في خطوة تعكس مزيجًا من الحذر والتفاؤل، قرر مجلس بنك المغرب، خلال اجتماعه الفصلي الثاني لسنة 2025، الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2,25%، رغم تراجع التضخم إلى مستويات شبه دنيا (0.4%) وتسارع ملحوظ في وتيرة النمو (4.6%)، خاصة في القطاعات غير الفلاحية.
وهذا القرار جاء محاطًا بسياق داخلي يدعو للاطمئنان النسبي، مدعومًا بانخفاض أسعار المواد الغذائية وتحسن آفاق الميزانية العامة، لكنه يتقاطع في الآن ذاته مع واقع خارجي متقلب، يتسم بتباطؤ الاقتصاد العالمي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والتحولات في السياسات النقدية للدول الكبرى.
الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي وسط تباطؤ ملحوظ في التضخم ونمو اقتصادي قوي متوقع
❖ قرار متوقع
اعتبر محمد جذري، المحلل والخبير الاقتصادي ومدير مرصد العمل الحكومي، أن قرار بنك المغرب تثبيت سعر الفائدة الرئيسي في 2.25% كان متوقعًا بالنظر إلى مجموعة من المؤشرات الدولية والوطنية المتداخلة، وفي مقدمتها تباطؤ التضخم، واستقرار أسعار النفط، وتوجهات البنوك المركزية الكبرى نحو سياسات نقدية تيسيرية.
وأبرز جذري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الخيار يندرج في إطار استراتيجية دعم الانتعاش الاقتصادي وتسهيل الولوج إلى التمويلات البنكية، خصوصًا لفائدة المقاولات الصغيرة جدًا والأسر.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وشدد جذري على أهمية هذا المستوى من سعر الفائدة في تحفيز الطلب الداخلي، وتحسين شروط التمويل، وتعزيز خلق فرص الشغل، محذرا في الوقت ذاته من التأثيرات المحتملة لحالة عدم اليقين العالمي وتداعيات النزاعات الجيوسياسية.
وأشار مدير مرصد العمل الحكومي، إلى أن المحافظة على هذا المسار يبقى رهينًا بتطورات الاقتصاد العالمي، ومحصول الموسم الفلاحي، وسلوك السوق الطاقية.
❖ مؤشرات دولية مطمئنة
يبرز محمد جذري أن السياق الدولي يعد عاملًا حاسمًا في قرارات بنك المغرب، مشيرا إلى أن معدلات التضخم على المستوى العالمي شهدت تباطؤًا ملحوظًا، بعد أن كانت في حدود 8% إلى 10% في السنوات السابقة، لتصل اليوم إلى معدل عالمي يقارب 3%.
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي أن هذه التطورات الأخيرة التي شهدها الاقتصاد العالمي؛ شكلت قاعدة تسمح بتخفيف السياسة النقدية دون أن تشكل خطرًا على استقرار الأسعار.
وأشار إلى أن البنك المركزي الأوروبي خفّض سعر الفائدة للمرة السابعة على التوالي، بينما اختار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيتها، ما يؤشر إلى توجه عالمي نحو التيسير النقدي.
الحكومة تخطط لزيادة معدل النمو إلى 4.6 % في 2025.. فهل يجد هذا الرقم صدا له على أرض الواقع؟
وأكد أن هذا التقارب في السياسات يعكس وجود تنسيق غير مباشر هدفه ضمان حد أدنى من الاستقرار النقدي في ظل اضطرابات الاقتصاد العالمي، ويدعم في الوقت ذاته المسار المغربي في هذا الجانب.
أما أسعار النفط، التي تعتبر محددًا مهمًا بالنسبة لاقتصاديات الدول المستوردة للطاقة مثل المغرب، فقد ظلت بحسب جذري في مستويات مقبولة نسبيًا، تتراوح بين 60 و70 دولارًا للبرميل، رغم التوترات الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وهو ما يساهم في تخفيف الضغوط على التوازنات المالية الوطنية.
❖ تحولات وطنية مشجعة
على المستوى المحلي، يرى جذري أن المغرب يعيش لحظة اقتصادية انتقالية، تسجل فيها مؤشرات التضخم تحسنًا ملحوظًا، حيث يتوقع أن يُختتم عام 2025 بنسبة لا تتجاوز 1%، مقارنة بـ6.6% سنة 2022 و6.1% سنة 2023، وهو ما يبرر الاستمرار في توجه تيسيري بدل الذهاب نحو تشديد نقدي.
وأبرز أن من بين أولويات الدولة اليوم تحقيق انتعاش اقتصادي فعلي، خاصة عبر تسهيل ولوج المقاولات الصغيرة جدًا والأسر إلى التمويلات البنكية، ما يجعل الحفاظ على سعر فائدة منخفض خيارًا مدروسًا، يسمح بتحريك عجلة الاستثمار الداخلي.
المغرب بين كلفة الطاقة وضغوط التضخم.. هل يعيد صراع إسرائيل وإيران شبح “أزمة أوكرانيا”؟
ولفت إلى الأثر الإيجابي الذي خلفه تخفيض سعر الفائدة خلال الفصول الماضية، حيث انخفضت تكلفة الاقتراض بنسبة 0.45%، ما ساعد المقاولات والأفراد على الاستفادة من شروط تمويلية ميسرة، خاصة في القروض العقارية والاستهلاكية، وهو ما يساهم بدوره في تنشيط السوق الداخلية.
❖ تحفيز الطلب والإنتاج
يعتبر جذري أن تثبيت سعر الفائدة في هذا المستوى المنخفض سيساهم في رفع الطلب الداخلي، باعتباره محركًا رئيسيًا للنمو، إذ مع تيسير شروط التمويل، يرتفع الإقبال على القروض، مما ينعكس إيجابًا على الاستثمار والإنتاج والاستهلاك، ومن ثم على خلق مناصب الشغل.
وأوضح أن السياسة النقدية التوسعية تلعب دورًا مركزيًا في ضخ السيولة وتحفيز الدينامية الاقتصادية، لكنها ليست كافية وحدها، إذا لم تتكامل مع سياسات مالية واستثمارية متوازنة تضمن استدامة هذا النمو.
القطار فائق السرعة بين مراكش والقنيطرة.. بوابة تنمية جهوية متوازنة وآفاق اقتصادية جديدة للمغرب
في المقابل، حذر من الإفراط في التفاؤل، موضحًا أن الطلب الداخلي ما يزال هشًا، وقد يتأثر سريعًا بأي تغييرات خارجية، خصوصًا في حال ارتفاع مفاجئ لأسعار الطاقة أو حدوث اختلالات في الموسم الفلاحي، ما يستوجب التعامل مع الوضع بسياسات مرنة واستباقية.
❖ تحديات اليقين الدولي
من بين أبرز ما ركز عليه جذري، وجود درجة عالية من الغموض في المشهد الجيو-اقتصادي العالمي، نتيجة الحروب الممتدة في غزة وأوكرانيا ولبنان، وتهديدات إغلاق مضيق هرمز، والتقلبات المرتبطة بالانتخابات الأمريكية وسياسات الحماية التجارية.
وأكد أن هذا المناخ يؤثر مباشرة على مزاج المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين، ويحد من إمكانيات التوقع الدقيق، ما يجعل من تثبيت سعر الفائدة خيارًا متوازنًا، يحافظ على استقرار السياسة النقدية دون المجازفة.
كما نبه إلى أن هذه التوترات قد تؤثر على سلاسل التوريد وأسعار المواد الأولية، وبالتالي على الكلفة النهائية للإنتاج والاستهلاك، ما يجعل من الضروري التوفر على هامش تحرك واسع يمكن بنك المغرب من التفاعل الفوري مع أي تغير مفاجئ.
❖ شروط الاستدامة الاقتصادية
يشدد محمد جذري على أن الاستفادة المثلى من السياسة النقدية الحالية مشروطة بعدة عوامل؛ أبرزها تحقيق موسم فلاحي متوسط على الأقل؛ أي ما بين 40 و45 مليون قنطار من الحبوب، للحفاظ على التوازن الغذائي والحد من التضخم الغذائي.
وأكد على ضرورة تعزيز السلم والاستقرار الإقليمي والدولي، باعتبارها شروطًا أساسية لبقاء أسعار الطاقة في مستويات مقبولة، ما يخفف الضغط على المالية العمومية ويساهم في تقوية القدرة الشرائية للمواطنين.
وخلص إلى أن السياسة النقدية التيسيرية التي ينهجها بنك المغرب تظل خيارًا واقعيًا وملائمًا في الظرفية الحالية، لكنها تتطلب تفعيلًا موازيًا لبرامج دعم المقاولات، وتحسين مناخ الأعمال، وتحفيز الاستثمار العمومي والخاص، حتى يتحول هذا التوجه من مجرد أداة ظرفية إلى دعامة هيكلية للنمو الشامل والمستدام.

