تتصاعد المخاوف الحقوقية والمجتمعية بشأن استمرار الاعتداءات الجنسية على الأطفال، وسط دعوات متزايدة لتشديد العقوبات وتعزيز منظومة الحماية والتكفل بالضحايا.
وتكشف هذه الظاهرة عن إشكالات عميقة تتجاوز الإطار القانوني الصرف، لتلامس البنية الاجتماعية والنفسية، بالنظر إلى ما تخلفه من آثار صادمة وطويلة الأمد على الأطفال وأسرهم.
وتفرض هذه التحديات، وفق فاعلين حقوقيين، ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تقوم على الوقاية المبكرة، وتطوير آليات الرصد والتبليغ، إلى جانب توفير مواكبة نفسية واجتماعية فعالة للضحايا.
كما تبرز الظاهرة الحاجة الملحة إلى كسر دائرة الصمت داخل الأسرة والمدرسة، باعتبارها خطوة أساسية للحد من تفاقم هذه الانتهاكات وحماية الطفولة من مختلف أشكال الاستغلال.
♦الاعتداءات الجنسية تدمر الطفولة
أكدت فاطمة عريف، رئيسة جمعية صوت الطفل، أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال تمثل واحدة من أخطر القضايا المجتمعية والحقوقية، باعتبارها جرائم لا تقتصر آثارها على لحظة الاعتداء، بل تمتد لتدمر التوازن النفسي والاجتماعي للطفل لسنوات طويلة. وأوضحت عريف في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التجارب الميدانية التي راكمتها الجمعية في مواكبة الأطفال ضحايا الاغتصاب وهتك العرض كشفت حجم الألم الذي تعيشه هذه الفئة، سواء داخل أسرها أو في محيطها القريب.
وأبرزت أن العمل اليومي داخل الجمعية وضع أعضاءها أمام قصص “تهز الوجدان وتدمي القلوب”، بعدما جرى انتزاع براءة أطفال في عمر الزهور في لحظات غدر واستغلال، مؤكدة أن هذه القضايا لا يمكن التعامل معها بمنطق الصمت أو التخفيف من خطورتها، لأنها تمس جوهر كرامة الإنسان وحق الطفل في الأمان والحماية.
وشددت على أن الاعتداء الجنسي على القاصرين ليس مجرد فعل إجرامي معزول، بل “زلزال حقيقي” يضرب كيان الطفل ومستقبله النفسي والاجتماعي، موضحة أن الضحايا يعيشون في كثير من الأحيان حالة من الشتات النفسي والانهيار الداخلي، فيما تعاني الأسر بدورها من الإحساس بالعجز والذنب وعدم القدرة على استيعاب حجم الصدمة.
وأضافت أن جمعية “صوت الطفل” لا تحصر تدخلها في المؤازرة القانونية فقط، بل تسعى أيضا إلى إعادة ترميم النفوس المحطمة ومرافقة الضحايا نفسيا واجتماعيا، بالنظر إلى أن آثار هذه الجرائم تبقى عالقة في ذاكرة الأطفال لفترات طويلة، وقد تتحول إلى معاناة مزمنة إذا لم تتم مواكبتها بشكل مهني وإنساني.
♦مقاربة وطنية لحماية الأطفال
دعت فاطمة عريف إلى اعتماد مقاربة وطنية جذرية للتصدي لظاهرة الاعتداءات الجنسية على الأطفال، معتبرة أن خطورة الوضع الحالي تستوجب الانتقال من مرحلة ردود الفعل الظرفية إلى بناء سياسة متكاملة للحماية والوقاية والتكفل بالضحايا.
وأشارت إلى أن التجارب الميدانية للجمعية بمختلف مناطق جهة سوس ماسة أظهرت أن الأطفال يظلون من أكثر الفئات عرضة للاستغلال الجنسي بسبب هشاشتهم النفسية وثقتهم السهلة في المحيطين بهم، إضافة إلى استغلال بعض الجناة لضعف الضحايا أو لصغر سنهم وعدم قدرتهم على التعبير أو التبليغ.
وجددت التأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب الوقوف على مختلف جوانبها القانونية والاجتماعية والنفسية، انطلاقا من مراجعة المنظومة الجنائية وصولا إلى تطوير آليات الحماية والتكفل والمواكبة، معتبرة أن المقاربة الحالية لا تزال غير كافية بالنظر إلى حجم القضايا المسجلة والمعاناة التي تعيشها الأسر والضحايا.
وأفادت أن الفاعلين الحقوقيين والمجتمع المدني يطالبون اليوم بإجراءات حاسمة وملموسة قادرة على ردع المعتدين وحماية الأطفال بشكل فعلي، بدل الاكتفاء بالشعارات أو التدخلات المحدودة، مشيرة إلى أن الأطفال يحتاجون إلى بيئة آمنة يشعرون فيها بالحماية والثقة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو الفضاء العام.
وأضافت أن الصمت المجتمعي حول قضايا الاعتداءات الجنسية يساهم أحيانا في استمرار الانتهاكات، لذلك فإن كسر هذا الصمت بات ضرورة ملحة، خصوصا في ظل تزايد الوعي بخطورة الجرائم الجنسية وتأثيرها العميق على مستقبل الأطفال النفسي والدراسي والاجتماعي.
♦تشديد العقوبات والمواكبة
طالبت رئيسة جمعية “صوت الطفل” بتشديد العقوبات الزجرية ضد مرتكبي جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، مؤكدة أن أي تساهل أو استفادة من ظروف التخفيف يفتح المجال أمام الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار هذه الجرائم الخطيرة.
وشددت على ضرورة جعل التكفل النفسي بالضحايا حقا أساسيا تضمنه الدولة، معتبرة أن المصاحبة النفسية يجب أن تكون إجبارية ومندمجة ضمن مسار التقاضي والتكفل، لأن الطفل الضحية يحتاج إلى علاج ومواكبة طويلة الأمد تساعده على استعادة توازنه وثقته بنفسه.
كما دعت إلى تعزيز التوعية الجنسية والوقائية داخل الأسر والمؤسسات التعليمية، عبر تعليم الأطفال كيفية حماية أجسادهم والتبليغ عن أي سلوك مشبوه أو تحرش، مؤكدة أن الوقاية تبقى إحدى أهم الوسائل للحد من الاعتداءات الجنسية وكسر دائرة الخوف والصمت.
وأوضحت أن مسؤولية حماية الأطفال لا تقع على عاتق الجمعيات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشمل الدولة والأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع بأكمله، لأن حماية الطفولة تعني حماية مستقبل المجتمع نفسه.
وذهبت فاطمة عريف إلى أن جمعية صوت الطفل ستواصل نضالها الحقوقي والميداني من أجل تحقيق عدالة تنصف الضحايا وتوفر لهم الحماية والدعم اللازمين، مع المطالبة بتطبيق صارم للقانون في مواجهة كل من تورط في “اغتيال براءة الأطفال” أو المساس بحقهم في العيش بأمان وكرامة.

