أعلنت استراتيجية الإدماج المالي الوطنية (SNIF) في المغرب عن تحقيق تقدم ملحوظ في مسار تعميم الولوج إلى الخدمات المالية، في إطار مقاربة متعددة المراحل تروم تسريع الإدماج المالي وتعزيز النمو الشامل والمستدام، تحت إشراف المجلس الوطني للإدماج المالي (CNIF) ولجنة التوجيه والتنسيق (CPC) التي تجمع بين الفاعلين العموميين والخواص.
وانطلقت المرحلة الأولى (2019-2023) من الاستراتيجية بالتركيز على إرساء شروط منظومة مالية دامجة، عبر توظيف الرقمنة لتجاوز معيقات الولوج إلى الخدمات المالية، مع استهداف فئات محددة تشمل النساء، والشباب دون 25 سنة، وساكنة القرى، والمقاولات الصغيرة جدا والصغرى (TPE/TPME).
وسجلت الاستراتيجية، مع نهاية سنة 2023، نسبة إنجاز بلغت 78%، مدعومة بعدة أوراش هيكلية، في مقدمتها تعميم الأداء عبر الهاتف المحمول، الذي تحول إلى قناة رئيسية لتفكيك الطابع المادي للمعاملات المالية، خصوصا في توزيع المساعدات الاجتماعية المباشرة (ASD) ومنح برنامج “تيسير”، حيث بلغ عدد المشتركين في المحافظ الإلكترونية (M-Wallet) حوالي 10.4 ملايين.
وعرفت منظومة التمويل الأصغر تطورا لافتا، عقب اعتماد القانون رقم 50-20 الذي مكن جمعيات التمويل الصغير من التحول إلى مؤسسات ائتمانية، بما يسمح لها بتقديم خدمات الادخار الصغير والتأمين المصغر، في خطوة تعزز الشمول المالي للفئات الهشة.
كما توسع عرض التأمين الشامل بعد إدخال تعديلات تنظيمية سمحت لمؤسسات الأداء بتوزيع منتجات التأمين المصغر، حيث حصلت ست مؤسسات أداء على تراخيص رسمية لهذا النشاط إلى حدود سنة 2023.
وعملت البنوك، من بينها البريد بنك والقرض الفلاحي للمغرب، على توسيع التغطية القروية عبر اعتماد وكالات متنقلة، بهدف تقريب الخدمات المالية من الجماعات القروية غير المخدومة.
وفي موازاة ذلك، شهد الإطار التشريعي تقدما مهما من خلال اعتماد قوانين مرتبطة بالتمويل التشاركي (crowdfunding) سنة 2021، ومكاتب معلومات الائتمان (BIC)، ثم هيئات التوظيف الجماعي في رأس المال (OPCC) سنة 2023، بما ساهم في تنويع أدوات التمويل.
وسجلت البنية التحتية للخدمات المالية توسعا واضحا، إذ بلغ عدد نقاط الولوج إلى الخدمات المالية 34.735 نقطة سنة 2023، فيما ارتفعت نسبة الجماعات القروية التي تتوفر على نقطة ولوج إلى 38% مقابل 25% سنة 2017.
كما ارتفع عدد حاملي الحسابات البنكية إلى 15 مليون شخص مع نهاية 2023، مسجلا زيادة بنسبة 4% مقارنة بالسنة السابقة، ما يعكس اتساع قاعدة الولوج إلى النظام البنكي، كما عززت مؤسسة التثقيف المالي بالمغرب (FMEF) هذا المسار عبر تكوين أكثر من 47 ألف مستفيد سنة 2023، مع تركيز خاص على النساء (59%) وساكنة المناطق القروية (36%)، بهدف ترسيخ الاستخدام المسؤول للخدمات المالية.
ورغم هذه النتائج، ما تزال الاستراتيجية تواجه تحديات بنيوية، أبرزها الفجوة بين الجنسين في التوفر على الحسابات البنكية بنسبة 23%، واستمرار هيمنة المعاملات النقدية على جزء مهم من المبادلات الاقتصادية.
وتستعد المرحلة الثانية من الاستراتيجية، التي جرى إعدادها سنة 2023، لإطلاق إجراءات أكثر استهدافا، من بينها توسيع استخدام الخدمات المالية الرقمية بشكل واسع، وتعميق إدماج النساء والمقاولات الصغيرة جدا، مع مواءمة الجهود مع استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”.
كما تراهن المرحلة الجديدة على تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية، خصوصا في الوسط القروي، عبر توظيف أدوات الإدماج المالي، إضافة إلى ربط الخدمات المالية بمنظومة الحماية الاجتماعية لضمان استدامة الاستفادة لدى الفئات الهشة.

