تنظم وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بشراكة مع الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، الدورات التكوينية الجهوية لبرنامج “مشاركة”؛ وهو ورش وطني واسع ترأست انطلاقته بالدار البيضاء السيدة الوزيرة نعيمة ابن يحيى، ويمتد خلال شهري يونيو ويوليوز 2026 ليشمل كافة جهات المملكة الاثنتي عشرة.
وتسعى الوزارة من خلال هذا البرنامج إلى تحقيق هدف استراتيجي يكمن في تعزيز الحضور السياسي والعمومي للمرأة المغربية، والرفع من جاهزيتها لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة (2026-2027)، عبر رؤية متكاملة ترتكز على التمكين المعرفي والمجتمعي والتواصلي.
ويندرج هذا الورش الوطني في سياق الإصلاحات السياسية والمؤسساتية الكبرى التي تنهجها المملكة لتوطيد الديمقراطية، كما يترجم التوجيهات الملكية السامية التي تجعل من تمكين المرأة مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية المستدامة، ومرتكزا جوهريا في النموذج التنموي الجديد.
♦برنامج “مشاركة” لتمكين نساء الجهات
أعربت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة ابن يحيى في مستهل كلمتها، عن بالغ سعادتها واعتزازها بالمشاركة في هذا اللقاء الاستراتيجي الهام، مؤكدة أنه يشكل حلقة أساسية ضمن “برنامج مشاركة” الرامي إلى تعزيز تمكين النساء في الحياة العامة.
وأشارت ابن يحيى إلى أن إطلاق هذا البرنامج جاء تتويجا لمسار تشاوري موسع شمل المجموعة الموضوعاتية المكلفة بالمساواة والمناصفة بمجلس النواب، ورئيسات المنظمات النسائية للأحزاب السياسية، فضلا عن الجمعيات الفاعلة ذات الخبرة الميدانية.
ووجهت المسؤولية الحكومية تحية شكر وامتنان خاصة للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، واصفة إياها بالفضاء المرجعي الذي طالما اعتزت بالعمل والتعلم المشترك فيه عبر سنوات طويلة.
وأبانت أن الوزارة حرصت على استهداف الجمعيات العريقة والمشهود لها بالكفاءة الميدانية والعطاء للوطن، بدلا من الاعتماد على طلبات عروض عامة، مشيدة بالاستجابة الفورية والتعاون المثمر الذي أبدته الجمعية منذ بداية التنسيق.
وأطرت الوزيرة هذه المبادرة التكوينية ضمن السياق الوطني العام، مسترشدة بالتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يؤكد باستمرار في خطاباته أن نهضة المغرب وتنميته لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة فاعلة وموازية لنسائه ورجاله معا.
ونوهت في هذا الصدد بالمقتضيات الدستورية التي تكرس المساواة في الحقوق، مشيدة بالديناميكية الكبيرة والجهود الجبارة التي يبذلها المجتمع المدني المغربي.
واستعرضت المتحدثة المنهجية المعتمدة في هذه الدورات، مشيرة إلى الاعتماد المقصود للمقاربة الجهوية بهدف تقريب آليات العمل من المناضلات الحزبيات في مناطقهم.
وربطت هذا التوجه بالسياسة التي انتهجتها شخصيا منذ توليها الوزارة، مسلطة الضوء على تجربة “جائزة التميز” التي تم تطويرها لتنتقل من 3 جوائز وطنية إلى 36 جائزة جهوية (3 جوائز لكل جهة)، مما أتاح إبراز وتكريم 36 امرأة متميزة عوضا عن 3 نساء فقط، وهو نفس المنطق الذي نقل اليوم إلى مجال التكوين لمراعاة خصوصيات كل جهة.
وأعلنت الوزيرة عن الأهداف الإستراتيجية المقبلة للوزارة، مؤكدة أن هذه الحملة تندرج ضمن مخطط شامل لتعزيز حقوق المرأة، كاشفة عن قرب إطلاق أول برنامج وطني لمحاربة الصور النمطية السائدة في الإعلام، الأسرة، والمجتمع.
وشددت على ضرورة تكثيف العمل داخل الهيئات الحزبية لتثبيت الحضور النسائي، مقرة بأن النساء يمتلكن الكفاءة والقدرة العالية على الأداء والتدبير، لكن تمثيليتهن تتراجع بشكل ملحوظ عند المحطات الانتخابية.
وانتقدت الوزيرة في هذا السياق سلوك بعض النخب النسائية، داعية إياهن إلى تحمل المسؤولية وعدم إلقاء اللوم كاملا على الرجال أو الأحزاب.
وأكدت رفضها القاطع لمنطق المطالبة ب “دوائر إقليمية جاهزة” لمجرد الحصص النسائية، حاثة المناضلات على النزول للميدان ومزاحمة ومنافسة المرشحين الرجال في الدوائر المحلية عبر العمل القريب من المواطنين طيلة الولاية الانتدابية (5 سنوات) لانتزاع المكانة المستحقة.
واستحضرت الوزيرة تجربتها البرلمانية الشخصية (2011-2016)، كاشفة أنها رفضت الترشح في إقليم مسقط رأسها عام 2016 رغم اقتراحه عليها، نظرا لأن حظوظ المنافس الرجل كانت أكبر لعمله الميداني المستمر، مؤكدة أنها واخذت نفسها حينها على عدم بدء العمل مبكرا، معتبرا أن هذه التجربة تؤكد أن تواجد النساء في مواقع القرار هو خطوة أساسية لفتح آفاق جديدة للمجتمع ككل.
وثمنت المتحدثة تجربة التكتل والتشبيك النسائي مستدلة بالنجاح الذي حققته البرلمانيات خلال الولاية التشريعية (2011-2016) بالتعاون مع الجمعيات النسائية؛ حيث نجحت نساء من 8 فرق برلمانية مختلفة في التخلي عن قبعاتهن الحزبية والاتحاد لتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب، مما أدى إلى كسر الهيمنة الذكورية على مناصب القرار البرلماني، وإيصال النساء إلى منصة الرئاسة، وهو ما يعطي رسالة قوية للمرأة في الحواضر والقرى بأن التغيير ممكن.
وجددت الوزيرة تأكيدها على أن الهدف الأسمى من هذه الدورات هو تزويد النساء بأدوات الكفاءة والثقة بالذات لمواجهة التحديات.
كما أشادت الوزيرة بالمرأة المغربية باعتبارها الأكثر دراية بانتظارات المجتمع وحاجياته لكونها تدبر بامتياز كبريات القضايا المالية والاجتماعية المعقدة داخل الأسرة، مكررة شكرها للجمعية الشريكة ومنوهة بالجهود الميدانية لمديرية شؤون المرأة بالوزارة.
♦من التواجد العددي إلى صناعة القيادة.
وجهت الفاعلة الحقوقية والجمعوية، خديجة الرباح، نداء حاسما إلى كافة القطاعات النسائية، مطالبة إياها بعدم السماح بمرور المرحلة الحالية دون ترك بصمة واضحة، وحثت النساء على قول كلمتهن بقوة في الاستحقاقات السياسية المقبلة لتعزيز التمثيلية السياسية.
وأكدت الرباح أن الطموح الحقيقي لم يعد يقتصر على مجرد التواجد العددي للمرأة داخل قبة البرلمان، بل بات يستهدف صناعة قيادات نسائية حقيقية تقود قاطرة التغيير، وتواجه التحديات المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها محاربة الفقر، وتطوير قطاعي التعليم والصحة، وضمان الحماية الاجتماعية للجميع.
واستحضرت المتحدثة الأهمية الاستراتيجية للتواجد داخل مجالس الجهات، مستشهدة بتمثيلية الأستاذ “بويجة” للجهة، قبل أن تخاطب الحضور واصفة المرحلة الحالية (2026-2027) بأنها محطة حاسمة وشعارها “إما أن نكون أو لا نكون”.
وأوضحت أنه بعد مرور 24 سنة من النضال والترافع، لم يعد سقف الطموح هو ال90 مقعدا الحالية، بل بات الهدف هو الوصول إلى 120 مقعدا على الأقل في حال عدم رفع سقف المناصفة الكاملة.
كما وجهت شهادة تقدير من القلب إلى السيدة الوزيرة الحاضرة، مذكرة بمعركتها المشتركة والترافعية معها عام 2008 من داخل قطاعها النسائي والحزبي.
وفصلت الرباح بالأرقام المكتسبات التاريخية التي انطلقت منذ عام 2002، حينما نجحت الحركة النسائية في تأمين ولوج 35 امرأة إلى البرلمان لأول مرة، مستعرضة الطفرة النوعية التي تحققت في انتخابات 2009؛ حيث نجحت القيادات النسائية في تحويل نسبة تمثيلية النساء في الجماعات الترابية من نسبة شبه منعدمة بلغت 0.54\% (أي 127 امرأة فقط في 1503 جماعة بالمغرب) إلى قفزة تاريخية وصلت إلى 12.38\%. وعبرت عن فخرها واعتزازها بتلك المحطة التي تمكنت فيها الحركة من ترشيح 6038 امرأة، بعد أن كان سقف ترشيحات الأحزاب في السابق لا يتعدى 1000 امرأة.
وخلصت الناشطة الحقوقية إلى وضع تمييز ديمقراطي دقيق بين الحضور النسائي “بالقوة” والحضور “بالفعل”، موضحا أن الأول تفرضه لغة القوانين والتشريعات، في حين أن الثاني تفرضه الجماهير، والديمقراطية، وعمل القرب الميداني.
ودعت في ختام كلمتها إلى تشمير السواعد ومواصلة الصمود والإصرار لضمان تمثيلية قوية للمرأة في الدوائر المحلية والتشريعية العادية، مؤكدة وضع جمعية المفاوضات النسائية بكافة مناضلاتها، إلى جانب أطر الوزارة، رهن إشارة المشاركين طيلة يومي اللقاء.

