مبسوط، إلى أنه لا يعقل أن مدينة الدار البيضاء، والتي ستحتضن كأس الأمم الإفريقية 2025 ونهائي مونديال كأس العالم 2030، أن تستمر في قبول انتشار المشردين بأحيائها، وهو ما من شأنه أن تسيء لجمالية المدينة، وتؤثر سلبا على صورة تنظيم المملكة لهذه البطولات الكبرى.
وطالب المتحدث ذاته، بضرورة تعاون مختلف الجهات الوصية وفعاليات المجتمع المدني، من أجل معالجة هذه الظاهرة، وإنهاء معاناة المشردين، من خلال وضع برامج ومشاريع ذات فعالية، والتي يجب أن تكون ناجعة وقابلة للتنزيل على أرض الواقع وبشكل سريع.
في السياق ذاته، شدد المهدي ليمينة على ضرورة تظافر جهود المنتخبين والمصالح الأمنية والسلطات المحلية وفعاليات المجتمع المدني، من أجل القضاء على هذه الظاهرة التي أرهقت ساكنة البيضاء، لاسيما مع قرب تنظيم تظاهرات رياضية كبرى، من خلال توعية المواطنين بعدم التعاطف مع فئة المشردين التي تستخدم ما تتحصل عليه من مال في شراء المخدرات.
وأضاف أنه يجب أيضا العمل على توفير مراكز لإيواء المشردين ومعالجتهم من الإدمان، داعيا إلى أن تكون هذه المؤسسات خارج الدار البيضاء، والقيام بحملات أمنية تمشيطية متواصلة تستهدف هؤلاء الأشخاص الذين لا يتوفرون على مأوى ويقومون أحيانا بأعمال تخريبية والإساءة للساكنة.

