ازداد اهتمام الدولة عبر القطاع الحكومي الوصي على المجال الفلاحي بتشجيع تكثيف الإنتاج الحيواني للأصناف ذات الأصل المغربي، وذلك في خضم خطر التراجع المتربص بالقطيع الوطني في هذا الجانب، ولاسيما الأبقار التي اضطرت المملكة لاستيراد أعداد كبيرة من رؤوسها نتيجة توالي سنوات الجفاف، وهو ما تم تسطيره في إطار التدابير الرامية إلى حماية الموارد الجينية التي يتميز بها القطيع الوطني والحفاظ عليها.
وفي إطار التوجه السائرة نحوه وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات؛ للحفاظ على الموارد الجينية لمختلف الأصناف الحيوانية، يطفو على السطح سؤال جوهري يتعلق بمدى توفر المملكة على قطيع محلي من الأبقار، وبصيغة أخرى أكثر وضوحا يمكننا أن نتساءل عن مدى توفرنا في الأصل على سلالات مغربية أصيلة وغير مهجنة منها (الأبقار)، وإن كان الجواب بالإيجاب؛ فكيف تواكب وزارة الفلاحة هذا الأمر، وهل تتوفر على خطة عمل من أجل التحسين الوراثي لهذه الأصناف الحيوانية وحمايتها من الانقراض؟
“اللحوم البرازيلية” المواطن تائه بين المخاوف بشأن سلامتها الصحية وبين تطمينات جمعيات حماية المستهلك
ويُجمع الأخصائيون والخبراء والمهنيون على أن المملكة تتوفر على سلالة محلية تسمى “والماس زعير” أو “أولماس زعير”، التي يشار لكونها واحدة من بين السلالات ذات الأصل المغربي (سلالة الأطلس، وسلالة مكناس، وسلالة تيديلي، وسلالة سوداء فاس)، التي لا تزال تتواجد بعدد من مناطق المملكة، وتحديدا بكل من جماعات والماس وآيت ايشو وبوقشمير، الواقعة جميعها تحت النفوذ الترابي لإقليم الخميسات، والتي لا يعرف عنها عدد من المغاربة الكثير من المعلومات والمعطيات.
• “والماس زعير”.. البقرة المغربية التي تحدّث التضاريس والمناخ والانقراض
تعد سلالة أبقار “والماس زعير” التي تم التعرف عليها سنة 1912 بمرتفعات والماس وزعير بإقليم الخميسات؛ واحدة من أهم سلالات الأبقار المغربية المحلية المعروفة بقوتها على التأقلم وجودة منتجاتها، وهي آخر الأنواع ذات الأصل المغربية، التي تواصل التواجد في جبال الأطلس المتوسط، متحدية الظروف القاسية والأمراض والأزمات المتعاقبة من جفاف وغيره على المناطق التي ترعى بها.
ووفق المعطيات والأرقام الرسمية التي توصلت بها جريدة “شفاف” من وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، فإن هذه السلالة تم الاعتراف بها كسلالة محلية عام 1982، والتي يبلغ عدد رؤوسها اليوم ما يقارب 6000، علما أن دراسات وإحصاءات سابقة تشير إلى أن أعداد أبقار سلالة “أولماس زعير” قبل نهاية القرن العشرين كان تصل إلى 80 ألفا، ما يظهر وجود تراجع ملحوظ في أرقام قطيع هذا النوع من البقر.
وتظهر معطيات وزارة الفلاحة إلى أن خصائص ومميزات هذه السلالة المحلية الأصيلة، -التي كان مهدها بالهضاب العليا لزعير وأولماس-، تتمثل في أن العِجلات تكتسي اللون الأحمر الآجوري الفاتح، ويتراوح وزنها ما بين 300 و325 كلغ، فيما العجول لها لون أحمر آجوري غامق، ويصل وزنها إلى ما يقارب 450 كلغ، أما طول كلا الجنسين يحدد فيما بين 1.20 و1.30 مترًا.
كما أن لها رأسا أطول نسبيا عن باقي السلالات المتواجدة بالمغرب، إضافة إلى أذنين عريضتين ورقبة قصيرة، وحوافر قوية مكنتها من التغلب على أصعب التضاريس والطرق الوعرة بجبال الأطلس المتوسط، وتمتلك أيضا بنية قوية ولها قدرة على التأقلم مع الظروف المناخية القاسية بالمناطق التي تتواجد بها.
وأشارت مجموعة من الدراسات والأبحاث السابقة، إلى أن أبقار “والماس زعير تتشابه نسبيا مع أجناس السلالات الإيبيرية (الإسبانية والبرتغالية)، والتي تم استقدامها لمنطقة شمال إفريقيا في عهد الرومان، مشيرة إلى وجود عدد من الجينات والخصائص المشتركة بين هذه السلالة وسلالات متواجدة حاليا في أوروبا، مثل سلالة “ميرونديزة” البرتغالية، وسلالات “البازاديس” و”ليموزين” و”البلوند” الفرنسية.
وتظهر دراسة حول التحليل الجيني للماشية المغربية الأصلية، أشرف عليها الدكتوران إسماعيل بوجنان والحسين أوراغ، بقسم الإنتاج الحيواني والتكنولوجيا الحيوية، بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، والتي تم نشرها بالمجلة العلمية الدولية “أبحاث الثروة الحيوانية من أجل التنمية الريفية” (Livestock Research for Rural Development)، في المجلد رقم 22 ، العدد 8، غشت 2010، أن هذه السلالة لها تنميط جيني مختلف عن غيرها من السلالات المغربية والأجنبية، وتحديدا كل من سلالة “تيديلي” التي تم اكتشافها في 1981، والتي تتواجد اليوم بإقليم ورزازات، وسلالة الأطلس المنتشرة في جميع المناطق الجبليّة للمملكة.
وأبرزت المجلة أن النتائج التي تم التوصل لها في هذه الدراسة، تفيد أن أبقار “والماس زعير” أصلها مغربي، وأن لها قدرة كبيرة على التكيف الجيد مع الظروف الصعبة للغاية بالمناطق التي تتواجد بها، وتحديدا بجماعات الخميسات ووالماس وتيفلت، مشددة على ضرورة وضع برامج استراتيجية للحفاظ عليها والعمل على تكاثرها.
• المختصون يؤكدون مغربية السلالة ويطالبون بإجراء دراسات حديثة
يبرز الدكتور الحسين قدير، الطبيب البيطري والأستاذ الزائر بالمدرسة الوطنية للفلاحة بمكناس، والذي تتجاوز خبرته في المجال 43 عاما، أنه وفق ما اطلع عليه كمختص على المستوى الميداني أو عدد من الأبحاث التي قام بها زملاؤه في المجال، وفي مقدمتهم الدكتور إسماعيل بوجنان الذي يعد مرجعا في المغرب بعلم الوراثة الحيوانية، والدكتور الحسين أوراغ، والدكتور عبد الإله عربة، أن “والماس زعير” سلالة مغربية 100 %.
وأكد الدكتور صلاح الدين الشريف، الطبيب البيطري المختص في علاج الحيوانات الزراعية كالمواشي، أن مجموعة من الدراسات العلمية، التي تمت على أبقار “والماس زعير” سواء من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، أو جامعات ومعاهد دولية؛ خلصت إلى أنها سلالة مغربية محضة، وأنه لا وجود لاختلاط أو تداخل في تركيبها الجيني مع سلالات أخرى.
ولفت الدكتور قدير إلى الحاجة اليوم إلى دراسات شاملة حول السلالات المغربية، وتحديدا على المستوى الجيني، لمعرفة إن كانت هناك تغيرات طرأت عليها خلال السنوات الأخيرة، ومن أجل العمل على تطوير وتثمين هذه الأصناف، مبرزا أنه في الظرفية الحالية نحتاج إلى أبحاث حديثة تكشف مدى تأثر التنميطات الجينية لدى سلالة أبقار “والماس زعير” من عمليات التلقيح الاصطناعي ومرحلة الجفاف المتعاقب خلال السنوات الأخيرة، وغيرها من الأمور المرتبطة بذلك.
• مربو “والماس زعير” والخبراء يشيدون بمميزات هذه السلالة
في تصريحات متفرقة لجريدة “شفاف”، عبر عدد من مربي سلالة “والماس زعير”، والذين ينتمون للفدرالية المغربية لمربي أبقار سلالة والماس زعير، -التي يبقى أبرز أهداف تأسيسها سنة 2019 وفق إعلانها سابقا؛ الدفاع عن مصالح مربي هذه السلالة ووضع سياسة تنموية مستدامة لقطاع تربية هذا النوع من الأبقار-، عن وجود تحديات كبيرة تواجههم في تربية هذه السلالة التي تتوفر فيها عديد المميزات الاستثنائية، وذلك في ظل سنوات الجفاف المتواصلة وضعف الدعم من الجهات الوصية.
وطالبت الفئة ذاتها، بضرورة عمل الجميع سواءً الأطراف المسؤولة بالحكومة عن القطاع أو مربي أبقار “والماس زعير” من أجل تطوير تربية هذا النوع المغربي من البقر والحفاظ عليه، باعتباره موروثا ثقافيا وحضاريا للمملكة، باعتبار أنها الموطن الأصلي لهذه السلالة.

وفي السياق ذاته، يرى محمد جوبي، مربي أبقار “والماس زعير”، أن هذا النوع من البقر يتحمل الظروف الصعبة والتغيرات المناخية، مبرزا أن مسألة تربيتها لا تقتصر فقط على المزارع والحظائر المسيجة أو المغلقة، بل تشمل أيضا المراعي المفتوحة كالغابات، وهي الموطن الذي تقضي فيه هذه السلالة أغلب الوقت، عندما يكون الموسم الفلاحي متميزا.
وأشار جوبي؛ الذي تتوارث عائلته منذ عقود تربية هذه السلالة، إلى أن لحوم هذه الأبقار الطبيعية وغير المهجنة، والحليب الذي تنتج منه 5 لترات في اليوم أو باقي المنتجات مثل الزبدة والجبن تمتاز بجودة عالية جدا؛ مقارنة بباقي السلالات المتواجدة بالمغرب، والتي خضع أغلبها للتهجين ولا يعد أصليا.
ويوضح الطبيب البيطري الشريف، أن من مميزات هذه السلالة أنها مقاومة للأمراض، ولها القدرة على التكيّف سريعا مع الأجواء المناخية السائدة بالمغرب، إضافة للجودة التي توفرها على مستوى لحومها وحليبها.
ولفت الدكتور قدير، إلى أنه من مميزاتها أنها تصبر لقلة الأعلاف، وأنها قادرة على إنتاج الحليب بمعدل يتراوح ما بين 10 و12 لتر يوميا، وأنه بالإمكان الرفع من هذه الكمية إلى 15 لترا في حالة مسايرة الأخصائيين والتقنيين لظروف تربية وتسمين هذه الأبقار.
وأضاف أنه تم إجراء تجارب في هذا الإطار على أصناف أخرى وعدد من أبقار هذه السلالة، والتي همت على الخصوص إحداث تغيير في نمط التغذية الخاص بها وتدبير أسلوب عيشها، من خلال توفير أماكن متسعة توفر كافة الظروف المناسبة والمطلوبة في هذا الجانب، مؤكدا أن ذلك ساهم في تحسين نسلها وتثمين منتجاتها.
• شبح الانقراض يتربص بـ “والماس زعير”
كشف “الكساب” حسن حيمي أن أعداد هذه السلالة في تراجع مستمر، بسبب ضعف الإمكانيات المادية لدى مربيها، وعدم قدرة العديد منهم على مجاراة الأسعار الملتهبة للأعلاف في ظل الجفاف المتواصل منذ سنوات، مشيرا إلى أن ذلك في حال استمراره يمكن أن يؤدي في قادم السنوات إلى انقراض أبقار “والماس زعير”.
وأضاف أن قلة التساقطات جعلت العشب لا ينمو في الأراضي الزراعية التي تشكل مراعي لهذه الأبقار، ما اضطر مربيها لشراء الأعلاف من نوعية الشعير والخرطال وغيرها من أنواع الكلأ الأخرى، مشير إلى وجود غلاء في الأعلاف غير مسبوق.
وعلى ذات المنوال، أبرز محمد فقيري، مربي أبقار “والماس زعير”، أن أزمة الجفاف ضاعفت من معاناة “الكسابة”، في ظل ندرة الماء وقلة وغلاء الكلأ، حيث أصبح القنطار الواحد من العلف (100 كلغ) يتراوح اليوم ما بين 250 درهما و550 درهما، مضيفا أن “النخالة” التي لم يكن ثمنها يتجاوز 150 درهما للقنطار الواحد، أصبحت الآن تصل لـ 400 درهما (قنطار واحد).
وأوضح لحسن فقيري، مربي أبقار “والماس زعير”، أنه حتى العلف الذي يعطى للأبقار خلال المباريات والمعارض التي يشاركون فيها، هم من يستقدمونها ويشترونها لمواشيهم، وأنه لا وجود لأي دعم، وما يوجد فقط هو المِنح التي تقدم لـ “الكسابة” خلال مشاركتهم في المعارض الكبرى والمباريات الخاصة بهذه السلالة، مضيفا أنها لا تتجاوز في أفضل الأحوال 4 آلاف درهم، لافتا إلى أن ذلك يدفع بالكثيرين إلى بيع أبقاره والابتعاد عن نشاط تربية المواشي الذي أصبح مكلفا للغاية.
• الجفاف والغلاء يزيد من معاناة “الكسابة”
يقول جوبي إن الجفاف وارتفاع أسعار الكلأ دفع “الكسابة” بإقليم الخميسات إلى الإقدام على بيع بعض أبقارهم من سلالة “والماس زعير”، مشيرا إلى أن بعض المهنيين لجؤوا إلى تقليص أعداد قطعانهم إلى النصف، حيث من كان يملك 10 أصبح لديه 5 فقط، وذلك من أجل توفير المصاريف الكفيلة بتربية ما تبقى لديهم من مواشي، لافتا إلى أنه خلال المرحلة الأخيرة بيعت أزيد من 2000 بقرة من هذا النوع.
ويشير إلى أن الإشكالية الأكبر التي تضاف للجفاف، هي بعد منابع المياه التي أقربها يبعد عن المنطقة بـ 5 كيلومترات، وغياب المسالك الطرقية المعبدة لولوج المركبات، موضحا أن ذلك يرفع من تكلفة النقل، حيث يضطر “الكسابة” لاستئجار الشاحنات التي تنقل الأعلاف مقابل 1500 درهم، وذلك دون احتساب أثمنة العلف التي تعرف ارتفاعا صاروخيا.
الذهبي لـ “شفاف”: أزمة اللحوم والحليب سببها عدم مواكبة ودعم الكسابة الصغار الذين يشكلون نسبة 95 %
ولفت فقيري إلى أن الجفاف وغلاء الأسعار، يدفع بالكثيرين من مربي هذه الأبقار يوما بعد آخر إلى بيع أعداد مهمة منها بالأسواق، حيث يتجه أغلبها للمجازر، ما يؤدي إلى تقلص أعداد هذه السلالة المغربية ويُعرضها لخطر الانقراض، مطالبا بضرورة دعم الجهات الوصية عن القطاع للمهنيين من أجل الحفاظ عليها وتعزيز رقم القطيع المتواجد منها حاليا.
كما أكد حيمي على أنه بالرغم من هذه الظروف التي يعيشها مربي سلالة “والماس زعير”، فإن ارتباطهم بهذا النوع من الأبقار، يدفعهم للتضحية ومواجهة الصعاب التي يواجهونها من أجل ضمان استمرار تواجدها وعدم تعرضها للانقراض، موضحا أنها تعتبر جزء من الكيان المشكل والمميز للدواوير والمناطق التي تتواجد بها في إقليم الخميسات.
• مهنيو المواشي واللحوم يكشفون سبب غياب منتجات السلالة عن الأسواق
كشف محمد جبلي، رئيس الفيدرالية المغربية للفاعلين في قطاع المواشي، لـ “شفاف” عن أن أسواق المواشي المغربية لا تعرف عرض هذا النوع من الأبقار، وأن البقر المشكل للأغلبية الساحقة الموجودة ببلادنا هي تلك الأصناف المحلية المهجنة التي جاءت نتيجة التلقيح الاصطناعي والاختلاط بين سلالات أخرى كالأبيض – الأزرق البلجيكي؛ -المهيمن على السوق الوطني-، والشارولي والهولشتاين والليموزين.
وأبرز أن السلالات المغربية كـ “تيديلي” و”أولماس زعير” أعدادها قليلة، وغير منتجة للحليب واللحوم مثلما تفعل نظيراتها الأوروبية والمهجنة، مشيرا إلى أن الهدف من البرامج القائمة من طرف وزارة الفلاحة بخصوص هذه الأصناف المغربية يبقى هو الحفاظ عليها وعدم اندثارها.
جمعيات لتجار اللحوم ترفض استحواذ البعض على عملية استيراد الأبقار الجاهزة للذبح وتطالب بتدخل الحكومة
وأشار إلى أن السلالات المغربية كـ “تيديلي” و”أولماس زعير” قد يستمر “الكساب” في تربيتها لمدة تصل لـ 3 سنوات، فلا تنتج له أكثر من 140 كلغ من اللحم، في حين أن السلالات المهجنة والأوروبية يمكن أن تصل في ظرف 6 أشهر إلى وزن يتجاوز 500 كلغ.
وفي السياق ذاته، يرى هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، في تصريح لـ“شفاف”، أن السلالات المغربية وفي مقدمتها “أولماس زعير”، لا تصل لحومها إلى أسواق المدن الكبرى بالمملكة، بسبب قلة أعداد رؤوس هذا الصنف، مشيرا إلى أن عرض منتجات السلالة المذكورة لا يتعدى حدود إقليم الخميسات وضواحيها.
وأوضح الجوابري أن على المسؤولين على القطاع العمل بجهد لتحسين هذه السلالات وتطوير منتجاتها، مثلما تم مع عديد السلالات الأجنبية التي خضعت للتهجين وتحسين نسلها، للتكيف مع الأجواء المناخية بالمغرب، لتصبح اليوم من ضمن الأصناف المحلية للبلاد.
• مطالب بدعم “الكسابة” قبل فوات الأوان
حول الدعم المقدم من طرف وزارة الفلاحة، يرى محمد فقيري أن ذلك الدعم لا يحمل من الصفة أو الإشارة غير الاسم، موضحا أن منح كيس من علف الشعير في مدة معينة وغير دورية ومستمرة، والبالغ وزنه 80 كيلوغرام، مقابل أداء “الكساب” لـ 150 درهما، يبقى غير كافٍ أبدًا، مشيرا إلى أن هذه الكمية لا يمكن مثلا أن توزع وتملأ بطون 14 بقرة و100 رأس من الأغنام والماعز، مبرزا أن عديد “الكسابة” صاروا يرفضون اقتناء هذا الكيس.
وأوضح أن على المواطنين الذين يتحدثون عن غلاء المواشي واللحوم الحمراء، التساؤل ومعرفة السبب الرئيسي وراء ذلك، والمتمثل في ارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية والأعلاف وغياب الدعم المطلوب من الجهات الوصية على القطاع.
واعتبر المتحدث ذاته، أن “الكساب” اليوم هو من أكثر المتضررين من أزمة الغلاء التي تعرفها البلاد، وأن هدف المهنيين من عملية الإنتاج وبيع منتجات الأبقار والأغنام؛ يتمثل حاليا في أداء ما عليهم من ديون والقدرة على الحفاظ ومواصلة نشاطهم في تربية المواشي.
وأشار حماني آيت عاشور، الفلاح ومربي المواشي بجماعة آيت يشو، التابعة لإقليم الخميسات، إلى غياب الدعم اللازم من الجهات الوصية على القطاع، لمربي أبقار “والماس زعير” باستثناء منح المشاركة في الملتقيات، المقدمة من طرف وزارة الفلاحة، والتي تقدر بألف درهم عن كل رأس.
ودعا لحسن فقيري لضرورة دعم الحكومة وخصوصا وزارة الفلاحة، للمربيين وباقي ساكنة المنطقة، وتسهيل عملية حفر الآبار، من أجل توفير الماء لري الأرض وسقي المواشي وتحسين عملية التواصل بين الفلاحين و”الكسابة” بالمنطقة من جهة، والمسؤولين بالجهات الوصية عن القطاع من جانب آخر.
• فكرة الهجرة تراود ساكنة المنطقة
أفصح لحسن فقيري، الذي يربي برفقة والده (محمد رفيقي) الأبقار المنحدرة من سلالة “والماس زعير”، عن رغبته في هجرة المنطقة والبحث عن سبل عيش أفضل، مبرزا أن الأمور تتردى أكثر يوما بعد آخر، وأنه لا وجود لمؤشرات إيجابية عن وجود حلول في القريب.
وأضاف أنه حتى الدعم الذي يخص المواد والمدخلات الفلاحية، مثلما هو الحال مع الشعير المدعم يخضع لمنطق “المحسوبية والعلاقات”، وأنه يستفيد منه فقط كبار “الكسابة” والفلاحين، مشيرا إلى أن ذلك يزيد من معاناة الفئات الهشة بالمنطقة، والتي يزداد معه إصرارها عن هَجر أنشطتهم الفلاحية وتربية المواشي؛ والرحيل صوب أماكن أخرى تضمن لهم العيش الكريم.
ولفت حماني آيت عاشور، إلى وجود إحساس بالقهر والضياع لدى أبناء المنطقة، في ظل غياب أي دعم حقيقي من شأنه تنمية المنطقة والنهوض بأوضاعها فيما يتعلق بالزراعة وتربية الأبقار من سلالة “والماس زعير”.
وعبر المتحدث ذاته، عن استغرابه بالاكتفاء بفرض المسؤولين عن القطاع مشاركة 8 مربيين لسلالة “والماس زعير” من أصل مئات “الكسابة”، في مكان ضيق بالمعرض الدولي للفلاحة بمكناس، معتبرا أن الأمر لا يشجع ولا يدعم من يسهر ويتفانى في تربية هذه السلالة بالرغم من الصعوبة والتحديات المطروحة، ويظهر نوعا من اللامبالاة بمن يضحي بالغالي والنفيس للحفاظ على هذه السلالة المغربية.
• الواقع والحلول الممكنة
تأسف الدكتور قدير لعدم استمرار الشركات الوطنية، التابع بعضها لوزارة الفلاحة، والتي كانت لها ضيعات ومجازر ومصانع خاصة بهذه الأصناف والسلالات المغربية لتجميع منتجاتها وترويجها، مبرزا أن غيابها ترك فراغا كبيرا ومؤثرا بعد إنهاء عملها في المجال، مؤكدا الحاجة لعودتها اليوم أكثر من أي وقت مضى، للنهوض بهذا القطاع.
وشدد على ضرورة الاهتمام أكثر بسلالات الأبقار المغربية مثل ما وقع مع الأغنام التي شهدت تثمينا وتطورا في بلادنا، من خلال العمل المشترك بين وزارة الفلاحة والخبراء في المجال والجمعيات الناشطة في القطاع، ومن بينها الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز (لانوك – ANOC).
وأضاف أنه لا يجب مقارنة السلالات المغربية بما فيها “والماس زعير” مع نظيراتها الأوروبية أو تلك التي خضعت للتهجين، وأن الأهم هو دعم الإنتاج المعيشي، مبرزا أن المناطق التي تتواجد بها هذه السلالة تعد نائية، ويعتمد ساكنتها بشكل مطلق على الفلاحة المعيشية وتربية المواشي.
وتابع القول إن هذه السلالة ترتبط بمجموعة من المعطيات التي تدخلها في إطار الإنتاج المعيشي، باعتبار أن مربي المواشي بهذه المناطق المتواجدة بإقليم الخميسات أو جبال الأطلس أو غيرها، يفضلون أصناف الأبقار والأغنام والماعز التي تعد تربيتها غير مكلفة، وفي المقابل يطمحون للاستفادة الكبيرة من مختلف منتجاتها كالأجبان والحليب واللحوم.
وأبرز أن الإنتاج المعيشي على عكس الإنتاج الصناعي الذي يخص ويركز على الأبقار الأجنبية أو المهجنة كالليموزين والهولشتاين مثلا، والتي يُستثمر فيها من أجل ما توفره من كميات كبيرة من اللحوم، ما ينعكس إيجابا على أرباح هؤلاء المستثمرين.
وأوضح الدكتور قدير أنه يجب التركيز في المشاريع التي تهم الحفاظ وتثمين السلالات المغربية، على “الكساب” الصغير لأنه هو حجر الأساس في هذه العملية، بسبب عدة عوامل ترتبط بما هو اجتماعي واقتصادي.
ولفت إلى أن هذه الفئة يرتبط نشاطها بتوفير لقمة العيش لعائلاتهم، إلى جانب ارتباطها الوثيق بهذه الأبقار كجزء من تراث المناطق التي يتواجدون بها، على عكس كبار الفلاحين والمربين الذين يركزون في الجانب الربحي فقط، ولا يمكنهم المغامرة في استثمار قد تكون أرباحه أقل مما قد تحققه لهم السلالات الأوروبية أو المهجنة.
وأشار إلى أنه في فرنسا حاليا تناضل بعض الجمعيات من أجل الاهتمام بالأنواع القديمة من الأبقار الفرنسية وإعادة المكانة والقيمة لها، في ظل تقلص أعدادها وهيمنة كبرى الشركات على القطاع، والتي تبني استراتيجيتها دائما على أرقام الأرباح، والتي لا تهتم بهاته السلالات المهددة في بلادها بالانقراض.
وأكد على ضرورة أن تكون هناك إرادة سياسية لدى وزارة الفلاحة من أجل تطور وتثمين هذه السلالة المغربية، في ظل ما تزخر به بلادنا من خبراء ومتخصصين وإمكانيات لوجيستيكية، مشيرا إلى أنه يجب مضاعفة العمل من أجل تطوير والرفع من إنتاج أبقار “اولماس زعير” وتحسين نسلها.
وقال إن أي مشروع أو برنامج مستقبلي يهم السلالات المغربية يجب أن ينطلق أولا من إحصاء هذه الأصناف ومناطق تواجدها وأعداد “الكسابة” النشيطين في تربيتها، ووضع منظومة متكاملة تضمن الرفع من إنتاجيتها وتحسين منتجاتها، وإشراكهم بالمعارض الكبرى التي تهم القطاع سواء محليا أو دوليا، مثل معرض الفلاحة بمكناس، من أجل تعريف المستثمرين والمستهلكين بها.
• فيدرالية مربي السلالة.. ما حققته، وما تسعى إليه
قال محمد أشرورو، رئيس الفيدرالية المغربية لمربي أبقار سلالة أولماس زعير، والذي يشغل أيضا مهام رئيس جماعة أولماس، ونائب برلماني عن دائرة أولماس الخميسات، إن هذه الجمعية التي يقودها باعتباره أحد “الكسابة” والمهتمين بهذا النوع وأبناء المنطقة، جاءت إثر مجهودات كبيرة من المربين لهذه النوعية من البقر، والتي تلاها توقيع اتفاقية مع وزارة الفلاحة من أجل تحسين ظروف تربية الأبقار عن طريق البرامج الصحية والوقائية.

وأوضح أن هذه الاتفاقية تهم أيضا تثمين وتسويق وترويج سلالة أبقار “والماس زعير” من خلال ترميز منتجات هذا الصنف (تمييزها بعلامة تجارية خاصة بها تشير للمنشأ والجودة)، بالإضافة إلى العمل على معرفة مواطنها بشكل دقيق وخريطة انتشارها، ومدى وجود مناطق أخرى بالمغرب غير الجماعات الثلاثة المعروفة حاليا بتربية هذه السلالة، وفي مقدمتها جماعة بوقشمير التي تحتوي على أكبر عدد من رؤوس هذه الأبقار، مبرزا أن عدد مربيها يتراوح ما بين 600 و700 شخص.
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن بلوغ أهداف هذه الاتفاقية في توسيع تربية هذه السلالة والحفاظ عليها، يستلزم بدرجة أولى استهدف “الكسابة” ومنح الدعم الكافي لهم، مثل تقديم مِنح لهم عن ولادة العجول مثلما يقع مع أنواع أخرى من الأبقار، ومساعدتهم فيما يخص الأعلاف، وأيضا في تشييد حظائر مناسبة لتربية هذه السلالة، والتشجيع على الاستثمار فيها، من خلال ظهور ما يسمى بالمجمعين وفق ما يتضمنه الجيل الأخضر، بحيث يلعب هؤلاء المستثمرين (المجمعين) دور الوساطة بين المربين للأبقار ووزارة الفلاحة والمستهلكين.
وعبر عن رغبته في إحداث مراكز وأماكن للتسويق خاصة بمنتجات هذه النوعية من البقر، مشيرا إلى أن ذلك سيساهم في توسيع مجال تربية هذه السلالة، لافتا إلى أن ذلك سيوفر مدخولا قارا للفلاحين و”الكسابة”، ما سيشجعهم على الاستقرار في مناطقهم وعدم الهجرة صوب المدن.
وأوضح أنه يتم العمل بشراكة مع وزارة الفلاحة ومجالس الجماعات التي تتواجد بها، على تنظيم مباريات سنوية ومنح جوائز سخية للمشاركين، حيث يحصل صاحب المركز الأول بها على 6000 درهم، والثاني على 5000 درهم، والثالث على 4000 درهم، والرابع على 3000 درهم، مشيرا إلى أنه يؤدَى لكل مربي عن مشاركة عجل أو بقرة واحدة في هذه المسابقات مبلغ 1000 درهم.
ولفت أيضا إلى أن برنامج دعم الفلاحين بـ 10 مليارات درهم، المعلن عنه مؤخرا من طرف الحكومة، ستخصص نسبة منه لدعم هؤلاء “الكسابة”، لاسيما فيما يتعلق بتوفير نقاط الماء ودعم اقتناء الأعلاف بأسعار مناسبة أو توفير جزء منها بالمجان، مضيفا أن هذه الأمور التي يجب الاشتغال عليها وتعزيزها، متضمنة أيضا في الاتفاقية المذكورة بين الفيدرالية ووزارة الفلاحة.
ويشير أشرورو إلى أن هذه الاتفاقية تتداخل فيها مجموعة من الأطراف الأخرى؛ كالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (الأونسا)، الذي يواكب هذا المشروع من خلال عمليات مراقبة صحة القطيع والتلقيح الموسمي، والعمل على تطوير منتجات هذه السلالة.
واعتبر أن هذه المجهودات الكبيرة المبذولة من طرف المتداخلين في القطاع للحفاظ على هذه السلالة وتثمين منتجاتها تبقى غير كافية، مطالبا بالرفع من قيمة الدعم وتركيزها بدرجة أولى على “الكساب”، الذي يعد حجر الأساس في هذا المشروع، الرامي إلى توسيع انتشار سلالة “أولماس زعير” ومواجهة خطر اندثارها.
وكشف أن الفيدرالية برفقة شركائها، تعمل على إخراج مشروع جديد لحيز الوجود سيكون أوسع وأشمل من الاتفاقية الحالية، بهدف تثمين سلالة “والماس زعير”، من جميع الجوانب الصحية والدعم المادي وترميز منتجات هذا الصنف الحيواني، بهدف الرفع من أسعارها وعرضها في مختلف الأسواق داخل التراب الوطني، والعمل مستقبلا على إمكانية تصديرها نحو الخارج.
• خطوات الحكومة لتنمية سلالة “والماس زعير”
تنظم وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في 21 يوليوز من كل عام، بجماعة والماس بإقليم الخميسات، مباراة وطنية لسلالة الأبقار “والماس زعير”، والتي شهدت سنة 2022 نسختها السادسة، والتي أفضت إلى تتويج 16 مشاركا، تفوقوا في تربية هذه السلالة المغربية الخالصة.
وكشفت وزارة الفلاحة لـ “شفاف”، أنها شرعت في تنزيل مجموعة من البرامج والمشاريع لتنمية سلالة أبقار “أولماس زعير”، حيث همت أولى مراحل ذلك، والممتدة ما بين 1988 و1992، إنشاء وحدة للانتقاء أفضل فحول وعجلات هذه السلالة من أجل تحسين نسلها، وانتقاء وتأسيس 24 مشتل وتنظيمها في إطار تعاونيتين لإنتاج جيل جديد من هذه الأبقار.
فيما المرحلة الثانية، التي استمرت ما بين 1993 و2003، ركزت على تتبع وتأطير الوحدات النموذجية لتربية هذه السلالة، وانطلاق عملية نقل الأجنة كتقنية لتكاثر الأبقار المنتجة، وفتح دفتر الأنساب عام 1997، وتوسيع شبكة الوحدات النموذجية التي وصلت خلال هذه الظرفية إلى 38 وحدة، مع تنظيم جولات اللجنة الوطنية لانتقاء وتسجيل أحسن الأبقار بدفتر الأنساب.
وأفادت الوزارة الوصية عن القطاع أن المرحلة الثالثة الممتدة من 2006 إلى 2019، شهدت إبرام اتفاقية بين المديرية الإقليمية للفلاحة بالخميسات وجمعية مربي أبقار سلالة اولماس زعير، بهدف خلق تأطير وتتبع نواة مشاتل لتحسين السلالة والاستفادة من الدعم المخصص من طرف صندوق التنمية الفلاحية، والمشاركة في الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس ضمن المباريات المدرجة، وذلك اعتمادا على انتقاء أولي يشمل جل المربيين، وتنظيم معرض سنوي للسلالة بالإقليم بمشاركة ما يزيد عن 100 مربي، حيث يتم تتويج أحسن المربيين بجوائز ومِنح مشاركة للجميع.
بخصوص الاستراتيجية المعتمدة خلال المرحلة الحالية، تبرز الوزارة أنها أبرمت في 21 ماي 2021، اتفاقية إطار لتنمية السلالة مع الفيدرالية المغربية لمربي أبقار والماس زعير، بكلفة مالية قدرها 8.1 مليون درهم (810 مليون ستنيم) على مدى 3 سنوات، والتي تستند على عدة محاور تتعلق بمواكبة وتعزيز القدرات التقنية والتنظيمية لمربي هذه السلالة، والتحسين الوراثي وتكاثر أعداد محسني نسل الأبقار، وإنشاء وحدات لانتقاء أفضل الأبقار والإشراف عليها ومراقبتها (تحديد الأبقار وتسجيلها، ووزنها…).
وذكرت أيضا أن سنة 2022 شهدت بداية إنجاز برنامج الحفاظ وتنمية سلالة الأبقار “أولماس زعير”، في إطار عقدة تنمية سلسلة اللحوم الحمراء 2023-2030، بتكلفة إجمالية تصل إلى 80 مليون درهم (8 ملايير سنتيم)، والذي يستهدف مربي هذه السلالة، مشيرة إلى أن الفدرالية المغربية لمربي أبقار سلالة أولماس هي الجمعية الحاملة لهذا المشروع.

وسيعمل هذا البرنامج وفق المصدر ذاته، على تعزيز ودعم القدرات التقنية والتنظيمية لمربي سلالة الأبقار أولماس زعير، والتحسين الجيني للسلالة عبر تعميم التلقيح الاصطناعي، وخلق وحدات نموذجية لإنتاج فحول الأبقار المختارة، وتكثيف التأطير الصحي للقطيع، وترميز السلالة والترويج لجودة لحومها، والترويج للسلالة عبر تنظيم مباريات سنوية لانتقاء أحسن رؤوس السلالة.
وحول النتائج المرتقبة لهذا البرنامج، تشير وزارة الفلاحة إلى أنها تسعى من خلال هذه الاستراتيجية إلى الحفاظ وتنمية تربية سلالة الأبقار “أولماس زعير”، وتثمين إنتاج لحومها عبر ترميزها، وتحسين كل من دخل مربي أبقار هذه السلالة، وظروف تربية هذا الصنف المغربي.



























