كشف المرصد المغربي للتربية الدامجة، في تقريره بشأن إعمال حق الأشخاص في وضعية إعاقة في الولوج إلى منظومة التربية والتكوين خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2025، عن اختلالات وتحديات تعترض تمدرس هذه الفئة بالمغرب.
وأبرز التقرير أن مسار إصلاح المنظومة التربوية لم ينجح في ضمان حقها الكامل في الولوج إلى التعليم المدرسي وفق مبادئ الإنصاف والجودة والارتقاء التي أرستها الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
وأوضح التقرير أن بعض مؤشرات التقدم المسجلة خلال السنوات الأخيرة لم تحجب استمرار أعطاب هيكلية تحد من فعالية سياسات التربية الدامجة وتعرقل توسيع استفادة الأطفال في وضعية إعاقة من التعليم النظامي.
وانتقد التقرير القرار الوزاري رقم 47.19 الخاص بالتربية الدامجة، الصادر سنة 2019، معتبرا أنه يتسبب في أشكال من التمييز المباشر والإقصاء الممنهج، ويحد من حق الأطفال في وضعية إعاقة في الولوج إلى المدرسة العمومية.
وأشار إلى أن المادة 11 من القرار تفرض قيودا على الولوج، بينما تلزم المادة 12 الأسر بأداء أجرة خدمة مرافقة الحياة المدرسية كشرط لتمدرس أبنائها، ما يجعله أحد أبرز العوامل المعيقة لتوسيع العرض التربوي الدامج.
وسجل التقرير أن هذا القرار سبق أن كان موضوع توصيات صادرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان في تقريره السنوي لسنة 2022، كما أوصت المجموعة الموضوعاتية بمجلس المستشارين المكلفة بالبرامج الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة سنة 2023 بضرورة مراجعته، إلى جانب مطالب متكررة من جمعيات المجتمع المدني.
ورصد التقرير تراجعا مقلقا في عدد التلاميذ المتمدرسين في وضعية إعاقة، حيث انخفض العدد الإجمالي من نحو 95 ألف تلميذ سنة 2019 إلى حوالي 65 ألفا سنة 2024، أي بتراجع بلغت نسبته 30 في المائة. كما أثارت التقديرات الإحصائية المتوفرة تساؤلات حول دقة وصدقية المعطيات الرسمية المقدمة برسم الموسم الدراسي 2024-2025.
وأبرز التقرير استمرار غياب التمدرس النظامي العمومي لفائدة التلاميذ ذوي الإعاقة السمعية والبصرية، مسجلا انعدام تمدرس التلاميذ الصم والمكفوفين داخل مؤسسات التعليم النظامي العمومي.
كما لاحظ محدودية عدد المترشحين من التلاميذ في وضعية إعاقة لاجتياز امتحانات الباكالوريا، حيث لم يتجاوز العدد حوالي ألفي مترشح ومترشحة سنويا، رغم التحسن المسجل مقارنة بسنوات سابقة.
واستند التقرير إلى معطيات قطاع التربية الوطنية ومؤشرات البحث الوطني الثاني حول الإعاقة لإنجاز تقدير إحصائي لمسار التمدرس، خلص إلى أنه من أصل كل 100 طفل في وضعية إعاقة يبلغون سن الولوج إلى السنة الأولى ابتدائي، لا يتمدرس سوى أقل من 55 طفلا، بينما لا يصل إلى مرحلة الترشح لامتحانات الباكالوريا دون تكرار سوى ستة تلاميذ فقط.
ونبه المرصد إلى محدودية المعطيات الإحصائية الرسمية الخاصة بالتمدرس الدامج، موضحا أنها لا تدمج ضمن الإحصائيات السنوية العامة للقطاع، كما لا تقدم تفاصيل دقيقة حسب الأسلاك التعليمية وأنواع الإعاقات أو حسب الجنس، فضلا عن غياب بيانات تخص اضطرابات التعلم والتمدرس الدامج بالقطاع الخاص.
♦تراجع خدمات الدعم والتأهيل
سجل التقرير تراجعا في إحداث قاعات الموارد للدعم والتأهيل بين سنتي 2021 و2024، إذ لا تتجاوز نسبة تغطيتها 22 في المائة من مجموع مؤسسات التعليم الابتدائي، فيما يفتقر ثلث هذه القاعات إلى أساتذة مشرفين.
ولفت إلى أن أكثر من ثلثي المؤسسات التعليمية العمومية لا تتوفر على ولوجيات مناسبة بالمرافق الصحية، ما يشكل عائقا إضافيا أمام استفادة التلاميذ في وضعية إعاقة من حقهم في التعليم.
وكشف التقرير ضعف انخراط مؤسسات التعليم الخصوصي في النهوض بالتعليم الدامج، مستندا إلى نتائج عينة من المؤسسات الخاصة بجهة الدار البيضاء-سطات، حيث تبين محدودية التزام هذا القطاع بمبادئ المرفق العمومي في ما يتعلق بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
وانتقد المرسوم المنظم للجن الجهوية المكلفة بدراسة ملفات التمدرس، معتبرا أنه أغفل التنصيص على عضوية الأستاذ والمفتش التربوي ضمن تركيبة هذه اللجان، رغم الدور المحوري الذي يضطلعان به في تقييم الحالات وتتبعها.
♦اختلالات قانونية وتمويل محدود
رصد التقرير ترددا من جانب قطاع التربية الوطنية في الدفع نحو المصادقة على مشروع مرسوم يخصص نسبة من المقاعد لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة ووضعية فقر للاستفادة المجانية من خدمات مؤسسات التعليم والتكوين الخاصة، طبقا للمادة 13 من القانون الإطار 51.17.
كما سجل استمرار التأخر في ملاءمة القرار الوزاري 47.19 مع مقتضيات القانون الإطار 51.17 والقانون الإطار 97.13 الخاص بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، إضافة إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادق عليها المغرب سنة 2009.
وأبرز ضعف تفعيل مقتضيات القانون الإطار 97.13، خاصة ما يتعلق بإرساء النظام الجديد لتقييم الإعاقة بمقتضى مرسوم بطاقة الشخص في وضعية إعاقة، فضلا عن التأخر في إصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بالتسهيلات الخاصة باجتياز الامتحانات والمباريات والاستفادة من الخدمات العلاجية والمعينات التقنية والأجهزة المساعدة.
وسجل التقرير ضعفا ملحوظا في التمويل العمومي الموجه للتربية الدامجة، حيث لم تتجاوز الميزانية المرصودة لهذا المجال خلال سنة 2021 حوالي 45 مليون درهم.
وأضاف أن برنامج تحسين ظروف تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، الذي تشرف عليه وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة ومؤسسة التعاون الوطني، لم يشمل سوى ستة آلاف تلميذ وتلميذة من أصل 32 ألفا مستهدفين، أي بنسبة تغطية لا تتجاوز 18.7 في المائة.
وأبان التقرير أن الأسر تتحمل أعباء مالية كبيرة بسبب إلزامها بأداء أجور مرافقات ومرافقي الحياة المدرسية. وخلال الموسم الدراسي 2023-2024 تم الترخيص ل2457 مرافقا ومرافقة، فيما قدرت الكلفة السنوية التي تتحملها الأسر بأكثر من 73 مليون درهم.
وأوصى المرصد بتحويل برنامج دعم التمدرس من قطاع التضامن إلى قطاع التربية الوطنية، معتبرا أن هذا الخيار من شأنه تعزيز النجاعة وتحسين حكامة تدبير الدعم.
♦قصور بيداغوجي وضعف التنسيق القطاعي
رصد التقرير افتقار جزء مهم من أطر التدريس لمقاربات بيداغوجية تطبيقية ملائمة للتعليم الدامج، مبرزا أن أغلب التكوينات المقدمة تركز على الجوانب النظرية أكثر من الجوانب العملية، ما ينعكس سلبا على جودة التدريس.
كما سجل ضعف انفتاح نموذج “مدارس الريادة” على التنوع الوظيفي والإعاقات المختلفة، نتيجة غياب البعد الدمجي من الإطارات المرجعية المعتمدة، الأمر الذي يحد من فعالية الأساليب البيداغوجية المطبقة، خاصة بالنسبة للتلاميذ ذوي اضطرابات التعلم.
وذهب إلى ضرورة تمكين التلاميذ ذوي الصعوبات التعليمية من متابعة الدراسة وفق مستويات مناسبة لقدراتهم طوال السنة الدراسية، عبر تفعيل آلية المشروع الشخصي المفردن.
ونبه التقرير إلى إغفال منظومة التوجيه المدرسي لخصوصيات التلاميذ في وضعية إعاقة، وعدم إدماج مجزوءة التعليم الدامج ضمن التكوين الأساسي بمركز التوجيه والتخطيط التربوي.
وسجل تفاوتا في انخراط القطاعات الحكومية المعنية في دعم التعليم الشامل، خاصة قطاع الصحة الذي ما زال يعاني من محدودية خدمات التشخيص المبكر للاضطرابات العصبية النمائية واضطرابات التعلم، إضافة إلى ضعف خدمات الدعم والتأهيل داخل قاعات الموارد.
كما رصد اختلالات على مستوى قطاع التكوين المهني، تتمثل في محدودية العرض التكويني الدامج وعدم ملاءمة شروط الولوج الحالية للشباب ذوي الإعاقات، خصوصا اشتراط مستويات دراسية معينة للحصول على دبلومات التخصص أو التأهيل المهني.
وأوصى التقرير بتعويض بعض الشهادات الدراسية المطلوبة بمقابلات واختبارات عملية تثبت الكفايات الأساسية والقدرات المهنية للمرشحين، بما يضمن تكافؤ الفرص.
واقترح إحداث شبكة وطنية للمراكز المرجعية للتدرج المهني الدامج في إطار شراكات بين قطاع التكوين المهني والجهات والجمعيات المتخصصة، بمعدل مركز مرجعي واحد على الأقل بكل جهة، مع تنويع التخصصات المطلوبة في سوق الشغل وتوفير تحفيزات مناسبة.
كما دعا إلى تمكين خريجي برامج التدرج المهني من منحة مالية تصل إلى 50 ألف درهم لإطلاق مشاريع مدرة للدخل بشراكة مع أسرهم، بهدف تعزيز فرص التشغيل الذاتي.
وانتقد التقرير ضعف التنسيق الذي تضطلع به وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة في تسريع إصدار النصوص التنظيمية المرتبطة بتفعيل القانون الإطار 97.13، فضلا عن التأخر في اعتماد النظام الجديد لتقييم الإعاقة وتفعيل مسطرة الاعتماد الخاصة بمهن العمل الاجتماعي المرتبطة بالتعليم الدامج.
وفي السياق ذاته، سجل المرصد ضعف انخراط الجماعات الترابية في تعزيز الولوجيات بالمؤسسات التعليمية، ومحدودية خدمات النقل المدرسي الولوج، فضلا عن ضعف مساهمتها في برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للتلاميذ في وضعية إعاقة.
وخلص التقرير إلى أن تحقيق تعليم دامج ومنصف يتطلب مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي الحالي، وتعزيز التمويل العمومي، وتطوير المقاربات البيداغوجية، وتعبئة مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية لضمان حق الأطفال في وضعية إعاقة في تعليم ذي جودة وعلى قدم المساواة مع باقي التلاميذ.

