بينما تترقب جماهير الكرة المغربية ديربي الدار البيضاء المشتعل بين الرجاء والوداد، يخيم على الأجواء هذا العام طابع استثنائي من القلق والإحباط، بعدما ودّع الفريقان كافة المسابقات هذا الموسم في وقت مبكر، آخرها الخروج المخيب من ثمن نهائي كأس العرش نهاية الأسبوع المنصرم، وهو ما يعد واقع صادم لعملاقي الكرة الوطنية اللذين اعتادا المنافسة على الألقاب، لتتحول المباراة القادمة من معركة على الزعامة، إلى اختبار للكرامة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم للنسيان.
وهذه الانتكاسة المتواصلة تفتح باب الأسئلة حول أسباب التراجع الحاد في الأداء والنتائج، سواءً من حيث الخيارات التقنية للمدربين، أو اختلالات التسيير، أو حتى التركيبة البشرية غير المتوازنة، كما أن نتيجة الديربي المرتقب إقامته السبت القادم؛ قد تكون حاسمة في تقرير مصير عدد من اللاعبين والمدربين، وقد تشكّل منعطفًا حاسمًا في مسار الناديين نحو إصلاح داخلي حقيقي، يعيد لهما هيبتهما واستعدادهما للاستحقاقات القادمة.
♦ “أزمة تسيير حقيقية”
يرى عادل فرس، الإطار الوطني والمحلل الرياضي أن التراجع الكبير الذي تعيشه قطبا الدار البيضاء؛ الرجاء والوداد، لا يمكن فصله عن “المرض” الذي أصاب المنظومة التدبيرية داخل الفريقين.
وأبرز فرس في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الحديث اليوم هو عن حالة صحية متدهورة، وليست مجرد أزمة عابرة، موضحا أن المرض الأساسي يكمن في التسيير العشوائي وغياب العقلنة في اتخاذ القرارات داخل المكاتب المسيرة.
وأردف الإطار الوطني والمحلل الرياضي، أن هذه الأزمة البنيوية انعكست على طريقة التعاقد مع اللاعبين، حيث باتت الصفقات أشبه بالمغامرات العشوائية، بدون رؤية واضحة أو منطق كروي سليم.
وأضاف أن الكارثة الكبرى تكمن فيمن يُنتدب لهذين الفريقين، حيث أصبح من الشائع رؤية لاعبين لا يرقون لمستوى الهواة، وهم يرتدون قمصان الرجاء أو الوداد، لافتا إلى أن هذا الأمر مؤشر خطير على أن الناديين لم يعودا يمثّلان الحلم الكروي الذي كان يراود اللاعبين في العقود الماضية.
اعتقال بودريقة والرحيل المرتقب لزينباور.. هل تتأثر الرجاء خلال الموسم المقبل؟
وأكد أنه حتى صيت ومكانة الفريقين تراجعت لدرجة أن طموح بعض اللاعبين بات اللعب لفرق أخرى، مثلما هو الأمر حاليا مع نادي نهضة بركان، وهو ما يعكس التحول الحاد في بوصلة الجاذبية الكروية بالمغرب.
واعتبر أن المشكل ليس ماديًا ولا متعلقًا بالبنية التحتية، بل هو ببساطة أزمة تدبير وتسيير، حيث إن الفريقين فقدا بوصلة التنظيم الداخلي، ولم يعد هناك هيكل إداري محكم قادر على صنع الاستقرار.
ولفت إلى أن من المعضلات الحقيقية في هذا الجانب، أن أبناء مدرستي الرجاء والوداد اختفوا تدريجيًا، وتم تعويضهم بلاعبين قادمين من فرق ومناطق لا تمت للفريقين بصلة، مما أفقدهما هويتهما التاريخية.
وأشار إلى أن هناك غيابًا شبه كلي للقيادات داخل أرضية الميدان، مبرزا أن اللاعبين فقدوا البوصلة، ولا توجد شخصيات قادرة على حمل الفريق على أكتافها أو تحفيز المجموعة، موضحا أن هذه الفوضى ساهمت في خلق بيئة لا تحتمل الاستمرارية ولا النجاح.
ونبه إلى أن الأطقم التقنية لم تعد تُختار على أساس الكفاءة، بل وفق تجارب ظرفية أو أسماء متداولة، دون أي مشروع رياضي طويل الأمد، متسائلا عن الأطراف التي تختار هؤلاء المدربين، وحول تكرار نفس الوجوه التي لم تنجح في السابق.
ودعا إلى ضرورة الاستعانة بكفاءات وطنية تعرف خبايا البيت، وتفهم ثقافة الفريقين، بعيدًا عن استيراد حلول خارجية غير مناسبة، لافتا إلى أن المرحلة تتطلب عقولًا محلية تعرف تفاصيل الرجاء والوداد أكثر من أي أحد آخر.
♦ “الديربي” ليس الحل
حول “ديربي” الدار البيضاء المرتقب، يقلّل عادل فرس من قيمته في الوقت الراهن، ويعتبر أن الديربي فقد كثيرًا من نكهته وهيبته، قائلا إنه لم يعد ذلك العرس الرياضي الذي كان يُحتفل به في المدينة، حيث “أصبح نقمة بدل أن يكون نعمة”،
وأضاف الإطار الوطني والمحلل الرياضي، أن المباراة لم تعد تساهم في نهوض الفريقين، بل تخلّف أضرارًا متعددة، من عنف جماهيري إلى خسائر على المستويين المادي والمعنوي.
وأكد أن من الخطأ تعليق آمال الصحوة الكروية على مباراة واحدة، مبرزا أن الديربي قد يساهم فقط في تغيير تكتيكي أو تقني، كإقالة مدرب أو تحميل أحد المسؤولين الفشل، لكنه لا يصنع مشروعًا كرويًا، مشددا على أن المشكلة تتجاوز نتائج مباراة واحدة، وهي مرتبطة ببنية مهترئة تحتاج إلى إصلاح شامل.
واعتبر أن التفكير في إقالة مدرب بسبب نتيجة الديربي يعكس غياب الرؤية لدى المسؤولين، موضحا أنه عندما نتعاقد مع مدرب، يجب أن يكون ذلك وفق مشروع، وليس على أساس فوز أو خسارة في مباراة واحدة، مبرزا أن الإخفاقات جزء من كرة القدم، لكن الأهم هو كيفية التعامل معها والبناء من خلالها.
وأردف أن ما يزيد الطين بلة هو غياب الانضباط في تعاطي اللاعبين مع المسؤولية، مشيرا إلى أن هناك لاعبين بالفريقين باتوا غير قادرين على إتمام مباراة بـ120 دقيقة، متسائلا عن أدوار التكوين والتأهيل والاستعداد للمباريات في هذا الجانب، لافتا لوجود أخطاء في الانتدابات، وضعف في الأطقم، وسوء تدبير.
وشدد على أن الحل ليس في الحماس اللحظي للديربي، بل في وضع تصور متكامل للمرحلة المقبلة، معتبرا أن فريق بحجم الرجاء أو الوداد لا يمكنه أن يُبنى على مباراة واحدة، بل على مشروع رياضي متكامل يراعي التكوين، والاستثمار في القاعدة، والاستقرار الإداري والفني.
واعتبر أن الديربي في صيغته الحالية فقد قيمته الفنية والرياضية وحتى الرمزية، حيث لا يوجد جمهور بالحجم السابق، ولا لاعبين يعطون كل ما لديهم، ولا مدرجات تهتز بالإبداع من خلال “التيفوهات” التي كانت تؤثث مدرجات مركب محمد الخامس بالدار البيضاء، مشيرا إلى أن كل شيء أصبح باهتًا، لأن الأرضية التي تقوم عليها كرة القدم في الفريقين أصبحت مهترئة.
♦ الإصلاح الشامل
أبرز عادل فرس أن المخرج من هذه الأزمة يمر عبر مشروع رياضي متكامل، والذي لا بد أن تُطرح فيه أسئلة جوهرية؛ ترتبط بمشروع المكتب المسير، والأهداف القصيرة والطويلة، وقاعدة التكوين، وحضور لاعبي الفريقين في المنتخبات الوطنية، مشددا على أنه لا يكفي أن يُنتخب رئيس ليبدأ من الصفر، بل المطلوب أن يكون هناك تصور واضح ومعايير صارمة في التسيير.
وأكد أن الفريقين بحاجة إلى “فكر مربح” وليس فقط “رغبة في جمع المال”، لافتا إلى أن المستشهرين يتسابقون على الفرق ذات القيمة، وهذه القيمة تتطلب وجود مشروع وتكوين ونتائج، مبرزا أن الرجاء والوداد لديهما القدرة على أن يكونا قاطرة الكرة الوطنية، لكن هذا يستلزم بنية قوية على المستوى الإداري والتقني.
وشدد الإطار الوطني والمحلل الرياضي على أن التغيير يجب أن يشمل طريقة اختيار المسؤولين والمدربين واللاعبين، وأنه لا بد من انتقاء دقيق ومعايير عالية ومنظور شامل يرى في الفريق أكثر من مجرد نادٍ، بل مكون أساسي من مكونات الرياضة المغربية.
لاعبو الوداد السابقون يوجهون إنذارًا شديد اللهجة لإدارة النادي
وأوضح أن بعض المسؤولين داخل الفريقين يفتقرون للرؤية، مشيرا إلى أن ما نراه اليوم هو فشل متكرر، وتكرار لنفس الأخطاء في كل موسم، دون أي محاسبة أو مراجعة، داعيا إلى ضرورة تقييم ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية بصرامة وشفافية.
وأكد أن الطاقات الوطنية موجودة، سواء على مستوى الأطر التقنية أو اللاعبين أو حتى التسيير، لكن المطلوب هو منحهم الفرصة، والابتعاد عن الولاءات والانتماءات الضيقة التي تُفشل أي مشروع من بدايته.
وطالب بضرورة ربط المشاريع الرياضية بالتوجيهات الكبرى للسياسة الرياضية في المغرب، وخاصة ما تمخض عن المناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات 2008، والذي جرت تحت الرعاية الملكية السامية للملك محمد السادس.
واستطرد أن ما نعيشه اليوم من نجاح للكرة الوطنية والرياضة المغربية عامة هو ثمرة الرؤية الملكية المتبصرة، مؤكدا أنه علينا أن نواصل البناء حتى 2030 وما بعدها، مبرزا أن الرجاء والوداد لا يستحقان أن يبقيا في هذه الدوامة، مشددا على أنه آن الأوان للانطلاقة الحقيقية.

