في تقرير موسّع نشرته مجلة “أتلانتيكو” (Atlantico) الفرنسية، سلطت الضوء على التحول اللافت في توجهات الخريجين المغاربة من فرنسا، حيث يفضل عدد متزايد من الكفاءات العليا العودة إلى المغرب والاستقرار فيه، عوض البقاء في الضفة الشمالية.
والتقرير الذي جاء على شكل حوار مفصّل مع الخبير والفاعل الاقتصادي المغربي عبد المالك العلوي، توقف عند الدوافع النفسية والاجتماعية والسياسية التي تغذي هذا التوجه الجديد، مبرزًا كيف أصبح المغرب – بفعل رؤية استراتيجية طويلة النفس – بيئة جاذبة للعقول والمواهب، لا فقط من الداخل، بل من المهجر أيضًا.
والحوار تضمن تحليلًا عميقًا لمكانة التعليم العالي، وصعود منظومات الابتكار، والرهان المغربي على الذكاء الاصطناعي، كما تناول كيف تتقاطع هذه الدينامية مع التحولات العالمية في سوق الكفاءات، ومع بروز المغرب كقوة تكنولوجية صاعدة في إفريقيا.
❖ ثقة متجددة
يعود خيار الخريجين المغاربة لمغادرة فرنسا والاستقرار في المغرب إلى عنصر جوهري واحد هو الثقة، حيث شهدت السنوات الأخيرة تنامي قناعة لدى هؤلاء الشباب بأن بلدهم أصبح يشكل حاضنة حقيقية لأحلامهم وتطلعاتهم المهنية والعلمية.
وفي تحليل للخبير الاقتصادي عبد المالك العلوي، فإن هذه الثقة لم تولد من فراغ، بل هي نتيجة استراتيجية مدروسة قادها الملك محمد السادس منذ مطلع الألفية الجديدة، جعلت من “معركة الكفاءات” إحدى ركائز السيادة الوطنية.
وأردف أنه في وقت لم تكن فيه مفاهيم مثل “السيادة المعرفية” ضمن أولويات العديد من الدول الإفريقية، أدرك المغرب مبكرًا أن استقطاب العقول، وتكوين الباحثين، واستثمار الكفاءات هو المسار الأمثل لبناء دولة قوية ومتماسكة.
Ces Marocains diplômés qui préfèrent quitter la France pour rentrer au Maroc https://t.co/U46XfKR4Xk
— Atlantico (@atlantico_fr) July 18, 2025
ولكنّ هذا التحول وفقه لا يُفسَّر فقط بارتفاع منسوب الثقة في الداخل، بل أيضًا بتراجع جاذبية البيئة الأوروبية، خاصة مع تصاعد الخطاب المتطرف والشعور المتزايد بالتهميش والرفض الذي يواجهه الشباب من أصول مهاجرة.
وأبرز في هذا السياق، أصبح المغرب أكثر من مجرد بلد للعودة، إنه خيار استراتيجي لمن يريد تأسيس مشروع، أو الانخراط في البحث العلمي، أو ببساطة المساهمة في بناء نموذج تنموي جديد.
ولفت إلى أن ظاهرة “النيوبات” أو “الوطنيين الجدد” تجسّد هذا التحول: شباب مغاربة مكوَّنون في أرقى الجامعات الفرنسية والعالمية، يختارون العودة إلى بلدهم ليس هروبًا من أوروبا، بل إيمانًا بإمكانات المغرب وتفاؤلًا بمستقبله.
❖ بنية تحتية معرفية
من بين أبرز الأدلة على هذا التحول، يشير عبد المالك العلوي إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، والتي تشكل قلب المشروع المغربي للسيادة التكنولوجية.
وهذه الجامعة، التي وُلدت من رحم رؤية ملكية استشرافية، ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مركز إنتاج للمعرفة والابتكار، تمتد إشعاعاتها على امتداد التراب الوطني.
دلالات تحسن الاقتصاد الوطني وتحديات استدامته.. نمو قوي أم انتعاش ظرفي؟
والجامعة تستضيف الحاسوب الفائق “توبقال”، الأقوى على مستوى إفريقيا، وتُطوّر شراكات نوعية مع مؤسسات مرموقة مثل “MIT” و”HEC Paris”، ما يجعلها منارة للتكوين العالي والبحث العلمي المتقدم.
ولكن النهج المغربي لا يقتصر على النخبة أو المؤسسات الجامعية، بل يمتد إلى السياسات العمومية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والابتكار.
وتكليف أسماء وازنة مثل أمل الفلاح السغروشني، وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بقيادة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وتنظيم المناظرة الوطنية للذكاء الاصطناعي في يوليوز 2025، وكلها مؤشرات تؤكد أن المغرب لا يشارك فقط في الثورة التكنولوجية، بل يسعى إلى قيادتها إفريقيًا.
❖ ثقافة وريادة وتكوين
أحد محاور الاستراتيجية المغربية يتمثل في ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال وربط التكوين بسوق الشغل، فبدلًا من الاقتصار على تخريج مهندسين تقنيين، تسعى المؤسسات الجامعية؛ وفي مقدمتها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) إلى غرس روح الابتكار، وتمكين الطلبة من أدوات البرمجة والنمذجة والتصميم الصناعي.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وهذا التحول النوعي يُواكَب ببروز منظومات داعمة تشمل حاضنات أعمال، وصناديق استثمار في المراحل المبكرة، ومبادرات من القطاع الخاص، مثل مراكز ريادة الأعمال، ومبادرات الدولة لدعم الابتكار، التي توفر للمهندسين المغاربة عتادًا ماديًا وبشريًا لم يكن متوفرًا قبل عقدين فقط.
وبحسب العلوي، لم تعد العودة إلى المغرب تعني نهاية المسار المهني، بل صارت بدايةً جديدة ضمن مشروع وطني كبير، فيه الفرص متاحة، والدولة منخرطة بعمق، والقطاع الخاص أكثر انفتاحًا على الكفاءات العائدة؛ إذ في هذا الإطار، يتحول المغرب إلى “سوق عمل مرن” يستوعب الطاقات الجديدة ويعيد توجيهها لخدمة التنمية.
❖ ريادة إفريقية شاملة
من خلال هذه المقاربة، لا يسعى المغرب فقط إلى معالجة مشكل “هجرة الأدمغة”، بل يطوّع هذه الهجرة لصالحه، ويحوّلها إلى رافعة استراتيجية لقيادة التحول التكنولوجي في القارة الإفريقية.
وهذه الرؤية تعكسها أرقام واقعية، حيث أكثر من 250 ألف مغربي من المقيمين بالخارج عادوا ليستقروا ويعملوا داخل الوطن خلال العقدين الأخيرين.
ويعزز هذه الدينامية انفتاح الإدارة العليا في المغرب على الكفاءات العائدة، كما في حالة عدد من الوزراء؛ مثل ليلى بنعلي في مجال الانتقال الطاقي، أو كريم زيدان في مجال المالية، ما يعطي إشارات قوية على أن الدولة تراهن على التنوع المعرفي والانفتاح الدولي، ليس فقط في الاقتصاد، بل في تدبير الشأن العام أيضًا.
والتحول المغربي لا يطمح إلى نسخ تجربة وادي السيليكون بأمريكا، بل إلى بناء نموذج أصيل، متجذر في خصوصية البلاد، لكن منفتح على التحديات العالمية: من الذكاء الاصطناعي إلى الأمن الغذائي، ومن المناخ إلى الطاقة المتجددة، والمغاربة العائدون من الخارج، يشكلون ركيزة مركزية في هذا النموذج الجديد.
❖ نحو مستقبل سيادي
يؤكد العلوي على أن المغرب لا يركب قطار التحول الرقمي، بل يسعى إلى قيادته من موقع الفاعل لا التابع، مبرزا أن هذه الإرادة السيادية لم تولد فجأة، بل كانت ثمرة تراكم استراتيجي استمر عقدين، جعل من المعرفة والسواعد المغربية أدوات أساسية للسيادة.
فرص “التحول الأخضر” والتنافس الجيوسياسي.. هل يشكل المغرب حلقة وصل حاسمة بين الصين والاتحاد الأوروبي؟
وأشارت المجلة إلى أنه في زمن تتصاعد فيه التحديات الاقتصادية والسياسية على المستوى العالمي، يقدّم المغرب إجابة فريدة، مبنية على استثمار الطاقات الوطنية، وبناء الثقة، وتحويل العقول المهاجرة إلى شركاء في التنمية بدل خسائر بشرية، معتبرة أنها معادلة عنوانها السيادة، ومحركها الثقة، ونتيجتها الريادة.

