في جلسة مشتركة أمس الخميس، عقدت لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، ولجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين، اجتماعاً حضره رئيس مجلس النواب، خُصص لعرض تنفيذ ميزانية 2025 وتقديم الإطار العام لإعداد مشروع قانون مالية 2026، تطبيقاً للمادة 47 من القانون التنظيمي للمالية، ووفق مقتضيات النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.
وهذا الاجتماع يُعد لحظة محورية في مسار الرقابة البرلمانية على السياسات العمومية، لا فقط لما يستند إليه من مرجعيات قانونية ودستورية، بل أيضاً بالنظر إلى الظرفية الاقتصادية الدولية المعقدة، وتداعياتها المباشرة على الاقتصاد الوطني، مقابل استمرار التخبط الحكومي في مقاربة الوضعية الاجتماعية والمالية بالبلاد.
♦غياب في الشكل… وارتباك في المضمون
في تدوينة مطوّلة نشرها على صفحته الرسمية، عبّر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عن انتقاده الشديد للإطار العام لقانون مالية 2026، كما قدمته الحكومة خلال اجتماع مشترك للجنتي المالية بمجلسي البرلمان بتاريخ 24 يوليوز 2025.
بووانو استهل ملاحظاته بالشق الشكلي، مسجلاً غياب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، رغم ارتباطه المباشر بمحور تنفيذ ميزانية 2025، وهو غياب قال إنه يطرح أكثر من علامة استفهام.
كما لفت إلى وجود أشخاص على منصة القاعة لا يحملون صفة رسمية واضحة، قُدم بعضهم كمستشارين خاصين، في استمرار واضح لما وصفه بـ”خلط الشخصي بالمؤسساتي”، وهي ممارسة اعتبر أن الحكومة اعتادتها.
أما على مستوى العرض المقدم من طرف وزيرة الاقتصاد والمالية، فقد وصفه بووانو بأنه اتسم بتفاؤل مبالغ فيه، لا يعكس حقيقة الظرفية الاقتصادية الراهنة، لا داخلياً ولا دولياً.
وذكّر بتجاهل العرض الحكومي للانعكاسات الخطيرة للحرب في غزة على سلاسل التوريد والملاحة الدولية، وللتوتر التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذي يشكل الشريك الاقتصادي الأول للمغرب.
واعتبر بووانو أن الحكومة مازالت تراهن على التساقطات المطرية كمعطى رئيسي لصياغة فرضيات النمو، وهو في رأيه رهان هش وغير مسؤول، نظراً لكونه يخضع لمتغيرات مناخية غير مضمونة.
♦خلل في المرجعيات… وتشكيك في مصداقية المؤشرات
واصل بووانو نقده للمنهجية الحكومية، مسجلاً ما وصفه بـ”غياب الموضوعية في اعتماد المعطيات”، حيث يتم توظيف مؤشرات اقتصادية من سنوات مختلفة بطريقة انتقائية، تخدم فقط الخطاب الترويجي للحكومة، حيث مرة تعتمد معطيات من سنة 2019، وأحياناً من 2020 أو 2021، مما يُربك القراءة التحليلية ويفرغها من مضمونها.
ودعا بووانو إلى توحيد المرجعيات، مقترحاً اعتماد الخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية كمرجعية اقتصادية ثابتة، بما يضمن النزاهة في التقييم، ويُحصّن النقاش السياسي من التلاعب بالمؤشرات.
وانتقد كذلك الفرضيات المالية الكبرى التي اعتمدتها الحكومة، واصفاً إياها بغير الواقعية وغير المبنية على أسس علمية صلبة، مما يهدد الثقة في المناخ الاقتصادي، ويضعف قدرة المغرب على جذب الاستثمارات الأجنبية.
واستدل بووانو على ذلك بالتراجع الكبير في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المغرب سنة 2024، التي لم تتجاوز 1.6 مليار دولار، رغم الأرقام القياسية التي حققتها إفريقيا في الفترة نفسها.
وذهب أبعد من ذلك بالتلميح إلى احتمال وجود شبكة مصالح ضيقة تستفيد من ضعف الشفافية، مشيراً إلى وجود مستثمرين مقربين من رئيس الحكومة في قطاعات بعينها، مما يثير تساؤلات حول مدى خضوع قرار جذب الاستثمارات لمنطق المصلحة الوطنية.
♦عجز متزايد، سيادة غذائية مهددة، وربح فاحش في المحروقات
في القسم الثالث من مداخلته، ركّز بووانو على الاختلالات الهيكلية في التجارة الخارجية، مشيراً إلى أن الصادرات المغربية بلغت 198 مليار درهم مقابل واردات تجاوزت 331 مليار درهم، ما يعكس تفاقم العجز التجاري.
واعتبر أن نوعية الواردات (مواد استهلاكية وتجهيزية وفلاحية) تطرح علامات استفهام، لأن معظمها يمكن توفيره محلياً لو تم دعم الصناعة والإنتاج الوطني.
وفيما يتعلق بالقطاع الفلاحي، سجل بووانو مفارقة صارخة: رغم ارتفاع صادرات الفلاحة بنسبة 22% إلى حدود ماي 2025، فإن أسعار المواد الغذائية لا تزال مرتفعة داخلياً، بل إن المغاربة حُرموا من الأضحية هذه السنة بفعل تدهور القطيع الوطني، مما يعبّر في نظره عن غياب توازن في السياسات القطاعية.
أما فيما يخص ملف المحروقات، فاتهم بووانو الحكومة بعدم الشفافية واستمرار “الربح الفاحش”، مشيراً إلى أن واردات المغرب من الطاقة بلغت 45.6 مليار درهم، دون أن ينعكس ذلك على الأسعار، رغم انخفاض أثمان البترول عالمياً.
وأكد أن أرباح شركات المحروقات، وعلى رأسها شركة رئيس الحكومة، لا تزال فاحشة، بشهادة مجلس المنافسة، مبرزاً أن مصدر استيراد هذه المواد ما يزال غير واضح، ما يُخفي القيمة الحقيقية لهوامش الربح.
وخلص بووانو إلى الحكومة تقدم أرقاماً غير واقعية، وتتجاهل السياق الدولي، وتعتمد فرضيات هشة، في إطار من الغموض والارتباك، يضر بمصداقية السياسات العمومية، ويُفقد الفاعلين الاقتصاديين الثقة في مستقبل الاقتصاد الوطني.

