أفاد بنك المغرب بأن الكتلة النقدية (M3) واصلت منحاها التصاعدي خلال شهر ماي 2026، بعدما ارتفع معدل نموها السنوي إلى 12.1 في المائة، مقابل 11.9 في المائة في أبريل، ليستقر إجمالي حجمها عند 2149.5 مليار درهم، في مؤشر يعكس استمرار دينامية النشاط الاقتصادي وتطور مستويات السيولة داخل الاقتصاد الوطني.
ويبرز التقرير الأخير للبنك المركزي أن هذا الأداء يأتي في سياق تحسن مختلف المؤشرات المالية، مدفوعا بارتفاع وتيرة التمويل البنكي وتعزيز الاحتياطيات الرسمية من العملة الأجنبية، إلى جانب تغيرات في سلوك الأسر والمقاولات في تدبير أصولها النقدية.
♦تسارع نمو الكتلة النقدية
عزا بنك المغرب تسارع نمو الكتلة النقدية إلى التحسن المتزامن في أبرز مكوناتها، وفي مقدمتها القروض البنكية، والاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي، فضلا عن تطور بنية الأصول المالية التي يحتفظ بها الفاعلون الاقتصاديون.
وأوضح أن هذه المؤشرات تعكس حركية اقتصادية متواصلة، ساهمت في تعزيز مستويات السيولة داخل السوق الوطنية، كما توفر صورة أوضح عن توجهات الاستثمار والاستهلاك لدى الأسر والمقاولات خلال الفترة الأخيرة.
وأكد التقرير أن الأصول الاحتياطية الرسمية سجلت نموا لافتا، بما عزز أحد أهم محركات التوسع النقدي، في وقت يعكس فيه هذا التطور ارتفاع الثقة في المنظومة المالية وقدرتها على مواكبة الطلب المتزايد على التمويل.
وأشار إلى أن السياسة النقدية تواصل تحقيق توازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الماكرو-اقتصادي، رغم التحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية والدولية.
وأظهرت المعطيات الإحصائية مساهمة متفاوتة لمكونات الكتلة النقدية في هذا النمو، إذ شهدت بعض الأصول السائلة إقبالا أكبر مقابل تباطؤ نسبي في أصول أخرى، بما يعكس إعادة توزيع المحافظ المالية وفقا لأولويات الفاعلين الاقتصاديين.
وكشفت هذه التطورات عن مرونة النظام البنكي المغربي في تدبير التحولات الموسمية والدورية التي تؤثر في مستويات السيولة ومسارات انتقالها بين الادخار والاستثمار.
وعزز هذا النمو قدرة المؤسسات البنكية على مواصلة تمويل المشاريع الاستثمارية والتنموية، فيما أظهرت المقابلات الرئيسية للكتلة النقدية، خاصة صافي المطالبات على الإدارة المركزية والائتمان الموجه للقطاع غير المالي، توازنا في توزيع التمويل بين احتياجات الدولة ومتطلبات القطاع الخاص، بما يدعم متانة الأسس المالية للاقتصاد الوطني.
♦انتعاش ملحوظ في القروض
سجلت القروض البنكية الموجهة للقطاع غير المالي نموا سنويا بنسبة 8.9 في المائة خلال ماي، مقابل 8 في المائة في أبريل، مواصلة بذلك منحاها التصاعدي.
وأبرز بنك المغرب أن هذا التطور يعود أساسا إلى الارتفاع الكبير في التمويلات الموجهة للقطاع العام خارج الإدارة المركزية، والتي انتقلت من 29.3 إلى 39.5 في المائة، فيما ارتفعت القروض المخصصة للشركات غير المالية العمومية إلى 15.5 في المائة مقابل 5.4 في المائة قبل شهر.
واعتبر التقرير أن هذا الارتفاع يعكس تسارع وتيرة المشاريع الاستثمارية والتنموية التي تنفذها المؤسسات العمومية في عدد من القطاعات الحيوية.
في المقابل، حافظ القطاع الخاص على وتيرة نمو مستقرة عند 5.2 في المائة، بينما ارتفعت القروض الموجهة للشركات غير المالية الخاصة إلى 6.3 في المائة مقابل 2.7 في المائة، وهو ما يعكس تحسن ثقة المستثمرين واتجاههم نحو توسيع استثماراتهم.
كما بلغت وتيرة نمو القروض الموجهة للأسر 3.5 في المائة، بما يؤكد استمرار الطلب على التمويلات السكنية والاستهلاكية والشخصية رغم استمرار بعض الضغوط الاقتصادية.
وأبانت المعطيات الخاصة بطبيعة القروض عن تباين في أداء مختلف أصناف التمويل، إذ ارتفع نمو تسهيلات الخزينة إلى 4.3 في المائة مقابل 1.4 في المائة، في دلالة على تزايد احتياجات المقاولات إلى السيولة قصيرة الأجل لتغطية نفقات التشغيل.
في حين واصلت قروض التجهيز الحفاظ على وتيرة نمو مرتفعة بلغت 26.1 في المائة، ما يعكس استمرار توجه المقاولات نحو الاستثمار في المشاريع الرأسمالية.
بالموازاة مع ذلك، تراجعت وتيرة نمو القروض العقارية إلى 3.2 في المائة بعدما بلغت 3.6 في المائة، كما انخفض نمو القروض الاستهلاكية إلى 4.2 في المائة مقابل 4.7 في المائة، في مؤشر على توجه أكثر تحفظا في الإنفاق والاقتراض.
ورصد التقرير ارتفاع الديون معلقة الأداء بنسبة 4.9 في المائة مقابل 2.6 في المائة في أبريل، لترتفع نسبتها إلى إجمالي القروض من 8.3 إلى 8.4 في المائة، معتبرا أن هذه المستويات تظل ضمن الحدود الاحترازية، وتعكس قدرة البنوك المغربية على تدبير المخاطر الائتمانية بفضل منظومة المراقبة وتكوين المؤونات.
♦حركة الأصول النقدية المتنوعةرصء
أظهرت مكونات الكتلة النقدية تباينا في معدلات نموها، متأثرة أساسا بالاستعدادات الموسمية المرتبطة بعيد الأضحى.
وقفز معدل نمو التداول النقدي خارج البنوك إلى 22.4 في المائة بعدما كان في حدود 18.4 في المائة، نتيجة ارتفاع الطلب على السيولة النقدية لتغطية مصاريف العيد والمعاملات التجارية المرتبطة به.
في المقابل، تباطأ نمو الودائع تحت الطلب إلى 11.8 في المائة مقابل 12.2 في المائة، بفعل لجوء عدد من المودعين إلى سحب جزء من أرصدتهم وتحويلها إلى سيولة نقدية، رغم استمرار هذه الودائع في تشكيل المكون الأكبر للسيولة المتداولة داخل الاقتصاد.
وسجلت الحسابات والودائع لأجل تراجعا سنويا بنسبة 7.7 في المائة مقابل 2.7 في المائة سابقا، بما يعكس تفضيل المستثمرين والأسر الاحتفاظ بأصول أكثر سيولة أو توجيهها نحو استثمارات توفر مرونة وعوائد أسرع.
كما تراجعت وتيرة نمو استثمارات هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة (OPCVM) النقدية إلى 22.1 في المائة مقابل 24.8 في المائة، في إطار إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية بعد فترات من النمو القوي.
وأبرز التقرير، حسب توزيع الأصول النقدية بين مختلف الفئات، أن الأصول النقدية للأسر واصلت نموها لتبلغ 8.8 في المائة مقابل 8.7 في المائة، مدعومة بارتفاع الودائع تحت الطلب وزيادة الاستثمار في الصناديق النقدية.
في المقابل، تباطأت وتيرة نمو الأصول النقدية للشركات غير المالية الخاصة إلى 12.3 في المائة بعدما بلغت 14.5 في المائة، نتيجة استمرار تراجع الحسابات لأجل وانخفاض الاستثمار في الصناديق النقدية، وهو ما يعكس اختلاف استجابات الفاعلين الاقتصاديين للتحولات المالية والظروف الموسمية.

