مع اقتراب عيد الأضحى، عرفت أسعار تذاكر الحافلات بين المدن ارتفاعا لافتا في عدد من الخطوط، وسط شكاوى متكررة من المسافرين وغياب تدخل فعال للجهات المعنية، لكن اللافت هذا العام هو التراجع الملحوظ في الإقبال على السفر، حيث بدت العديد من محطات النقل شبه خالية مقارنة بما كان عليه الحال في مواسم الأعياد السابقة.
ورغم أن هذه الفترة تشهد تقليديا ازدحاما كبيرا بسبب رغبة المواطنين في قضاء العيد مع أسرهم، فإن الزيادات غير المبررة في أسعار التذاكر دفعت فئات واسعة، خصوصا من ذوي الدخل المحدود والطلبة، إلى التراجع عن السفر أو البحث عن بدائل أخرى.
ويطرح هذا الوضع إشكالا متجددا حول ضعف الرقابة على تسعيرة النقل خلال الفترات الحساسة، مقابل غياب حلول مستدامة تحمي المستهلك وتضمن له حق التنقل بأثمان عادلة وخدمات لائقة.
♦ التكنولوجيا ودورها في تحسين النقل
نفى مصطفى الكيحل، الكاتب الوطني للمكتب النقابي للنقل الطرقي بالمغرب، أي زيادات في أسعار التذاكر، مبينا أن منظومة النقل العمومي، سواء داخل المدن أو بين المدن، تشهد خلال فترة عيد الأضحى توازنا واستقرارا في حركة تنقل المواطنين، حيث وفرت شركات النقل الوسائل الكافية لنقل المسافرين، مما أسهم في الحد من مظاهر الاكتظاظ والارتباك التي كانت تسجل في السنوات الماضية.
وأكد الكاتب الوطني للمكتب النقابي للنقل الطرقي بالمغرب في تصريح لجريدة “شفاف”، على الرغم من التحديات الكبرى، استطاع قطاع النقل أن يحافظ على أسعار معقولة، سواء بالنسبة للنقل الحضري أو بين المدن، وهو ما يحسب للمقاولات المهيكلة في القطاع التي تحرص على تقديم خدمة تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في هذه المناسبات التي تشهد تنقلات مكثفة.
وأضاف أن الأسعار هذه السنة، ورغم توقف دعم الدولة بشكل نهائي، عرفت استقرارا ملحوظا ولم يتم تسجيل أي ارتفاع، حيث تم احترام الأسعار المحددة في دفاتر التحملات من طرف الشركات العاملة في المحطات الطرقية، ويرجع الفضل في ذلك إلى التزام الشركات القانونية الحاملة للتراخيص والبطاقات المهنية، على مستوى المحطات الطرقية، مشيرا إلى أن هذا النجاح في التدبير يعود أيضا إلى الانخراط الإيجابي للسلطات المختصة في مواكبة حركية النقل وتوفير الأمن، والتدخل الفوري لمعالجة أي اختلال.
ويبين المهني أن تطور التكنولوجيا الرقمية وتطبيقات حجز التذاكر عبر الإنترنت كان له أثر إيجابي ملموس في تنظيم حركة النقل خلال عيد الأضحى. حيث هذه الوسائل أتاحت للمسافرين حجز تذاكرهم مسبقا بطريقة سهلة ومريحة، مما ساهم في تقليل الازدحام داخل المحطات الطرقية، وقلل من الفوضى التي كانت تميز فترات الذروة في السابق.
ويعتبر الكيحل أن الاستثمار في هذه الحلول الرقمية يجب أن يتوسع ليشمل تحسينات أكبر في البنية التحتية للنقل، بما يسهل على المواطنين التنقل بشكل أكثر أمانا وسلاسة، خصوصا في فترات الذروة التي تتطلب تنظيما محكما.
ويؤكد أن معالجة التحديات التي يواجهها قطاع النقل العمومي تتطلب تدخلات جذرية لا تقتصر على تدابير مؤقتة، بل إصلاحات هيكلية شاملة تضمن تنظيم السوق بطريقة عادلة وشفافة. مشددا على ضرورة تقليص عدد الوسطاء غير القانونيين، وتحسين جودة خدمات النقل الرسمية من خلال دعم المهنيين الشرعيين وتطوير البنية التحتية.
♦ واقع النقل العمومي خلال عيد الأضحى
وفي السياق ذاته، بين المهني أن عيد الأضحى لهذه السنة تميز بانخفاض ملحوظ في نسبة الإقبال على وسائل النقل العمومي، وهو ما يعكس واقعا اقتصاديا واجتماعيا معقدا يعيشه المواطن المغربي في ظل ظروف متغيرة.
ويشير المتحدث إلى أن هذا التراجع في حركة المسافرين لا يمكن تفسيره فقط من زاوية الظروف الموسمية المعتادة، بل يتعداه إلى عوامل اقتصادية عميقة تؤثر بشكل مباشر على سلوك المستهلك في التنقل والإنفاق.
ويؤكد الكيحل أن انخفاض الطلب على النقل العمومي مرتبط بشكل أساسي بتراجع القدرة الشرائية للأسر المغربية التي تأثرت بالأوضاع الاقتصادية الراهنة، خصوصا مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتفاقم الأعباء المعيشية، مما دفع العديد من المواطنين إلى تقليص تنقلاتهم بشكل عام، وتقليل الاستفادة من وسائل النقل العمومي في المناسبات التي تتطلب عادة حركة أكبر كعيد الأضحى.
ويشير إلى أن قطاع النقل العمومي واجه خلال الفترة الأخيرة تحديا كبيرا تمثل في ارتفاع أسعار المحروقات الذي أدى إلى زيادة تكاليف التشغيل على شركات النقل. مردفا أنه رغم ذلك، فقد حرص المهنيون على عدم رفع تعريفة النقل بشكل مباشر خلال عيد الأضحى، محاولة منهم التخفيف على المستهلكين الذين يعانون من ضغوط مالية متزايدة، مما يعكس حساسية القطاع تجاه وضعية الأسر.
♦ غياب تنظيم فعال وسوق غير متوازن
يبرز مصطفى الكيحل أن أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل العمومي تتمثل في غياب تنظيم واضح وفعال يضمن تنافسية عادلة بين الفاعلين في السوق. مبينا أن انتشار النقل غير القانوني بشكل واسع، الذي يعتمد على وسائل غير مرخصة ويعمل خارج إطار القوانين المنظمة، يخلق حالة من عدم التوازن في السوق.
ويؤكد أن هذا النقل السري يشكل منافسة غير شريفة، تضر بمصالح المهنيين الشرعيين، وتعرض السلامة العامة للخطر، حيث لا يخضع هذا النوع من النقل للمعايير الفنية الضرورية، مما قد يؤدي إلى حوادث أو إشكالات صحية، خصوصا في فترات الذروة والتنقلات الكبيرة مثل عيد الأضحى.
ونبه المتحدث إلى أن انتشار النقل غير القانوني لا يؤثر فقط على الجانب الاقتصادي للمهنيين، بل يمثل تهديدا خطيرا على السلامة العامة، حيث يتم تشغيل هذه الوسائل بشكل غير منتظم، وغالبا ما تفتقر إلى شروط السلامة الأساسية، كالصيانة الدورية، وتجهيزات السلامة، ما يضع الركاب في مواقف خطرة.
ويشدد على أن غياب رقابة صارمة على هذا القطاع سيؤدي إلى زيادة عدد وسائل النقل غير المرخصة، وهو ما يتطلب تدخلا عاجلا من السلطات المختصة لتطبيق القوانين بصرامة، وتكثيف عمليات المراقبة لضمان سلامة المسافرين والحفاظ على استقرار سوق النقل.
♦ شريان أساسي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية
يرى الكيحل على أن قطاع النقل العمومي هو شريان أساسي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب، ويجب أن يحظى باهتمام وطني جاد من كل الجهات المعنية. مشيرا إلى أن استمرارية وجودة هذا القطاع ترتبط ارتباطا وثيقا بمدى قدرة الفاعلين الرسميين على مواجهة التحديات الراهنة من خلال تنظيم السوق، دعم المهنيين، حماية المستهلك، والحد من الظواهر السلبية كالقطاع غير القانوني.
ويحذر من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخلات فاعلة قد يؤدي إلى تدهور خدمات النقل العمومي، مما ينعكس سلبا على قدرة المواطنين على التنقل، خصوصا في الفترات الحيوية مثل عيد الأضحى، وهو ما يستوجب وضع استراتيجية وطنية واضحة ومستدامة للنقل العمومي.
وأنهى الكيحل تصريحه بالتأكيد على أن قطاع النقل يظل قطاعا حيويا يحتاج إلى دعم ومواكبة، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وأن تطويره يمر حتما عبر تقنين السوق، ومحاربة كل أشكال العشوائية، وضمان بيئة تنافسية نزيهة تحترم فيها القوانين وتحمى فيها حقوق جميع المتدخلين.

