أعاد تصريح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، القائل بأن كلفة بناء الملاعب المرتبطة بمشاريع “مونديال 2030″ لا تدخل ضمن الميزانية العامة للدولة؛ النقاش إلى الواجهة حول طبيعة التمويل العمومي بالمغرب وحدود ابتكاره في تدبير المشاريع الكبرى، فحسب المسؤول الحكومي، لا يتعلق الأمر بإنفاق مباشر من أموال الخزينة أو الضرائب، بل بتعبئة موارد مالية بديلة من خلال الشراكات مع القطاع الخاص، وصناديق الاستثمار العمومية، وآليات الكراء الممول، في إطار مقاربة تروم الحفاظ على توازنات المالية العمومية وتفادي زيادة العجز.
وهذه المقاربة التي وُصفت بـ”المبتكرة” تفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول طبيعة هذا التحول في فلسفة الاستثمار العمومي، ومدى قدرته على ضمان الشفافية والاستدامة المالية على المدى الطويل، وإن كان يمكن اعتبار التمويل “خارج الميزانية” وسيلة ناجعة لتخفيف الضغط على الدولة دون أن يراكم التزامات غير مباشرة أو ديونًا مؤجلة، وبخصوص الكيفية التي يمكن من خلالها التمييز بين الابتكار المالي والالتفاف على المؤشرات الحقيقية للعجز، وعن الحد الذي يمكن لهذا النموذج أن يحقق توازنًا بين تمويل مشاريع المونديال الطموحة وصون مصداقية المالية العمومية في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.
❖ تحول في فلسفة التمويل
يرى أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن “التمويل خارج الميزانية” لا يمثل هدفًا في حد ذاته، بل هو تقنية هيكلية لإدارة العجز وتحسين بروفايله المالي، شريطة أن يتم تحويل المخاطر من كونها “مخفية” إلى “مخاطر مقاسة ومُفصح عنها” في إطار حوكمة استثمارية صارمة.
وأبرز سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، أنه بهذه المقاربة، يمكن لتمويل ملاعب ومشاريع “مونديال 2030” أن يحافظ على مصداقية المالية العمومية ويؤسس لإرث اقتصادي فعلي يتجاوز البعد الرياضي الظرفي.
وأكد أن تمويل مشاريع المونديال يتم من خلال مزيج متوازن من الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، والصناديق السيادية والعمومية، إضافة إلى ترتيبات تمويل مهيكلة خارج الميزانية العامة مباشرة.
مشروع قانون مالية 2026.. بين الطموح الاجتماعي وضيق الزمن الحكومي وحدود الفعل الاقتصادي
وأردف المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، أنه تشمل هذه المنظومة اتفاقات مع صندوق الإيداع والتدبير (CDG) ورافعات مثل صندوق محمد السادس للاستثمار، مما يسمح بتعبئة موارد مالية ضخمة دون أن تمس مباشرة الخزينة العامة.
ولفت إلى أن هذا النموذج يعكس تحولاً جوهريًا في فلسفة التمويل العمومي بالمغرب، إذ لم يعد الهدف هو الإنفاق المباشر، بل تعبئة الأصول الوطنية واستثمارها لإنتاج قيمة مضافة، وهو نهج يتيح للدولة تنفيذ مشاريع كبرى دون رفع مؤشرات الدين أو المساس بالاستقرار المالي؛ شريطة الشفافية والإفصاح المالي المنتظم عن الالتزامات المترتبة.
❖ إطار قانوني واضح
يشير سامي إلى أن المغرب يتوفر اليوم على إطار قانوني محدث للشراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال القانون رقم 86.12 المعدل بـ46.18 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ والذي يتيح التعاقد طويل الأجل وتقاسم المخاطر، مع إمكانية اللجوء إلى أدوات مثل الكراء الممول (Leasing) وإنشاء شركات غرض خاص لتنفيذ المشاريع.
وأشار إلى أنه في هذا السياق، تم توقيع شراكات ممولة مع صندوق الإيداع والتدبير لتأهيل ستة ملاعب وبناء ملعب جديد ببنسليمان بميزانية معلنة على مرحلتين، وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تعبئة تمويل شبه سيادي بدل الإنفاق المباشر من الميزانية العامة.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
واستطرد المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، أنه تم أيضًا ربط هذه المشاريع ببرامج مواكبة تشمل النقل واللوجستيك والمطارات، وذلك في إطار تصور شمولي لـ“مغرب 2030”.
وشدد على أن هذه الآليات يجب أن تظل منضبطة لمقتضيات القانون التنظيمي للمالية (LOF 130-13)، الذي يفرض إدراج الالتزامات الاحتمالية في التقارير المالية العمومية، لا الاكتفاء بإخراجها من خط العجز السنوي.
وأبرز المتحدث ذاته، أن “التمويل خارج الميزانية” ليس غاية في ذاته، بل أداة مشروعة إذا تم احترام مبدأ القيمة مقابل المال وإدارة المخاطر بطريقة مقاسة ومعلنة.
❖ القيمة الاقتصادية والماكرو-مالية
من منظور ماكرو-اقتصادي، يعتبر أمين سامي أن هذه المقاربة تحقق توازنًا متعدد الأبعاد، فعلى المدى القصير، تسهم في الحفاظ على توازن المالية العامة وتمنح الحكومة هامش مناورة مالي لمواصلة الإصلاحات الاجتماعية دون اللجوء إلى الدين المباشر.
وأضاف المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، أنه على المدى المتوسط، فإنها تحفز النمو القطاعي في مجالات البناء والنقل والسياحة، والطاقة وتخلق دينامية استثمارية حقيقية.
وأردف أنه على المدى الطويل، يبرز التحدي الأكبر في إدارة الالتزامات المستقبلية غير المعلنة، والتي ينبغي قياسها والإفصاح عنها ضمن الحسابات العمومية بانتظام، لافتًا إلى أن الإشكال ليس في التمويل في حد ذاته، بل في كيفية تتبع أثره المالي والزمني على العجز الحقيقي.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
وفي هذا الإطار، دعا الخبير إلى اعتماد محاسبة وطنية متكاملة تُدرج الالتزامات الاحتمالية في الميزانية، لضمان الشفافية ومصداقية الأرقام المالية.
وأشار إلى أن مشاريع المونديال، إذا نُفذت في إطار حكامة فعالة، يمكن أن تخلق حلقة اقتصادية متكاملة تجمع بين الرياضة والسياحة والتشغيل والابتكار، مما يجعل الأثر الاقتصادي مستدامًا وموزعًا على المدى البعيد.
❖ القطاعات المستفيدة
يُفصل أمين سامي في تحليل القطاعات الأكثر استفادة من هذه الدينامية التمويلية، حيث يضع البناء والأشغال العمومية في الصدارة، بالنظر إلى ارتفاع الطلب على المواد واليد العاملة، وهو ما يستوجب رقابة صارمة على الأسعار وجودة الإنجاز.
وأردف أن قطاع النقل والبنية التحتية، سيتعزز بفضل تطوير الطرق والقطارات والمطارات، مما يجعل هذه المشاريع إرثًا وطنيًا طويل الأمد يتجاوز الحدث الرياضي.
وتابع أنه في حين يُنتظر من قطاع السياحة والضيافة أن يشهد طفرة نوعية بفضل رفع الطاقة الإيوائية والترويج الدولي، بشرط مواصلة التسويق بعد المونديال لضمان استدامة المكاسب.
وأبرز أن هذا النموذج سيوفر فرصًا جديدة في التمويل البنكي والاستثمار، لكنه يقتضي ضبط المخاطر الائتمانية والحرص على التوازن بين الربحية والاستقرار المالي.
المغرب يعزز الاستثمارات في شبكة السكك الحديدية.. فما هي المكاسب التي سيجنيها الاقتصاد المغربي؟
ولفت إلى أنه من حيث الرقمنة والإعلام، فإن مشاريع المونديال تفتح الباب أمام التحول نحو الخدمات الذكية والمحتوى الرياضي الرقمي، وهو مكسب استراتيجي إن تم استثماره جهويًا.
وعلى مستوى الجهات الترابية، يشير إلى أن استضافة المشاريع ستنعش الاقتصاد المحلي وتخلق فرص عمل، ما يستدعي سياسات لضمان العدالة المجالية وتوزيع المشاريع بشكل منصف.
❖ المخاطر والتحديات
يحذر سامي من عدد من المخاطر التي يجب التعامل معها بجدية؛ أولها الديون غير المباشرة، التي قد تنشأ عن الالتزامات طويلة الأجل في عقود الشراكة أو التمويل المهيكل.
وأضاف أن ثانيها يتجلى في ضعف المراقبة المالية، مما يتطلب تعزيز دور مؤسسات الرقابة مثل المجلس الأعلى للحسابات والخزينة العامة، بل وابتكار آليات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمراقبة الأداء المالي.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وأردف أن الخطر الثالث يتمثل في الاستدامة التشغيلية للملاعب والمنشآت الرياضية بعد انتهاء الحدث، إذ يجب تحويلها إلى أصول منتجة تدر دخلاً وتخدم المجتمع المحلي، لا أن تتحول إلى عبء مالي جديد على الجماعات الترابية أو الدولة.
وأشار المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، إلى أن النجاح رهين بإرساء حوكمة مالية ومؤسساتية رشيدة، تضمن الشفافية والتقييم المستمر للأثر الاقتصادي والاجتماعي.
❖ استشراف مالي جديد
يرى أمين سامي أن المغرب إذا واصل هذا النهج بحكامة فعالة، فسيكون أمام مرحلة انتقالية نوعية في أفق 2030-2040، حيث سيتحول من تمويل المشاريع إلى تمويل المنظومات المرتبطة بشبكات نقل ذكية، ومدن رياضية، وبنى تحتية متكاملة تربط الرياضة بالسياحة والاستثمار.
ولفت المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، إلى أن التمويل المبتكر سيصبح جزءًا من السياسة المالية الدائمة، مع تنويع الأدوات مثل السندات الخضراء، والصناديق الجهوية للاستثمار، وتمويل المناخ.
وشدد على أن النموذج المغربي في تمويل المونديال ذكي وواقعي، لكنه مشروط بتوافر أربعة عناصر أساسية تتمثل في التتبع والمراقبة الدائمة للتمويلات والمشاريع، وإدماج الالتزامات المالية في التقارير الرسمية لضمان الشفافية، وتوزيع المشاريع بعدالة بين الجهات، وربط الاستثمار الرياضي بعوائد اقتصادية مستدامة.
وأكد سامي على أن تحقق هذه الشروط سيجعل من مونديال 2030 رافعة تنموية متكاملة، لا مجرد حدث كروي، ويكرس المغرب كدولة رائدة في التمويل المبتكر المتوازن بين الطموح الاقتصادي والانضباط المالي.

