في خضم الحركة الدبلوماسية الكبيرة التي يشهدها المغرب، المصحوبة بتأييد عديد الدول لمقترح الحكم الذاتي لإنهاء النزاع المفتعل حول ملف الصحراء المغربية، خرج السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري، بتصريحات مستفزة تجاه المملكة، من خلال اعتباره أن وضعية الجبهة الانفصالية شبيهة بالقضية الفلسطينية، مهاجما ما أسماه بـ”صمت وتقاعس المجتمع الدولي” فيما يخص التوجه العالمي السائر اليوم نحو تصنيف “البوليساريو” على قوائم الإرهاب الدولي.
وقال شنقريحة، أمس الإثنين، خلال زيارته إلى الناحية العسكرية الجزائرية السادسة بتمنراست، إن “الجزائر الوفية لمبادئها، ستقف دائما مع القضايا العادلة عبر العالم وعلى رأسها القضيتان الفلسطينية والصحراوية”، معبرا عن رفضه ربط البوليساريو بالإرهاب، مضيفا أن “جعلها مرادفة للإرهاب يأتي في ظل صمت وتقاعس المجتمع الدولي على رفع هذا اللبس المقصود”، وهو ما اعتبره محللون مؤشرا سلبيا يدل على استمرار غياب أي آفاق للتقارب بين البلدين؛ مثلما وقع بين الرباط وعدد من العواصم الأوروبية في السنوات الأخيرة.
♦ أسباب خرجة شنقريحة
يرى الإعلامي والناشط السياسي الجزائري وليد كبير في تصريح لجريدة “شفاف”، أن شنقريحة كقائد للجيش ليس من صلاحياته الإدلاء بمثل هاته التصريحات باعتبار أن ذلك لا يدخل ضمن دائرة اختصاصاته طبقا للقانون الداخلي العسكري المعمول به بالجزائر.
ولفت كبير أنه من غير المفهوم أن يتجه قائد الأركان الجزائري لمنطقة فاصلة بين الحدود الجنوبية للجزائر وكل من مالي والنيجر من أجل إطلاق هاته التصريحات المستفزة، التي تزامنت مع قيام الجيش الجزائري بمناورات عسكرية في هذه المنطقة.
وأوضح أن أسباب خرجة الأمس تعود للألم والخسائر التي يتكبدها دبلوماسيا النظام الجزائري، جراء تعاظم الدعم الدولي للوحدة الترابية للمملكة المغربية، ودعم مقترحها للحكم الذاتي كآلية ناجعة لحل النزاع المفتعل الذي عمّر طويلا حول الصحراء المغربية بشكل نهائي.
وأضاف الإعلامي والناشط السياسي أن شنقريحة والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وحاشيتهما تغيظهم جميعا اليوم المواقف الثابتة لعدد من الدول الغربية الداعمة للمغرب، مثلما هو الشأن مع أمريكا وإسبانيا وألمانيا وكذا التوجه الفرنسي السائر نحو الأمر ذاته.
وأردف المعارض الجزائري أن زيارة رئيس الوزراء الإسباني للمغرب وإعلانه عن تعميق أواصر التعاون والشركة الاقتصادية مع الرباط وتجديد الدعم الرسمي لمقترح الحكم الذاتي شكّل ضربة موجهة لنظام “الكابرانات” الذي كان يمني النفس بتراجع مدريد عن موقفها من قضية الصحراء مقابل طي صفحة الخلافات مع النظام الجزائري لكن العكس هو الذي حصل.
وأبرز أنه يضاف إلى ذلك حلول وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه أمس بالرباط في زيارة تضمنت إعلانا رسميا عن تجديد فرنسا لدعمها لمقترح الحكم الذاتي وإفصاحها عن نيتها لبناء شراكة جديدة مع المغرب، وهي في مجملها معطيات بقدر ما صبت في مصلحة المملكة بقدر ما أغاظت قصر المرادية ودفعت الساسة الجزائريين لتصريف موقفهم الرسمي عبر ردود فعل هستيرية أتت على لسان الحاكم الفعلي للبلاد السعيد شنقريحة الذي كال العداء للمملكة بصورة أقل ما يقال عنها أنها تظهر حجم الألم والضربات القاصمة التي تلقاها “الكابرانات” تِباعا على يد الدبلوماسية المغربية.
تصريحات وزير الخارجية الفرنسي بخصوص الصحراء.. هل تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين باريس والرباط؟
♦ “الرد الفلسطيني مطلوب”
يبرز وليد كبير أن النظام الجزائري يحاول العمل على تشويه صورة الرباط بكافة الأشكال، لافتا إلى أن ربط النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية بالقضية الفلسطينية وتصدير عديد المغالطات في هذا الجانب يبقى إحدى الآليات الدنيئة التي يلجأ لها المسؤولين بقصر المُرادية للإساءة والطعن عبثا في سمعة المملكة.
وشدد على أن ما قاله رئيس أركان الجيش الجزائري يعد خطيرا، مشيرا إلى ضرورة رد السلطة والفصائل الفلسطينية على ما تضمنته تصريحات الأول من مغالطات أراد من خلالها بشكل يائس جعل المغرب في “موقع المحتل”، مبرزا أن هذا الأمر مرفوض ويحتاج لرد فلسطيني واضح وقوي منعا لاستغلال هذه القضية من طرف النظام العسكري الجزائري.
ودعا الفلسطينيين سلطة وشعبا لضرورة إبلاغ الجزائر لعدم إقحامهم في أي ملف أو نزاع بعيد عنهم ولا يتعلق بواقعهم بالمرة، وبتوجيه رسالة للنظام الجزائري بعدم استعمال واستغلال القضية الفلسطينية في الصراع الواقع بين الجزائر العاصمة والرباط
وأشار إلى أن شنقريحة يدرك على عكس ما صرح به؛ بأن القضية الفلسطينية لا تتشابه مع ملف الصحراء المغربية، حيث أن هذه الأخيرة تقع تحت نفوذ أصحابها ولا علاقة لها بما يقع في فلسطين منذ 75 سنة، معتبرا أن في الأمر محاولة للإساءة إلى المغرب الذي دعم بقوة وبشكل دائم ومستمر استقلال فلسطين.
♦ مساعي وغايات النظام العسكري الجزائري
يبرز وليد كبير أن هذه التصريحات المستفزة الصادرة عن رئيس أركان الجيش تؤكد من جانب آخر تنصيب هذا الأخير لنفسه حاكما على الجزائر، من خلال تدخله في كافة الأمور بالبلاد بما فيها الشؤون السياسية، بالرغم من كونه رجل عسكري ولا علاقة له بالدبلوماسية الجزائرية، موضحا أن هذه الأخيرة من مسؤولية الرئيس عبد المجيد تبون ووزير خارجيته أحمد عطاف.
وأردف أن خطاب شنقريحة العدائي يستبق مخططا خبيثا من طرف النظام العسكري الجزائري، يتجلى في الإعداد لإلغاء الانتخابات الرئاسية المرتقب إقامتها في دجنبر المقبل، عبر إعلان حالة الاستثناء بالبلاد بحجة أو نظير إقحام المنطقة في حرب مع المغرب، لافتا إلى أن ما صرح به قائد الجيش أمس يأتي كمقدمة لهذا الأمر.
وأشار إلى أن هذا الأمر لا يتمناه أي طرف سواء بالمغرب أو الجزائر، موضحا أن النظام الجزائري هو وحده من يسعى لذلك ضمانا لعدم إجراء الانتخابات في وقتها، وبالتالي استمرار الاستيلاء الكامل على السلطة من قبل الجنرال شنقريحة من خلال دعم التمديد التلقائي للولاية الرئاسية لعبد المجيد تبون، والتي يجب أن تنتهي نظريًا قبل نهاية دجنبر 2024.
♦ النظام الجزائري والإرهاب
يشير وليد كبير إلى أن قول رئيس أركان الجيش الجزائر إن هناك تقاعس من طرف المجتمع الدولي حول تحرك المغرب لإدراج جبهة “البوليساريو” ضمن قوائم الإرهاب الدولية، يأتي مباشرة بعدما حذرت سفارة أمريكا بالجزائر ووزارة الخارجية الإسبانية والحكومة البريطانية وخارجية أستراليا بأن منطقة تندوف تشكل خطرا على الأجانب ومواطني هاته البلدان، حيث أبرزت هاته الجهات انتشار الإرهاب بهذه الرقعة الجغرافية.
ولفت إلى أن هذه التحذيرات والإشارات من طرف هاته الدول تؤشر بشكل لا يدع أي مجال للشك بأن جبهة “البوليساريو” التي تسيطر على منطقة تندوف هي حركة إرهابية، مشيرا إلى أن شنقريحة حاول بشكل غير مباشر الرد على ما قالته في هذا الجانب سفيرة أمريكا بالجزائر إليزابيث مور أوبين، مبرزا أن الجنرال الجزائري المذكور لم يقدر على توجيه إصبعه نحو المسؤولة الأمريكية ومساءلتها عن سبب ربطها للجزائر والبوليساريو بالإرهاب في المنطقة.
زيارة سانشيز للمغرب.. ماهي دلالات الزيارة وهل تحمل في طياتها رسائل سياسية لأعداء الوحدة الترابية؟
وتابع أن وزير الخارجية ناصر بوريطة أكد خلال القمة السابعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي، المنعقدة منتصف شهر فبراير الجاري بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أنه لا يمكن الفصل بين الإرهاب والانفصال، مستندا في ذلك لدلائل ووقائع شاهدٌ عليها الكل مثلما وقع مع هجوم “البوليساريو” على مساكن مواطنين بمدينة سمارة، مبرزا أنه على عكس ذلك حاول شنقريحة الربط والخلط بين المقاومة الفلسطينية المشروعة والجبهة الانفصالية الإرهابية.
وأوضح أنه من غير المعقولة أن يتاجر النظام العسكري الجزائري بالقضية الفلسطينية من أجل تشويه صورة المغرب، لافتا إلى أن دافعه نحو ذلك هو ارتباط وجوده وديمومته بالعداء مع الرباط، مبرزا أنه لا يمكن أن يدخل في مصالحة مع المملكة، مشيرا إلى أنه يتخذ من ملف الصحراء المغربية المسجل بالأمم المتحدة موضعا للاختباء من أجل التنصل من الالتزامات التي وقعت عليها الدولة الجزائرية بدءًا بالحكومة المؤقتة في 1961.
♦ الأسباب الكامنة وراء الصراع بين الجزائر والمغرب
يشدد وليد كبير على أن أصحاب القرار بقصر المُرادية يدركون كما الجميع أن المسألة التي كانت سببا في الصراع مع الرباط؛ هي تلك المتعلقة بالأراضي التي اقتطعتها فرنسا من المغرب وضمتها للجزائر إبان فترة استعمارها للأخيرة، لافتا إلى أن النظام الجزائري يظن أن استمرار هذا العداء سيضمن له السيطرة على تلك المناطق التي أصلها مغربي.
وأوضح أن النظام الجزائري يرى أنه باستمرار دعمه للبوليساريو لن يستطيع المغرب فتح ملف استرجاع أراضيه المقتطعة من طرف المستعمر الفرنسي حينها، مشيرا إلى أن الأول يحرص على أن يبقى الحال على ما هو عليه حتى لا يتم الرجوع إلى النقطة الرئيسية لبداية الصراع بين البلدين.
واعتبر أن المسؤول الأول عما يقع في هذا الجانب هي فرنسا بتركها لهذا اللغم منذ ستينات القرن الماضي، وهو ما لم يستطع أحد تفكيكه لحدود الساعة باعتبار أن النظام الجزائري الحاكم ليس له أي نية جادة وصادقة في إعادة أو إرجاع الأرض لأصحابها، ووضع العلاقات بين المغرب والجزائر في طريقها الصحيح.

