أفاد تقييم جديد صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي بأن حصيلة تنزيل النموذج التنموي الجديد بعد خمس سنوات تكشف تقدما جزئيا في بعض المؤشرات، مقابل استمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى، خصوصا على مستوى النمو، التشغيل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
♦حصيلة تنموية غير مكتملة بالمغرب
سجل المغرب خلال السنوات الخمس الماضية مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بتنزيل النموذج التنموي الجديد، غير أن حصيلة هذه المرحلة، وفق المعطيات التقييمية، تظل غير مكتملة وتخضع لتباين واضح بين الطموحات المعلنة والنتائج المحققة فعليا، مبينا أنهة تحققت مكاسب نسبية على مستوى صمود الاقتصاد الوطني في مواجهة الصدمات الخارجية، لكن دون بلوغ مستويات النمو المستهدفة.
ورصد التقييم أن الاقتصاد الوطني أظهر قدرة على التكيف مع الظرفية الدولية المتقلبة، خاصة في فترات الأزمات المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية وسلاسل التوريد، مبرزا أن هذا الصمود لم يترجم إلى دينامية قوية ومستدامة في خلق الثروة، حيث ظل معدل النمو أقل من سقف التطلعات التي رسمها النموذج في مرحلته التأسيسية.
وأبان الوثيقة أن الاستثمار العمومي لعب دورا حاسما في الحفاظ على توازن الاقتصاد، من خلال ضخ استثمارات مهمة في البنيات التحتية وتعزيز القطاعات الاجتماعية الأساسية، مضيفا أن هذا الدور، رغم أهميته، لم يواكبه نفس الزخم من طرف الاستثمار الخاص، الذي بقي محدود الأثر في عدد من القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.
وفي السياق ذاته، كشفت المعطيات أن السياسات القطاعية المتعلقة بالتعليم والصحة عرفت إطلاق إصلاحات مهمة، لكنها ما تزال في مرحلة انتقالية غير مكتملة، مردفا أنه إذ لم تنعكس هذه الإصلاحات بشكل ملموس وكاف على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ما يعكس فجوة بين مستوى التخطيط الاستراتيجي ووتيرة التنفيذ الميداني.
♥تحديات تنزيل النموذج التنموي
أظهرت نتائج التقييم أن تنزيل النموذج التنموي الجديد واجه تحديات بنيوية وإجرائية معقدة، في مقدمتها تعقيد المنظومة الإدارية وضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين، مبينا أن هذا الوضع أدى إلى بطء نسبي في تنفيذ عدد من البرامج الإصلاحية، وإلى تفاوت في مستويات الإنجاز بين القطاعات.
كما سجل التقرير استمرار إشكالات الحكامة العمومية، خاصة في ما يتعلق بفعالية الإنفاق العمومي وقياس الأثر الفعلي للسياسات العمومية، مسترسلا أن اعتماد مقاربات جديدة تقوم على النتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن تفعيلها على أرض الواقع ما يزال يواجه صعوبات مرتبطة بالمساطر وبنية القرار الإداري.
وأفاد أن أبرز التحديات التي وقف عندها التقييم استمرار الفوارق المجالية بين الجهات، رغم التوجه نحو ترسيخ الجهوية المتقدمة، مبؤزا أن المعطيات أظهرت وجود تفاوت في وتيرة التنمية بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الجهات ذات الجاذبية الاقتصادية وتلك الأقل اندماجا في الدورة الإنتاجية الوطنية.
أما على مستوى سوق الشغل، كد التقرير استمرار اختلالات بنيوية عميقة، أبرزها ارتفاع نسب البطالة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
كما لفت إلى هيمنة القطاع غير المهيكل في عدد من الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على خلق وظائف مستقرة ومؤهلة.
وفي جانب التمويل، أوضحت الوثيقة أن تعبئة الموارد اللازمة لتنزيل الإصلاحات الكبرى تصطدم بإكراهات مالية مرتبطة بتوازنات الميزانية العمومية، إضافة إلى محدودية بعض مصادر النمو التقليدية. وهو ما يفرض، وفق التقييم، البحث عن آليات جديدة للتمويل، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
واعتبرت النتائج أن أحد أبرز الإشكالات يكمن في غياب نفس إصلاحي طويل المدى يضمن استمرارية السياسات العمومية، حيث ما يزال التدبير المرحلي يؤثر على استقرار الرؤية الاستراتيجية ويحد من فعالية التنفيذ.
♦آفاق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي
تتجه التوقعات، وفق الوثيقة التقييمية، نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأولويات التنموية، حيث يرتقب أن يحظى ملف العدالة الاجتماعية بتعزيز أكبر، إلى جانب تقوية تنافسية الاقتصاد الوطني في سياق دولي يتسم بالتحول الرقمي وتسارع الانتقال الطاقي. ويبرز هنا دور الاستباق الاستراتيجي في صياغة السياسات العمومية المستقبلية.
وفي هذا الإطار، دعت الوثيقة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات المرتبطة بتحسين مناخ الأعمال، باعتباره مدخلا أساسيا لجذب الاستثمار الخاص المنتج، وخلق فرص شغل قادرة على امتصاص البطالة، خصوصا في صفوف الشباب،ط مشددا على ضرورة دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها رافعة أساسية للاقتصاد الوطني.
كما أوصت المعطيات بضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف السياسات القطاعية، وتجاوز منطق التدخلات المعزولة، نحو مقاربة مندمجة تقوم على الالتقائية وقياس الأثر.
وفي السياق نفسه، تم التأكيد على أهمية اعتماد مؤشرات دقيقة وواقعية لقياس نتائج السياسات العمومية، بدل الاقتصار على الأرقام الكمية التقليدية.
وأبرز التقييم كذلك أهمية تقوية آليات التتبع والمراقبة المستمرة، بما يسمح بتصحيح الانحرافات في وقت مبكر، وضمان فعالية أكبر في تنفيذ البرامج التنموية،مبرزا على ضرورة تحديث أدوات الحكامة وتعزيز الشفافية وربط القرار العمومي بالنتائج الملموسة.
وخلصت القراءة العامة إلى أن النموذج التنموي الجديد يشكل إطارا طموحا لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد، لكنه يظل مرهونا بقدرة الفاعلين على تجاوز معيقات التنفيذ، وتكريس إرادة سياسية وإدارية منسجمة تضمن استمرارية الإصلاح ونجاعته على المدى البعيد.

