تشهد الحالة الجوية بالمملكة المغربية خلال الأيام الأخيرة تقلبات ملحوظة اتسمت بانخفاض درجات الحرارة وعودة التساقطات المطرية إلى عدد من مناطق البلاد بعد فترة من الاستقرار النسبي.
وقد طالت هذه التغيرات الجوية أجزاء واسعة من التراب الوطني، حيث سُجل نشاط سحابي كثيف وهبوب رياح متفاوتة الشدة، ما ساهم في بروز أجواء غير مستقرة طبعت المشهد المناخي العام.
وتشير المعطيات المناخية إلى أن هذه التحولات تندرج ضمن التغيرات المعتادة التي يعرفها فصل الربيع، غير أن حدتها وتواترها خلال فترة زمنية قصيرة لفتا انتباه المتتبعين للشأن البيئي والمائي، في ظل تزايد الاهتمام بتأثير التقلبات المناخية على الموارد الطبيعية والأنشطة المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، تباينت كميات الأمطار المسجلة بين مناطق المملكة، إذ تراوحت بين زخات خفيفة وأمطار متوسطة، مع اختلاف واضح في توزيعها الجغرافي، كما أسهمت هذه التساقطات في رفع مستوى الرطوبة وتحسين وضعية التربة بشكل نسبي في بعض المناطق، بينما ظلت مناطق أخرى تسجل معدلات هطول محدودة.
ومع استمرار هذه التقلبات الجوية، يبرز تساؤل متجدد حول مدى قدرة البنيات التحتية والتدابير الوقائية على الحد من مخاطر الفيضانات المحتملة، خاصة في المناطق المنخفضة والقريبة من مجاري الأودية، حيث قد تؤدي التساقطات القوية إلى تجمعات مائية سريعة قد تؤثر على السير العادي للحياة اليومية.
♦انخفاض الحرارة والاضطراب الجوي
قال محمد بنعطا، الخبير البيئي، إن الوضع الجوي في المغرب يشهد في هذه الفترة انخفاضا واضحا في درجات الحرارة مصحوبا باضطرابات جوية أثرت على حالة الطقس في مختلف المناطق.
وذكر بنعطا في تصريح لجريدة”شفاف”، أن هذا التراجع الحراري المرتبط بامتداد بداية فصل الربيع يأتي بعد موجة من الاستقرار النسبي في بداية الأسبوع، وقد أثار اهتمام مختلف الفاعلين والمتتبعين لتطورات المناخ في البلاد.
وأشار المتحدث إلى أن هذه التحولات المناخية ليست مفاجئة بقدر ما هي امتداد لما تشير إليه بيانات المديرية العامة للأرصاد الجوية من توقعات بانخفاض الحرارة وتساقطات مطرية متفرقة في عدة أقاليم، تشمل السهول الشمالية والوسطى وبعض الأجزاء الشرقية والجنوبية.
وأبان أن هذا الانخفاض رافقه نشاط سحابي مكثف ورياح متفاوتة السرعات في عدد من المناطق، مما يُظهر درجة عدم استقرار جوّي أعلى من المعتاد في هذا الوقت من السنة.
واعتبر بنعطا أن هذه الظاهرة المناخية تتجاوز حدود التوقعات المعتادة، وهي مؤشر يمكن اعتباره جزءا من تغيرات مناخية أوسع نطاقا، تستوجب متابعة دقيقة عبر نماذج الرصد الجوي، وتفعيلا أكبر لآليات الإنذار المبكر والمعالجة العملية للانعكاسات المحتملة.
وفي هذا السياق، لم يخف الخبير تطلعه إلى تعزيز القدرات التحليلية للمؤسسات المناخية الوطنية لضمان قراءة أوضح لمختلف المتغيرات الجوية.
♦عودة التساقطات المطرية
أضاف بنعطا أن التساقطات المطرية العائدة مؤخرا، والتي رصدتها المديرية العامة للأرصاد الجوية في نشراتها الأخيرة، تمثل مؤشرا على أن المنظومة الجوية للمغرب ما زالت قادرة على إنتاج أنماط مطرية منتظمة، ولكن موزعة بشكل غير متساوٍ جغرافيا وزمنيا، وهو ما يتطلب رصدها وتحليلها بمنهجية علمية ثابتة.
ووجّه الخبير الانتباه إلى أن الأمطار التي تميّزت بقدومها في عدد من الجهات، سواء كانت زخات خفيفة في بعض المناطق أو أمطار متوسطة في جهات أخرى، تعكس تنوعا في توزيع التساقطات المتوقعة خلال الموسم الحالي.
وذهب إلى أن هذه التساقطات ليست متجانسة في كمية الهطول ولا في توقيتها، مما يتطلب تمييزا دقيقا بين ما هو انعكاس طبيعي لتقلبات الطقس، وما يمكن اعتباره جزءا من ظاهرة مناخية أوسع.
وأوضح بنعطا أنه في بعض المناطق، تسجل أمطار محلية متقطعة وغير كافية لسد الاحتياجات المائية الأساسية أو لتحسين مستويات المياه الجوفية والسدود، على الرغم من أن تسجيلها يساهم في تحسين الرطوبة الجوية مؤقتا.
وحذر من اعتبار هذه التساقطات بمثابة مؤشر كافٍ على انتهاء فترة الجفاف، لكون هناك تفاوتا واضحا في توزيعها، ما يفرض تبني مقاربة تحليلية أكثر عمقا تعتمد على بيانات دورية وميدانية للمقارنة بين الأعوام الماضية والحالية.
كما أكد أن تسجيل مثل هذه الظواهر المطرية لا يلغي استمرار حالة الجفاف الطويلة الأمد التي تشهدها بعض الأحواض المائية، وهو ما يجعل المسألة أكثر تعقيداً وأهمية في التخطيط البيئي والموارد المائية.
♦مخاوف من الفيضانات
أفاد أوضح محمد بنعطا أن تسجيل انخفاض درجات الحرارة وعودة تساقط الأمطار لا يعني بالضرورة ربط هذه العوامل بخطر فيضانات واسعة النطاق، بقدر ما يتعلق هذا الاحتمال بطبيعة الأمطار وكثافتها، ومدى قدرتها على الامتداد المكاني والزماني، إضافة إلى استعداد البنى التحتية في المناطق المعنية لاستقبال كميات كبيرة من المياه في وقت وجيز.
ولفت إلى أن الفيضانات تتشكل عادة عندما تتزامن أمطار غزيرة مع أرض غير مستعدة لاستيعاب كميات كبيرة من الماء، أو عندما يكون هناك تراكم للمياه في الأودية والمجاري المائية المنخفضة، وهو ما قد يحدث أحياناً في مناطق تشهد زخات قوية مفاجئة.
وشدد بنعطا على ضرورة تعزيز آليات الرصد والتحذير في المناطق المعرضة للتجمعات المائية، ورفع مستوى التنسيق بين المصالح المختصة للحيلولة دون حدوث أضرار بشرية أو مادية.
كما نبّه الخبير إلى أهمية الاستعداد المجتمعي والمؤسسي، وذلك عبر تنشيط فرق الاستجابة السريعة، وتحديث قواعد بيانات المخاطر حسب تطورات النشرات المناخية، فضلا عن تشجيع المواطنين على متابعة التحديثات الرسمية للنشرات الجوية والتحذيرات الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية، بما يتيح استباق الأحداث وتقليل آثار أي فيضانات محتملة.
وخلص بنعطا إلى أن المناخ المتغير الذي يشهده المغرب اليوم يستوجب مقاربة متوازنة تجمع بين التحليل العلمي للظواهر الجوية وتقييم المخاطر المحتملة، ليس على مستوى التغيرات المناخية وحدها، بل أيضا على أبعاده الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على المياه والأحوال الجوية، مثل الفلاحة والبيئة والماء الصالح للشرب.

