يسجل استمرار تشغيل الأطفال كإحدى أبرز الإشكالات الاجتماعية داخل المغرب، رغم الجهود المبذولة للحد منه وتعزيز تمدرس الفئات الناشئة، مما يطرح تحديات حقيقية أمام السياسات العمومية في مجال الحماية الاجتماعية.
وتكتسب قضية تشغيل الأطفال أهمية بالغة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحقوق الطفل، وبمسارات التنمية البشرية، وبإعداد رأس مال بشري قادر على دعم دينامية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
وتكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط، الصادرة بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة تشغيل الأطفال لسنة 2026، أن الظاهرة ما تزال قائمة، وإن كانت محدودة نسبيا من حيث نسبتها الإجمالية، غير أنها تعكس اختلالات بنيوية مرتبطة بالفقر والهشاشة وضعف الولوج إلى التعليم، خصوصا في العالم القروي.
وتبرز هذه المؤشرات أن تشغيل الأطفال لا يرتبط فقط بالحاجة الاقتصادية المباشرة للأسر، بل يعكس أيضا تشابكا معقدا لعوامل اجتماعية واقتصادية، تشمل مستوى التعليم، وضعية الدخل الأسري، طبيعة الأنشطة الاقتصادية، والفوارق المجالية بين الوسطين الحضري والقروي.
ويؤكد المصدر ذاته أن عدد الأطفال المشتغلين بالمغرب بلغ خلال سنة 2025 حوالي 103.000 طفل، تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة، وهو ما يمثل نسبة 1,3% من مجموع الأطفال المنتمين إلى هذه الفئة العمرية، مع تسجيل تفاوتات واضحة في توزيع هذه الظاهرة حسب الوسط الاجتماعي والجغرافي والقطاع الاقتصادي.
ويهدف هذا التقرير إلى إبراز أهم خصائص هذه الظاهرة من حيث حجمها وتوزيعها، وتحليل ارتباطاتها الاجتماعية والاقتصادية، مع الوقوف على طبيعة الأعمال التي يزاولها الأطفال ومدى خطورتها، إضافة إلى تسليط الضوء على العوامل الأسرية التي تساهم في استمرارية هذا الوضع.
♦انتشار مقلق داخل المجال القروي
تظهر المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط، أن ظاهرة تشغيل الأطفال تتخذ طابعا مجالاتيا واضحا، حيث تتركز بشكل كبير في الوسط القروي مقارنة بالوسط الحضري. فقد بلغت نسبة الأطفال المشتغلين في القرى حوالي 2,4%، مقابل 0,5% فقط في المدن، ما يعكس بشكل واضح تأثير الفوارق المجالية على انتشار الظاهرة.
ويفسر هذا التفاوت، حسب المصدر ذاته، بارتباط الوسط القروي بأنشطة اقتصادية تعتمد بشكل كبير على العمل اليدوي وغير المهيكل، خاصة في الفلاحة وتربية المواشي والصيد، حيث يسهل إدماج الأطفال في أنشطة أسرية دون مراقبة صارمة أو إطار قانوني واضح.
وتؤكد الأرقام أن 76,2% من الأطفال المشتغلين يعيشون في المناطق القروية، ما يجعل هذا الوسط الحاضن الأساسي للظاهرة. كما أن 69,1% من الأطفال القرويين يشتغلون في قطاع الفلاحة والغابات والصيد، وهو قطاع يعتمد بشكل كبير على المساعدة العائلية، ما يجعل الطفل جزءا من الدورة الإنتاجية للأسرة بدل أن يكون متفرغا للدراسة والتكوين.
وفي المقابل، يتوزع الأطفال المشتغلون في الوسط الحضري على قطاعات مختلفة، حيث يشتغل 51,2% منهم في قطاع الخدمات، و28,4% في الصناعة، وهي قطاعات غالبا ما تستقطب اليد العاملة الهشة وغير المؤهلة، بما في ذلك الأطفال.
كما تكشف المعطيات أن 76,3% من الأطفال المشتغلين في بعض القطاعات الحضرية معرضون لمخاطر مهنية متفاوتة الخطورة، خصوصا في البناء والأشغال العمومية، ما يطرح إشكالات مرتبطة بالسلامة الجسدية والصحية لهذه الفئة.
♦هشاشة التعليم وانقطاع الدراسة
أبرزت المندوبية السامية للتخطيط أن العلاقة بين تشغيل الأطفال والانقطاع عن الدراسة علاقة وثيقة ومباشرة، حيث يشكل التعليم أحد أبرز المحددات لفهم استمرار هذه الظاهرة وتعقيداتها الاجتماعية.
وأظهرت المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن 88% من الأطفال المشتغلين غادروا المدرسة بشكل نهائي، في حين لا تتجاوز نسبة الذين يجمعون بين الدراسة والعمل 11%، مقابل 1% لم يسبق لهم الالتحاق بالمدرسة، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة التعليم في ضمان التمدرس الإلزامي والشامل.
وشددت بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن 89,8% من الأطفال المشتغلين ينتمون إلى الفئة العمرية ما بين 15 و17 سنة، وهي مرحلة تعليمية حساسة يفترض أن تكون مخصصة للتعليم الثانوي أو التكوين المهني، غير أن الواقع يعكس انزياحا مبكرا نحو سوق الشغل.
وبينت إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط أن الذكور يشكلون النسبة الأكبر من الأطفال المشتغلين بنسبة 86,2%، مقابل نسب أقل بكثير لدى الإناث، ما يعكس تباينا في الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع، حيث يدفع الذكور بشكل أكبر نحو الولوج المبكر إلى سوق العمل.
وأوضحت معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن طبيعة أنشطة الأطفال المشتغلين تتسم بانتشار العمل غير المنظم أو داخل إطار عائلي، حيث يشتغل 57,9% من الأطفال القرويين كمساعدين عائليين مقابل 32,6% كأجراء، في حين ينتقل 58,6% من أطفال الوسط الحضري إلى العمل كأجراء، و25% في إطار تعليمي-عملي، و13,5% كمساعدين عائليين.
وذهبت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن العمل المبكر يحد بشكل مباشر من فرص الارتقاء التعليمي والاجتماعي للأطفال، ويسهم في إعادة إنتاج دائرة الفقر داخل الأسر، بما يكرس استمرار الهشاشة الاجتماعية عبر الأجيال.
♦بيئة أسرية تعيد إنتاج الظاهرة
أوردت المندوبية السامية للتخطيط أن تشغيل الأطفال يرتبط بشكل وثيق بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للأسر، حيث تمتد الظاهرة إلى حوالي 73.000 أسرة مغربية، أي ما يعادل 0,8% من مجموع الأسر، مع تسجيل تمركز واضح في الوسط القروي الذي يحتضن نحو 50.000 أسرة مقابل 23.000 في الوسط الحضري.
وسجلت بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن حجم الأسرة يعد عاملا مؤثرا في ارتفاع احتمال تشغيل الأطفال، إذ تتصاعد النسبة تدريجيا مع زيادة عدد أفراد الأسرة، من 0,3% لدى الأسر الصغيرة إلى 2,7% لدى الأسر المكونة من ستة أفراد أو أكثر، بما يعكس حدة الضغوط الاقتصادية داخل الأسر الكبيرة.
وأبانت معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن المستوى التعليمي لرب الأسرة يشكل عاملا حاسما في انتشار الظاهرة، حيث تتزايد نسب تشغيل الأطفال داخل الأسر التي يعاني فيها رب الأسرة من ضعف التمدرس أو الاكتفاء بمستوى ابتدائي، في حين تتراجع بشكل شبه كلي لدى الأسر ذات المستويات التعليمية المرتفعة، ما يكرس الارتباط بين التعليم وكسر دائرة الفقر.
وسجلت إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط أن 34,7% من الأطفال المشتغلين ينتمون إلى أسر يشتغل أربابها في الفلاحة، و25,8% إلى أسر يزاول أربابها أعمالا يدوية، و25,7% إلى أسر تضم أطرا متوسطة ومهنا حرة، مقابل 13,7% ينحدرون من أسر غير نشطة اقتصاديا، ما يعكس تنوعا اجتماعيا مع هيمنة واضحة للهشاشة الاقتصادية.
وأفادت المعطيات بأن 8,9% من هذه الأسر تدار من طرف نساء، وهو مؤشر على تحولات داخل البنية الأسرية، غير أن هذه الوضعية ترتبط في عدد من الحالات بظروف اقتصادية صعبة تفضي إلى إدماج الأطفال مبكرا في سوق الشغل.
واستخلصت المندوبية السامية للتخطيط أن تشغيل الأطفال لا يرتد إلى سبب وحيد، بل ينبثق عن تداخل معقد بين الفقر وضعف التعليم والهشاشة الاقتصادية وغياب بدائل اجتماعية واقتصادية كفيلة بحماية الأطفال من الولوج المبكر إلى سوق العمل.

