خلف تداول وسائل الإعلام الفرنسية منذ أيام خبر مفاده أن وزيرة خارجيتهم كاثرين كولونا ستحل بالمغرب يوم الخميس المقبل، تحضيرا لرحلة الرئيس إيمانويل ماكرون الرسمية إلى المملكة في يناير القادم، مجموعة من التساؤلات حول الأهداف من هذا الإعلان والزيارة المتوقعة، علما أن المؤسسات الرسمية لقصر “الإليزيه” لم تشر لحدود الساعة لهذا اللقاء المرتقب بين المسؤولين المغاربة ونظرائهم الفرنسيين.
ولم تشر وكالة الأنباء الرسمية الفرنسية (فرانس بريس)، التي نشرت مجموعة من الأخبار المتعلقة بالزيارة المرتقبة للوزيرة كولونا، إلى نوعية ودرجة المصدر الذي اعتمدته في تقاريرها، إذ اكتفت بعبارتي “مصادرنا” و”متحدثة”، وهو ما جعل عديد الخبراء يعتبرون أن أمر اللقاء بين المسؤولين المغاربة ونظرائهم الفرنسيين لم يجري الحسم فيه بعد، وأن باريس تحاول جس نبض الجانب المغربي في هذا الإطار، موضحين أن ازدواجية قصر “الإليزيه” تجعله شريكا غير موثوق به للرباط.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”، يرى محمد العمراني بوخبزة، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، وأستاذ القانون العام والعلاقات الدولية، أن هذه الزيارة لا يوجد بخصوصها أي إعلان رسمي صادر عن الجهات الرسمية من الجانبين الفرنسي والمغربي، وقد تدخل في باب الترويج الإعلامي من أجل جس نبض الرباط.
وأضاف العمراني بوخبزة أنه عندما يتم الحديث عن جس النبض فالهدف هو التعرف على رد فعل الأوساط الفرنسية والجهات المغربية، مشيرا إلى أنه ولحدود الساعة طالما ليس هناك أي معلومة صدرت عن الجهات الرسمية في البلدين، لافتا إلى أنه ليس المرة الأولى التي تخرج فيها أخبار من الجانب الفرنسي عن وجود انفراج في العلاقات بين باريس والرباط.
وأبرز في السياق ذاته، أنه سبق أن أعلن الرئيس ماكرون عن زيارة مرتقبة له إلى المغرب خلال شهر نونبر المنقضي، والتي لم تتم بالرغم من أن الإعلان صدر عن صاحب القرار في قصر “الإليزيه”، حيث لم يكن هناك أي بلاغ رسمي وقتها.
وأكد عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، أنه ليس هناك أي مؤشرات يمكن الاعتماد عليها، للقول إن هناك بداية انفراج في الأفق القريب فيما يخص الأزمة الصامتة بين فرنسا والمغرب، ما عدا الحديث عن فوز شركة الهندسة الفرنسية “ايجيس – Egis” المتخصصة في البنى التحتية والنقل، بصفقة إنجاز ثاني خط للقطار فائق السرعة “تي جي في – TGV”، الذي سيربط بين مدينتي القنيطرة ومراكش بطول على امتداد 430 كيلومترا، بقيمة مالية تبلغ 75 مليار درهم.
وتابع المتحدث ذاته، القول إنه في حين أن النشاط المغربي لا زال متعلقا بوضوح الرؤية والموقف الصريح في ضرورة حماية مصالحه وقضاياه الأساسية في بناء علاقاته مع شركائه الدوليين، فإن الجانب الفرنسي يعتمد انتقائية في عدد من المسائل مثلما هو الشأن بالنسبة لخفض عدد التأشيرات الصادرة للمغاربة بنسبة 50 %، وهو ما يحيل إلى أن الأمور لا تزال على ما هي عليه.
وشدد أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية على أن المملكة لن تتراجع عن قرارها بعدم تقبل المواقف الغامضة من شركائها الدوليين فيما يتعلق بنزاع الصحراء المغربية، بعدما جاء ذلك في الخطاب الملكي الموجه إلى الأمة، والذي تم تنزيله على أرض الواقع بشكل حرفي.
ولفت العمراني بوخبزة في هذا الإطار، إلى التعامل المغربي مع كثيرين من الدول الوازنة كألمانيا، مشيرين إلى أن فرنسا ليس في وضع يسمح لها بفرض أي شروط كيفما كانت على الرباط، وذلك بحكم وضعها الصعب حاليا، لاسيما وأنها تعيش مشاكل كبيرة مع مستعمراتها السابقة، موضحا أنها تعلم أن من بين المداخيل لكي تستعيد مكانتها في القارة الإفريقية، يأتي أبرزها عن طريق المغرب، الذي لديه مصداقية داخل قارته ويتم التعامل معه على هذا الأساس.
وأوضح الخبير في العلوم السياسية أن المغرب واضح في موقفه، وهو يكرس هذا الأمر مع فرنسا أكثر من أي دولة أخرى، لأنها هي من كانت تستفيد من الموقف الضبابي، وإن كان أن موقفها داخل مجلس الأمن داعم للرباط أو أنها لا تستخدم حق النقض (الفيتو) أو تمتنع عن التصويت بخصوص الملفات المرتبطة بمصالح المملكة.
واستطرد قائلا إن المرحلة الحالية تحتاج إلى حسم في الموقف، وخاصة أن لفرنسا ما يساعدها على تبرير موقفها، وذلك بعد مواقف إسبانيا وهولندا وألمانيا الداعمة لطرح المملكة في قضية الصحراء المغربية، مشيرا إلى أن البلدان الثلاثة لها وزنها في اتخاذ القرارات على مستوى الاتحاد الأوروبي.
يذكر أن وكالة “فرانس بريس” أبرزت في تقرير لها، أنه لم يحدد ما إذا كانت قضية الصحراء المغربية ستناقش خلال زيارة الوزيرة كولونا للرباط، لافتة إلى أنه في مؤشر لتهدئة العلاقات بين البلدين، اقترح ماكرون تعيين كريستوف لوكورتييه، مدير مؤسسة “بيزنس فرانس” لتولي منصب سفير فرنسا في الرباط، الشاغر منذ عدة أشهر، من أجل تجديد خيط العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين.

