شهدت شواطئ المملكة، ومع حلول موسم الصيف، واقعة مأساوية أعادت إلى الواجهة جدلية استغلال الفضاءات الساحلية خارج إطار القانون، إذ تعرضت الطفلة “غيثة” للدهس من طرف سيارة رباعية الدفع كانت تجر دراجة مائية بشاطئ سيدي رحال، في مشهد صادم أثار سخط الرأي العام وفتح باب المساءلة حول أسباب تراخي السلطات في تطبيق القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل.
وتطرح هذه الفاجعة المؤلمة تساؤلات ضمنية حول مدى جدية التعاطي المؤسساتي مع هذا الملف، ومآلات الفوضى التي باتت تشهدها بعض الشواطئ المغربية كل صيف، حيث يستمر استغلال السيارات والدراجات في فضاءات يفترض أن تكون مخصصة للراحة والاستجمام، وسط غياب إجراءات وقائية واضحة، في وقت تعرف فيه المملكة إقبالا سياحيًا غير مسبوق هذا العام.
بعد فاجعة شاطئ سيدي رحال.. دعوات لتطبيق صارم للقانون 81.12 وتخصيص فضاءات للرياضات البحرية
❖ انتهاك مزدوج
يشدد عبد الإله بنعبد السلام، منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، على أن ما وقع بشاطئ سيدي رحال لا يمكن تصنيفه إلا كـ”انتهاك مزدوج”، من جهة لكونه خرقًا صريحًا لمقتضيات القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل، ومن جانب ثاني باعتباره مساسًا بحقوق أساسية للمواطنين، على رأسها الحق في السلامة الشخصية والأمان البدني.
وأبرز بنعبد السلام في تصريح لجريدة “شفاف”، أن ما ذكره يشكل حقوق مضمونة بموجب الدستور المغربي، وخاصة الفصل 20 منه، وكذا بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه من طرف المملكة المغربية.
ويضيف المتحدث أن دهس الطفلة “غيثة” من طرف سيارة كانت تجر دراجة مائية ليس حادثًا عرضيًا فحسب، بل هو مؤشر على استهتار خطير بالقانون وبالحقوق الإنسانية، مشددًا على أن الفضاءات العامة، وعلى رأسها الشواطئ، يجب أن تظل محمية من كل أشكال العبث الذي يهدد الأرواح، خصوصًا في موسم يعرف توافدًا كبيرًا للمواطنين.
ونبّه إلى أن احترام القانون لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يجب أن يمتد إلى كل من هو مسؤول عن السهر على إنفاذه، بدءًا من السلطات المحلية، وصولًا إلى الأجهزة الأمنية المكلفة بالرقابة والتدخل الفوري.
❖ مسؤولية السلطات
حمّل بنعبد السلام المسؤولية كاملة للسلطات الوصية، ممثلة في وزارة الداخلية والمصالح التابعة للدرك الملكي وإدارة الدفاع الوطني، باعتبارها الجهات المفترض أن تسهر على تفعيل مقتضيات قانون الساحل، وتمنع بشكل صارم تسلل المركبات إلى الشواطئ، سواء لنقل دراجات مائية أو لأغراض ترفيهية.
مأساة الطفلة غيثة تتحول إلى قضية رأي عام وسط مطالب بتحقيق العدالة
وأكد أن ما وقع يكشف عن فشل ذريع في تفعيل القانون، بل يفضح في بعض الأحيان انتقائية في تطبيقه، حيث يتم التغاضي عن بعض الانتهاكات حين يكون أصحابها ذوي نفوذ أو علاقات، في مقابل التشدد مع آخرين، ما يضرب مبدأ المساواة أمام القانون في الصميم.
ويشدد منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، على ضرورة إخضاع جميع من يخرقون القانون للمساءلة، سواءً كانوا مواطنين عاديين أو مسؤولين متقاعسين، موضحًا أن أي تهاون في هذا الصدد يرقى إلى تقصير جسيم قد يؤدي إلى حوادث مأساوية، كما حدث مع الطفلة “غيثة”.
❖ ضعف الزجر
يبرز بنعبد السلام أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس غيابًا لسياسة عمومية حقيقية تدمج حماية السلامة البدنية للمواطنين ضمن أولوياتها، مشددًا على أن الدولة لا يمكن أن تضمن الحقوق دون منظومة فعالة للوقاية والمحاسبة.
وأردف أن رجال الأمن والدرك، المكلفين بتطبيق القانون، يجب أن يخضعوا بدورهم للمساءلة الإدارية والجنائية، في حال ثبت تقاعسهم أو تهاونهم في التدخل لمنع الانتهاكات، لا سيما تلك التي تمس الحق في الحياة.
مطالب بتحسين ظروف السياحة الداخلية في المناطق الشاطئية والحد من الظواهر السلبية فيها
وحذر من أن التساهل في هذا النوع من الحوادث، مهما بدا بسيطًا، يراكم شعورًا عامًا بالإفلات من العقاب، ويهدد الثقة المجتمعية في المؤسسات والسلطات، كما يجعل الشواطئ فضاءات محفوفة بالمخاطر بدل أن تكون مناطق آمنة للراحة والاستجمام.
❖ مطالب عملية
يقترح منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، مجموعة من الإجراءات العاجلة التي ينبغي الشروع فيها دون تأخير، وعلى رأسها إصدار دورية وطنية من وزارتي الداخلية والتجهيز تمنع بشكل قاطع دخول أي نوع من المركبات أو الدراجات إلى رمال الشواطئ، مع تخصيص فضاءات خاصة ومراقبة لممارسة الرياضات البحرية.
ويشدد على ضرورة إقامة حواجز وعلامات حمراء واضحة تفصل بين فضاءات السباحة ومناطق مزاولة الرياضات البحرية الخطرة مثل “الجيتسكي”، وهو ما أثبت نجاعته في تجارب محلية بشمال المملكة.
كما يدعو إلى تعويض عائلة الطفلة “غيثة” عن الضرر النفسي والاجتماعي الذي لحق بها، في إطار جبر ضرر منصف، مع تتبع المسطرة الجنائية ضد المتسببين في الحادث، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
❖ مسؤولية جماعية
يؤكد بنعبد السلام أن حماية أرواح الأطفال والمواطنين في الفضاءات العامة ليست مسؤولية الدولة فقط، بل هي مسؤولية جماعية تهم كافة المتدخلين، من سلطات وإدارات ومجتمع مدني وإعلام.
وأبرز منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، أن الحق في السلامة يجب أن يكون مقدسًا وغير قابل للتفريط، تحت أي مبرر كان.
واقعة مراكش.. شبكات الاتجار بالبشر تستغل براءة الأطفال فمن يتحمل مسؤولية حماية الطفولة؟
وأردف أن على الدولة أن تعي أن حماية الحياة لا تتحقق بالشعارات أو النصوص فقط، بل بالتنفيذ الصارم للقوانين، وبإعادة الاعتبار للمواطن كأولوية في كل السياسات العمومية، وليس كضحية عرضية للفوضى أو الإهمال.

