عاد ملف أراضي قبائل أيتوسى بإقليم أسا الزاك إلى الواجهة، بعدما شهدت الفترة الأخيرة منع بعض السكان من إصدار وثائق طبق الأصل تتعلق بالإشهادات على تقسيم الأراضي الرضائية، ما أثار استياءهم وأعاد تسليط الضوء على الخلافات السابقة.
المشكل الجديد يأتي في سياق تعطل مكاتب تصحيح الإمضاءات بالبلدية، إذ بقيت مغلقة خلال أوقات العمل الرسمية، ما حال دون استكمال المعاملات الإدارية للمواطنين، خصوصاً الذين يرغبون في توثيق حقوقهم العرفية.
وهذه الحالة تتصل بمشاكل سابقة، أبرزها التأخر في الإقرار القانوني للإشهادات المتعلقة بتقسيم الأراضي الرضائية، والتي طال انتظارها لأسابيع، إلى جانب صعوبات سابقة في التنسيق بين السلطات المحلية والقبائل، وعدم وضوح الإجراءات القانونية المنظمة للتحفيظ الجماعي للأراضي.
ممثلون عن قبائل أيتوسى شددوا على أن موقفهم لا يعارض المشاريع الاستثمارية والتنموية في المنطقة، بل يركز على ضمان استفادة السكان المحليين من هذه المشاريع، مع احترام القوانين الوطنية، والثوابت المؤطرة للملكية والوحدة الترابية، بما يشمل توفير آليات شفافة وعادلة لتسجيل الأراضي وحماية الحقوق القانونية والاجتماعية لجميع المواطنين.
♦تعطل المرفق العمومي
أكد عالي حيدارا، الناطق الرسمي باسم لجان الأرض وتنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والتتبع والمواكبة، أن مكتب تصحيح الإمضاءات ببلدية آسا الزاك لا يزال مغلقًا إلى حدود اليوم في وجه المواطنين خلال أوقات العمل الرسمية، ما تسبب في تعطيل مصالح عدد كبير منهم، بينهم من يقطع مسافات طويلة من المناطق القروية المحيطة بالمدينة من أجل إنجاز وثائقهم الإدارية.
وأوضح حيدارا في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الإغلاق شمل جميع الوثائق التي تحتاج إلى تصحيح الإمضاء، وليس فقط الإشهادات الخاصة بلجان الأرض، معتبرا أن ما يجري يمثل إخلالا واضحا بمبدأ استمرارية المرفق العمومي وحق المواطنين في الولوج إلى الخدمات الإدارية دون تمييز.
وتساءل المتحدث عن الأساس القانوني الذي يُجيز إغلاق مكتب تصحيح الإمضاءات أثناء ساعات العمل، داعيًا السلطات المحلية، في مقدمتها رئيس المجلس البلدي، والباشا، وعامل الإقليم، إلى التدخل من أجل وقف ما وصفه بـ”العبث الإداري” الذي يضر بمصالح المواطنين، مشيرًا إلى أن الموظفين مسؤولون قانونًا عن أداء مهامهم بغض النظر عن الخلافات أو التعليمات الشفوية.
كما شدد حيدارا على أن الإدارة العمومية وُجدت لخدمة المواطن، لا العكس، وأن تصرفات من هذا النوع تمس بمبدأ المساواة بين المواطنين، مضيفا أن ما يحدث في آسا الزاك يطرح سؤالا حول حياد الإدارة واستقلالها في اتخاذ القرار الإداري بعيدا عن أي توجيهات غير قانونية أو تأثيرات سياسية.
♦الإشهادات والشرعية القانونية
وفما يتعلق بموضوع الإشهادات، أبان عالي حيدارا أن هذه الوثائق لا تتضمن سوى تزكية ممثلي القبائل وتأكيد الاتفاق على قسمة رضائية بين المستفيدين من الأراضي، مشيرا إلى أنها ممارسة قانونية معمول بها في مختلف المدن المغربية، بما فيها العيون، السمارة، بوجدور، الداخلة، أكادير، والرباط.
وأضاف أن لجان الأرض حصلت على أكثر من 500 إشهاد من جماعات ترابية مختلفة دون أي اعتراض من السلطات، متسائلا عن سبب رفض بلدية آسا الزاك وحدها المصادقة على هذه الوثائق.
وقال إن هذه الإشهادات تهدف إلى تنظيم العلاقات العقارية وتفادي النزاعات بين أبناء القبيلة، وهي خطوة تكميلية تعزز الاستقرار الاجتماعي، لا تمس المصالح العامة ولا تنشئ حقوقًا جديدة خارج الإطار القانوني، معتبرا أن من يرفض هذه الإشهادات دون سند قانوني إنما يُعطل مبادرة مدنية تحاول ضبط الملكيات العرفية وتنظيمها بطريقة سلمية.
وتابع أن كل من يتهم لجان الأرض بخدمة مصالح خاصة يفتقر إلى الدليل، مؤكدا أن هدف اللجان هو تفادي الصراعات داخل الأسر والقبائل، وإيجاد حلول توافقية تحفظ السلم الاجتماعي وتضمن وضوح الملكيات داخل المجال الترابي لآسا الزاك.
♦ أصوات ميدانية متضررة
من جانبه، أوضح مبارك عبد الدائم، مناضل في صفوف حراك قبائل أيتوسى، أن أعضاء اللجنة وُجهوا إلى مقر بلدية آسا الزاك منذ أسبوعين من أجل المصادقة على إشهادات القسمة الرضائية لأراضيهم، لكنهم فوجئوا بإغلاق مكتب تصحيح الإمضاءات أمامهم.
وأورد عبد الدائم في تصريح لجريدة “شفاف”، أن اللجنة استقدمت مفوضين قضائيين لتوثيق الوضع، ومع ذلك لم يتم السماح لهم بإنجاز الإجراء القانوني رغم مرور المدة المحددة، ما دفعهم إلى التساؤل عن سبب هذا “التعطيل غير المبرر” في وقت تُنجز فيه نفس الإجراءات في جميع بلديات المملكة.
وشدد عبد الدائم أن قبائل أيتوسى تعتبر هذه الإشهادات تمثيلا قانونيا لاتفاقات رضائية داخلية، وترفض أي وثائق أخرى تُصدر خارج هذا الإطار، مشيرا إلى أن منع المصادقة عليها يُعد مساسا بحق مكتسب ومبدأ المساواة أمام المرفق العمومي.
كما حذر من أن استمرار الوضع دون حل قد يُؤدي إلى توتر اجتماعي لا يخدم الاستقرار المحلي، داعيا السلطات إلى التدخل الفوري لإعادة فتح المكتب وتمكين المواطنين من خدماتهم القانونية بشكل عادل ومنتظم.
وفي السياق ذاته، عبّر الكبش مبارك، أحد ممثلي لجان الأرض، عن استغرابه من الطريقة التي أُوقفت بها الخدمة الإدارية، مؤكدًا أنهم لم يتلقوا أي توضيح رسمي رغم ترددهم المستمر على المرفق منذ أيام.
وقال مبارك في تصريح لجريدة “شفاف”، إن شعورهم اليوم بالتهميش بات واضحا، خصوصا بعد سنوات من المشاركة في الدفاع عن الوحدة الترابية والمصالح الوطنية، ليجدوا أنفسهم اليوم — على حد قوله — “محرومين من أبسط حقوقهم الإدارية في بلدتهم”.
قبائل أيتوسى والتحفيظ العقاري.. كيف يتم تحقيق التوازن بين التنمية وحماية الحقوق؟
♦دعوة لتصحيح المسار
أما بوماط مولود، أحد أعضاء لجان الأرض المنبثقين من قبائل أيتوسى، فقد وصف إغلاق الإدارة في وجه المواطنين بأنه “سابقة خطيرة” تمس كرامة الساكنة وحقها في الولوج إلى الخدمات العمومية.
وأفاد مولود أن ما يجري في آسا الزاك يمثل انحرافا عن مبادئ العدالة والمساواة، ويعكس ممارسة إدارية غير مقبولة في دولة الحق والقانون.
ولفت المتحدث إلى أن عددا من المواطنين، بمن فيهم كبار السن والنساء، تكبدوا مشقة التنقل من مناطق بعيدة لتصحيح إمضاءاتهم، لكنهم فوجئوا بأبواب مغلقة، مع غياب تام للتواصل أو التوضيح من طرف السلطات المحلية.
واعتبر أن استمرار هذه الممارسات يعمق الإحساس بالغبن والإقصاء داخل المنطقة، مطالبا بفتح تحقيق إداري لتحديد المسؤوليات.
كما دعا إلى معالجة الملف بعقلانية ومقاربة تشاركية، من خلال حوار مؤسساتي يضم السلطات المحلية والمنتخبين وممثلي لجان الأرض، من أجل إيجاد حل دائم يضمن احترام القانون وتيسير الخدمات الإدارية لجميع المواطنين دون استثناء.
وأنهى مولود تصريحه بدعوة أبناء المنطقة إلى التمسك بالهدوء والحفاظ على الطابع السلمي في مطالبهم، مشددًا على أن الهدف ليس المواجهة مع الإدارة، بل تصحيح المسار وضمان العدالة الإدارية.




