في ظل ارتفاع معدلات التضخم (بلغ معدل التضخم السنوي 2.6 % خلال شهر فبراير الماضي) والضغوط المالية المتزايدة، يتجه المغرب نحو الاستدانة الخارجية بوتيرة غير مسبوقة، حيث تجاوزت الحكومة الحالية سقف القروض المسجلة منذ عام 1987، بقروض فاقت 7.3 مليار دولار من البنك الدولي خلال أربع سنوات فقط.
ويأتي هذا في وقت تعهدت فيه الحكومة بتعبئة موارد مالية داخلية لتمويل مشاريع الحماية الاجتماعية، عبر فرض ضرائب جديدة وإصلاح صندوق المقاصة، إلا أن الأرقام تكشف عن اعتماد أكبر على التمويل الخارجي، مما يثير تساؤلات حول استدامة هذه السياسة وتأثيرها على مستقبل الاقتصاد الوطني.
وفي السياق ذاته، بلغت تمويلات البنك الدولي لورش الحماية الاجتماعية بين عامي 2023 و2024 نحو 870 مليون دولار، متجاوزة ما أعلنته الحكومة مسبقًا، ما يعكس فجوة بين الخطط المعلنة والواقع المالي الفعلي.
ومع استمرار لجوء الحكومة إلى إصدار السندات الدولية، يزداد القلق بشأن ارتفاع أعباء الدين العام وتأثيرها على الإنفاق العام، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، لتطرح تساؤلات عن مدى إمكانية تحقيق هذه السياسة توازنا بين تمويل المشاريع الكبرى والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي للبلاد.
حكومة أخنوش بين تحديات الواقع وتصعيد المعارضة والنقابات.. قراءة في حيثيات الأزمة السياسية
♦ الاستدانة الخارجية
يبرز علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز الاستشراف الاجتماعي والاقتصادي، أن اللجوء المتكرر إلى السندات الدولية تعود إلى الحاجة الملحة لتمويل مشاريع ضخمة مثل استعدادات كأس العالم 2030، إلى جانب تمويل البرامج الاجتماعية والبنية التحتية.
وأوضح الغنبوري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن السندات توفر سيولة فورية بتكلفة معقولة مقارنة ببدائل أخرى، كما تعكس ثقة الأسواق العالمية في الاقتصاد المغربي.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
وقال إنه بالمقابل، التمويلات المبتكرة مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص تحتاج وقتًا للتطوير، ولا يمكنها تلبية الاحتياجات العاجلة بنفس السرعة، لافتا إلى أنه إلى أنه رغم ذلك، لا يمكن للحكومة التنصل من مسؤولية وضع تصورات واضحة لتمويل هذه الأوراش دون إثقال كاهل البلاد بالديون.
♦ التأثيرات
يرى علي الغنبوري أنه إذا تمت إدارة الديون بحكمة، فقد تكون وسيلة لدفع عجلة النمو، لكن مخاطرها على المدى الطويل كبيرة، مشيرا إلى أن ارتفاع الدين العام يعني زيادة أعباء الفوائد السنوية، مما يقلص الموارد المخصصة لقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.
وقال إن الاعتماد المفرط على القروض الخارجية يعرض الاقتصاد لمخاطر تقلبات أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الاقتراض في حال تدهورت الظروف المالية العالمية.
وأكد رئيس مركز الاستشراف الاجتماعي والاقتصادي على أنه إذا تم توظيف هذه القروض في مشاريع استثمارية ذات عائد مرتفع، فقد يتم التقليل من المخاطر المذكورة سلفا.
ونبه إلى أن تحقيق التوازن بين تمويل المشاريع الكبرى وتخفيف عبء الدين العام، يتطلب استراتيجية شاملة تشمل إصلاحات ضريبية لزيادة الإيرادات دون الإضرار بالطبقات المتوسطة والفقيرة، إلى جانب تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتخفيف الضغط على الميزانية العامة.
وشدد على أنه يجب وضع سقف واضح للدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مع خطة تدريجية لخفضه عبر زيادة الصادرات والاستثمار في القطاعات الواعدة مثل السياحة والطاقة المتجددة.
♦ التضخم وخطط الحكومة
يشير على الخبير والمحلل الاقتصادي إلى أن التضخم كما هو معروف يفرض تحديات مضاعفة، فمن جهة يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، مما يزيد الحاجة إلى الدعم الاجتماعي.
واستطرد أنه من جانب ثاني، فإن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا يجعل الاقتراض أكثر تكلفة، ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين تمويل المشاريع الكبرى والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وأردف الغنبوري أنه بالرغم مما سبق، فإن التحسن في القطاع الفلاحي بفضل الظروف المناخية الجيدة؛ نتيجة التساقطات المطرية الأخيرة؛ قد يساعد في تخفيف الضغوط التضخمية على المدى القريب.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
واعتبر أن ثقة المستثمرين الدوليين تعد رصيدًا مهمًا يمكن استثماره في مشاريع تحقق نموًا مستدامًا، مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الرقمية، مما يعزز من فرص التشغيل ويدعم الاقتصاد الوطني.
وأبرز رئيس مركز الاستشراف الاجتماعي والاقتصادي، أن تحسين مناخ الاستثمار عبر إصلاحات إدارية وتسهيل الإجراءات يمكن أن يعزز تدفق الاستثمارات الأجنبية.
وشدد على أن الأهم يرتبط بترجمة هذه الاستثمارات إلى تنمية شاملة تعود فوائدها على مختلف شرائح المجتمع، وليس فقط على فئة محدودة، لضمان استقرار اقتصادي واجتماعي طويل الأمد.

