أعلنت حكومة جمهورية مالي، الاثنين، عن نجاح عملية أمنية دقيقة أسفرت عن تحرير أربعة سائقي شاحنات مغاربة، اختطفوا في 18 يناير الماضي بشمال شرق بوركينا فاسو قرب الحدود مع النيجر.
وأكد البلاغ، الذي بثته القناة الرسمية، أن السائقين تم إطلاق سراحهم سالمين مساء الأحد، بعد سبعة أشهر من الاحتجاز لدى جماعة إرهابية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل، وهو الفرع الإقليمي لتنظيم “داعش”.
في عملية أمنية مشتركة بين مالي والمغرب.. تحرير 4 سائقين مغاربة من قبضة “داعش الساحل”
وأوضح المصدر ذاته، أن هذه العملية النوعية جاءت نتيجة تنسيق محكم بين الوكالة الوطنية لأمن الدولة في مالي والمديرية العامة للدراسات والمستندات في المغرب، حيث باشرت المؤسستان التحقيقات المشتركة منذ الساعات الأولى للاختطاف، معتمدة على أسلوب مهني وخطة دقيقة أثمرت عن هذه النتيجة الإيجابية.
وبناء على ما سبق، كيف يمكن لتعزيز التنسيق الاستخباراتي بين الدول الإفريقية أن يحد من نفوذ التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل؟
♦نجاح استخباراتي لافت بالمغرب
أكد المحلل السياسي محمد الطيار، والخبير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن الإفراج عن السائقين المغاربة الأربعة المختطفين منذ عدة أشهر في شمال شرق بوركينا فاسو يمثل محطة مفصلية في مسار النجاحات المتواصلة التي تحققها المخابرات المغربية الخارجية، المعروفة اختصارا بـ” DGED”.
واعتبر رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه العملية النوعية تعكس بوضوح المستوى العالي من الاحترافية الذي يميز هذا الجهاز، إلى جانب شبكة العلاقات المتعددة التي نسجها مع مختلف المكونات، سواء المجتمعات المحلية أو السلطات المركزية في دول الساحل الإفريقي.
وأضاف المتحدث أن هذا النجاح لم يأت من فراغ، بل يستند إلى قاعدة صلبة ترتكز على السمعة الطيبة والمصداقية الكبيرة التي يحظى بها المغرب في أوساط القبائل والمجتمعات المحلية بالمنطقة، وهو ما يسهل مهام التنسيق الميداني واللوجستي في مثل هذه العمليات المعقدة.
وأبرز المحلل السياسي أن هذه السمعة تعززت بفعل الأدوار البارزة التي يضطلع بها المغرب في التخفيف من معاناة شعوب الساحل، سواء من خلال الدعم الإنساني أو عبر المساهمة في استقرار المنطقة.
وشدد الطيار على أن الإفراج الأخير يضاف إلى سلسلة من النجاحات التي راكمتها المخابرات المغربية خلال السنوات الأخيرة، ما يجعلها فاعلا محوريا في أمن الساحل.
♦سوابق تثبت الكفاءة العالية
وفي الإطار ذاته، أوضح والخبير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، أن العملية الأخيرة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة من التدخلات الناجحة التي بصمت عليها المخابرات المغربية في مواجهة تحديات الإرهاب والاختطاف في منطقة الساحل.
وذكّر في هذا السياق بنجاح جهاز المخابرات المغرب في تحرير رهينة روماني يدعى يوليان غيرغوت، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 47 عاما، بعد أن ظل محتجزا لثماني سنوات لدى مجموعة مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة في بوركينا فاسو، مبرزا أن الإفراج عنه كان إنجازا استثنائيا بالنظر إلى طول مدة احتجازه وتعقيدات الملف.
كما توقف المحلل السياسي، عند عملية أخرى نوعية تمثلت في تحرير رهينة ألماني يدعى يورغ لانج، كان يبلغ من العمر 63 عامًا، بعد أن أمضى أكثر من أربع سنوات مختطفا لدى جماعات مسلحة في الساحل منذ سنة 2018.
وأشار رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية إلى أن هذه المهمة جاءت بعد فشل عدة محاولات قامت بها المخابرات الألمانية وجهات وسيطة أخرى، وهو ما يبرز قوة المخابرات المغربية في التفاوض والتنسيق، وقدرتها على تحقيق اختراقات نوعية في بيئات معقدة تسيطر عليها جماعات متطرفة.
وجدد الطيار تأكيده على أن هذه النجاحات ليست معزولة، بل تؤكد مهنية عالية وخبرة متراكمة في إدارة ملفات رهائن تتسم بالحساسية البالغة، فضلا عن التقدير الذي تحظى به الرباط لدى شركائها الأفارقة والدوليين.
♦علاقات مؤثرة ونفوذ متزايد
وفي سياق استعراضه لهذه الإنجازات، أشار الطيار إلى محطة مهمة أخرى عكست المستوى الرفيع من الفعالية الذي تتمتع به المخابرات المغربية، وهي عملية تحرير الدراجين المغاربة الذين اختفوا في أبريل 2023 على الحدود بين بوركينا فاسو والنيجر.
وبيّن أن العملية التي نفذت بالتنسيق مع الاستخبارات النيجيرية أسفرت عن الإفراج عن المختطفين في ظرف قياسي لم يتجاوز أربعة أسابيع، وهو ما يدل على السرعة في الاستجابة والدقة في التنفيذ.
وأظهر رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية أن مثل هذه العمليات تبرز حجم النفوذ الذي تتمتع به المخابرات المغربية في منطقة الساحل، حيث تنسج علاقات قوية ومتنوعة تشمل الزعامات القبلية، والمجتمعات المحلية، فضلا عن السلطات المركزية في دول المنطقة.
هل تقف إيران وراء دعم البوليساريو لتنفيذ تفجيرات السمارة ؟.. خبراء ومحللون يجيبون.
ويرى المتحدث أن هذه الشبكة الواسعة من العلاقات تُمكن المغرب من لعب دور مركزي في مواجهة المخاطر الأمنية العابرة للحدود، وتؤهله ليكون وسيطا موثوقا في حلحلة الأزمات الإنسانية المعقدة التي تعرفها المنطقة.
وخلص الطيار إلى أن هذه أن النجاحات التي حققتها المخابرات المغربية في الإفراج عن المختطفين، سواء مغاربة أو أجانب، لم تقتصر على إنقاذ الأرواح فقط، بل ساهمت في تعزيز صورة المغرب كقوة استقرار إقليمي وشريك موثوق في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ما يمنح الرباط مكانة متقدمة على الساحة الإفريقية والدولية.

