حذر مصطفى صغيري الدكتور في القانون العام والعلوم السياسية، من التحول المتسارع في مقاربة الامتحانات الوطنية نحو منطق تقني يقوم على المراقبة المكثفة، معتبرا أن النقاش الذي رافق امتحانات البكالوريا الأخيرة تجاوز سؤال محاربة الغش ليطرح بعمق سؤال الثقة في المدرسة المغربية وطبيعة النموذج التربوي الذي يتم بناؤه.
وأوضح الصغيري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التركيز على أجهزة الكشف الذكية لا ينبغي أن يحجب النقاش الحقيقي، لأن الإشكال لا يتعلق بفعالية التكنولوجيا في حد ذاتها، بل بنوع الرسالة التي توجهها المؤسسة التعليمية للتلاميذ، حين تقدم المراقبة كأولوية على حساب الثقة.
وأضاف أن تقديم هذه الأجهزة كإنجاز إصلاحي يعكس توجها يعتبر الغش مشكلة تقنية فقط، في حين أن جذوره أعمق وتمتد إلى اختلالات تربوية واجتماعية مرتبطة بجودة التعليم، وتكافؤ الفرص، ومصداقية المدرسة العمومية.
وأكد أن أخطر ما قد تواجهه المدرسة ليس ضعف الوسائل، بل تآكل الثقة في المتعلمين، محذرا من تحول التلميذ من “مترشح للنجاح” إلى “مشتبه فيه”، وهو ما يعكس تحولا في فلسفة الفعل التربوي نحو منطق الارتياب بدل البناء.
وشدد على أن المدرسة ليست فضاء للمراقبة فقط، بل مؤسسة لتكوين الإنسان، وأن الامتحان لحظة تربوية وأخلاقية تعكس رؤية الدولة لمواطنيها في طور التكوين، وليس مجرد آلية تقنية للفرز والانتقاء.
واعتبر أن اختزال محاربة الغش في أدوات التفتيش والمراقبة يمثل معالجة سطحية للنتائج بدل مواجهة الأسباب الحقيقية، لأن الغش لا يظهر بسبب غياب الأجهزة، بل نتيجة ضعف الإيمان بالاستحقاق وتراجع العدالة التربوية.
وأبرز أن التجارب الدولية تؤكد أن بناء منظومات تعليمية قوية لا يقوم على الرقابة وحدها، بل على التوازن بين الثقة والمحاسبة، حيث تتحول الرقابة دون ثقة إلى ثقافة خوف عامة تهدد علاقة المتعلم بالمؤسسة.
ولفت إلى المفارقة القائمة بين الاستثمار في أدوات المراقبة وبين استمرار التحديات البنيوية للمدرسة المغربية، من اكتظاظ وضعف جودة التعلمات والهدر المدرسي، معتبرا أن هذه القضايا هي جوهر الأزمة وليست الظواهر السطحية.
ودعا إلى إعادة توجيه النقاش نحو إصلاح تربوي عميق يبدأ من القسم وجودة التعلم وترسيخ العدالة التربوية، بدل الاكتفاء بتوسيع أدوات التفتيش، معتبرا أن بناء الثقة داخل المدرسة هو شرط لبناء مواطن واثق في الدولة لاحقا.
وخلص أن مستقبل المدرسة المغربية يرتبط باختيار فلسفي واضح: إما مدرسة تنتج مواطنين قائمين على الثقة والمسؤولية، أو نموذج تربوي يطبع الأجيال على منطق الشبهة، مذكرا بأن الدول لا تبنى بالخوف، بل بالثقة.

