في إطار عمل المغرب على تعزيز وتطوير ترسانته العسكرية، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن موافقتها على بيع الرباط لـ40 صاروخًا موجهًا من طراز “AGM-154C JSOW”، لزيادة تجهيزات طائرات “F-16” التابعة للقوات المسلحة الملكية المغربية، وذلك من خلال صفقة بلغت قيمتها الإجمالية 250 مليون دولار، والتي تشمل أيضا التدريب على تخزين الذخيرة والسلامة، وتطوير برامج تشغيل الأسلحة البرمجية وخدمات الدعم الهندسي واللوجستي الخاص بهذا السلاح، لتصبح المملكة مرشحة بذلك لكي تكون أول دولة إفريقية تحصل على هذا النوع من الأسلحة الموجهة بدقة وذات الكفاءة العالية.
♦ تفاصيل الصفقة
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن موافقتها على الطلبية التي تقدم بها المغرب في 11 أبريل 2023 لشراء 40 صواريخ “AGM-154C JSOW” الدقيقة للغاية والقابلة للتكيف والفعالة للغاية والموجهة عن بعد، بقيمة مالية وصلت لـ 250 مليون دولار.
وذكرت البنتاغون في بيان لها، أن هذه الصفقة تشمل أيضًا صواريخ تدريب جوية وهمية؛ ومركبات طيران لمحاكاة تجارب إطلاق هذه الصواريخ (CFVs)؛ ومركبات طيران حرة (FFVs)؛ وحاويات خاصة بها؛ وما يتعلق بالتخطيط ودعم التكامل والاختبار؛ وأمن تخزين الذخائر والتدريب؛ وتطوير برمجيات برنامج الطيران التشغيلي للأسلحة؛ والنقل والأدوات ومعدات الاختبار والدعم؛ وقطع الغيار والإصلاح؛ والمنشورات والوثائق الفنية؛ وتدريب الأفراد ومعدات التدريب؛ وخدمات الدعم الهندسي واللوجستي من الحكومة الأمريكية وممثلين عن المقاولة الرئيسية في هذه الصفقة ألا وهي الشركة المصنعة “Raytheon Missiles & Defense”؛ وعناصر أخرى ذات صلة بالدعم اللوجستي والبرنامجي.
وأشارت إلى أن هذه الصفقة المقترحة من شأنها أن تعمل على تحسين قدرة المغرب على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية، مبرزة أن الرباط تعتزم استخدام الصواريخ على طائراتها المقاتلة متعددة الأدوار من طراز “إف-16″، كما ستوفر قدرات محسنة في الدفاع الفعال لها عن الممرات البحرية الحيوية.
خبير عسكري يبرز رهانات الجيش المغربي من صفقات التسلح الجديدة التي أبرمتها المملكة
وتابعت أنه من شأن الصفقة المقترحة لهذه الصواريخ والدعم المقدم لها أن تزيد من إمكانات الشراكة البحرية للقوات الجوية الملكية المغربية وتنسق قدراتها مع القواعد الإقليمية القائمة، مبرزة أنه لن تجد المغرب صعوبة في استيعاب هذه الأسلحة في قواتها المسلحة.
وأوضحت أن البيع المقترح لهذه المعدات والدعم لن يغير التوازن العسكري الأساسي في المنطقة، مشيرة إلى أنه لن يكون هناك أي تأثير سلبي على جاهزية قوات الدفاع الأمريكية نتيجة لهذه الصفقة، لافتة إلى أنه سيتطلب تنفيذ هذا البيع المقترح رحلات سنوية إلى المغرب يشارك فيها ممثلون عن الحكومة الأمريكية والمقاولين لإجراء المراجعات الفنية والدعم والإشراف لمدة سبع (7) سنوات تقريبًا.
ولفتت إلى أنه تم التوصل إلى قرار مفاده أن المغرب قادر على توفير نفس الدرجة من الحماية للتقنية الحساسة التي سيتم الإفراج عنها والتي توفرها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، مشددة على أن هذا البيع ضروري لتعزيز أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي لواشنطن الموضحة في توجهاتها السياسية.
♦ دوافع المغرب للصفقة
يرى الشرقاوي الروداني، الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، والخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن مزايا هذا السلاح تدفع بجميع جيوش العالم إلى الرغبة في الحصول عليه، مبرزا أنه مزود بذخيرة فرعية من نوع ” BLU-97″ ويستخدم لاستهداف الأهداف اللينة، سواء كانت ثابتة أو متحركة، مثل الطائرات المتوقفة أو الشاحنات وناقلات الجنود المدرعة، بالإضافة إلى مواقع الصواريخ أرض-جو.
وأوضح الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، أن نوعية هذه الصواريخ تعطي قوة عسكرية أكبر للطائرات خاصة “F16″، لتمتلك خصوصيات فنية متعددة تسمح لها بتحييد الأخطار المحدقة بالمغرب، مشيرا إلى أنه تم نشر هذا السلاح بواسطة طائرات “F/A-18” التابعة للبحرية الأمريكية خلال العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق، حيث تم استخدام أكثر من 400 صاروخ خلال تلك المرحلة.
وأضاف الروداني أنه في السياق نفسه، تم تطوير نسخة معدلة من الصاروخ ، تحمل اسم “AGM-154A-1″، لتلبية احتياجات المبيعات العسكرية الأجنبية، حيث تستبدل الذخائر الفرعية “BLU-97” برأس حربي من نوع “BLU-111” بوزن يصل إلى 250 كلغ.
وأردف أن سلاح “AGM-154B” تم تطويره ليحمل ست وحدات من نوع “BLU-108B/B”؛ كل منها قادرة على نشر أربع ذخائر فرعية مضادة للدروع، مما يجعله فعالاً ضد الأهداف المتحركة مثل الدبابات والمركبات المدرعة، لافتا إلى أنه رغم ذلك ولأسباب استراتيجية مرتبطة بالرؤية العامة للقوات العسكرية الأميركية تم تأجيل إنتاجه.
وأشار إلى أن النسخة “AGM-154C” التي ستتعاقد عليها المغرب تتميز برأس حربي متفجر وشديد التشظي بوزن 250 كلغ، إذ أنه مصمم للتعامل مع الأهداف الثابتة مثل المنشآت الصناعية واللوجستية؛ وهو ما يجعل لدى من يملكه قوة ردع كبيرة ذات بعد استراتيجي، لافتا إلى أن هذا الطراز يحتوي على باحث بالأشعة تحت الحمراء يعمل بالتصوير الطويل للموجات مع خوارزميات لتحديد الأهداف بشكل مستقل.
واستطرد الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، أنه في دجنبر 2004، وبعد اتفاق بين شركة “رايثون” (Raytheon) والحكومة الأمريكية تم الموافقة على الإنتاج الكامل لـ “AGM-154C”، والذي دخل الخدمة الفعلية في فبراير 2005.
المغرب يسرع وتيرة التصنيع العسكري.. قراءة في الأبعاد والدلالات
وأبرز أنه في هذا الاتجاه، تعد أحدث نسخة من هذا السلاح المرتقب أن تهمها الصفقة المغربية هي “JSOW AGM-154C-1″، التي تعتبر الأولى من نوعها كصاروخ جو-أرض مدعم بالشبكة للقوات البحرية، حيث يمكنه ضرب الأهداف على مسافات تبلغ حوالي 22 كيلومترًا إذا تم إطلاقه على ارتفاعات منخفضة، وما يصل إلى أكثر من 120 كيلومترًا إذا تم إطلاقه على ارتفاعات عالية، مما يسمح للطائرة المقاتلة المُطلقة له بالبقاء على مسافة جيدة من أنظمة الدفاع الجوي للخصم.
وذكر أن هذا النظام يتميز بقدرته على استهداف الأهداف البرية الثابتة والأهداف البحرية المتحركة، وذلك بفضل نظام توجيه “GPS/INS”، وباحث بالأشعة تحت الحمراء، بالإضافة إلى دمج رابط بيانات السلاح “Link-16” الذي يعزز قدراته في التعامل مع الأهداف المتحركة في البحر والبر، مشيرا إلى أن إنتاج هذه النسخة ه بدأ في 2011، حيث حققت القدرة التشغيلية الكاملة في يونيو 2016.
♦ منح واشنطن الأسبقية للرباط
اعتبر الشرقاوي الروداني أن المغرب وبحكم العلاقات المتينة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي أصبحت في قلب توجهات خلق نقط ارتكاز استراتيجي في القارة الإفريقية استطاع تحقيق تميز في هذا الجانب؛ جعله ينظم الى خانة الدول القليلة التي تمتلك قدرات عسكرية ذات طبيعة دفاعية وردعية.
وأضاف الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، أن المملكة المغربية وبحكم موقعها الاستراتيجي ومتطلبات أمنها القومي أصبحت تخطو خطوات مهمة من أجل تطوير استراتيجياتها العسكرية الدفاعية، والتي ما فتئت تتجه من خلالها إلى توطين صناعة عسكرية محلية قادرة على خلق الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي.
وشدد الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، على أن بفضل السياسة الحكيمة للملك محمد السادس استطاع المغرب أن يتموضع في قلب استراتيجية محكمة تتطور في الزمان والمكان من خلال افتتاح منطقتين صناعيتين تهم الصناعة العسكرية، والعمل في الوقت نفسه على تنويع شراكاته وعلاقاته في المجال العسكري.
ولفت إلى أن العلاقات المتينة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية هي علاقات تاريخية وذات بعد استراتيجي مرتبط بالأمن القومي للرباط؛ الذي أصبح مرتبط بشكل كبير بالتحولات الجيوستراتيجية في منطقتي المتوسط والأطلسي، وهو ما يدفع ويشجع أكثر على التعاون.
♦ التحولات الكبرى والحاجة للردع
يشير الشرقاوي الروداني إلى أن القارة الإفريقية تشهد تحولات كبيرة، حيث تعرف تواجد فراغات أمنية وانتشار التنظيمات الارهابية وقوى غير دولتية محدثة للفوضى، وهو ما أصبح يفرض التأقلم مع الواقع الأمني الجديد، موضحا أن إمكانية حصول هذه التنظيمات على أسلحة الدمار الشامل اصبح يطرح نفسه على الأمن القومي المغربي الذي صار مطالبا بقراءة جميع السيناريوهات المحتملة.
وأردف أنه إذا كانت التنظيمات المتطرفة تسيطر على أراضي واسعة في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء فهذا يعني أن هناك احتمالات وتهديدات كبيرة يجب أخذها بمحمل الجد، مضيفا أنه من تم فإن المنتظم الدولي يعوّل على المغرب في الحفاظ على الاستقرار والأمن في مجالات جيوسياسية مهمة بالنسبة للاستقرار الدولي.
وتابع أن هناك تحديات كبيرة تعرفها الواجهة الجنوبية للدول حلف الشمال الأطلسي والتي أكدتها الأوراق الاستراتيجية التي كانت موضع نقاش مستفيض في قمة واشنطن الأخيرة لدول الحلف (الناتو)، لافتا إلى أنه يبرز في هذا الجانب تفاوتٌ واضحٌ في الأهميّة الاستراتيجيّة للجناح الجنوبي ضمن خطط الحلف، واختلافٌ في دور “الناتو” مقابل دور الاتحاد الأوروبي في النشاط الإقليمي.
وأبرز أنه من التطوّرات اللافتة في هذا الإطار إطلاق الاتحاد الأوروبي وليس “الناتو”، عمليّةً عسكرية مؤخرًا في البحر الأحمر لحماية حركة التجارة العالميّة، معتبرًا أن هذا الأمر يظهر أن البعد الجيوسياسي للتبادلات التجارية عبر المتوسط والأطلسي أصبح يلقي بظلاله على الأمن الدولي.
وأوضح أن المغرب باعتباره دولة محورية في المعادلات المتوسطية والأطلسية يدفع ذلك إلى خلق تعاون وثيق مع إسبانيا في الحفاظ على أمن دول غرب أوروبا، مبرزًا أن هذا الأمر كان سببا رئيسيا في عدم اعتراض مدريد؛ التي تعد أحد أهم أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تقوده أمريكا على هذه الصفقة.
واعتبر أن التحولات العسكرية والتكتيكات المعتمدة من إيران في منطقة الشرق الأوسط يظهر أن هناك حاجة ماسة لاستخلاص الدروس من محاولة أطراف معادية استعمال الطائرات بدون طيار في ضرب المصالح المغربية والغربية ومضيق جبل طارق من الممرات البحرية الاستراتيجية التي تتطلب قراءات خاصة واستشرافية من أجل التأمين والحماية.

