في خطوة تعكس التزام المغرب بمواقفه الثابتة تجاه القضايا العربية، بعث الملك محمد السادس رسالة تهنئة إلى أحمد الشرع بمناسبة توليه رئاسة سوريا، والذي سبقته قطيعة دبلوماسية فرضتها الرباط منذ اندلاع الثورة السورية، حين أغلق سفارته في دمشق وأكد دعمه لتطلعات الشعب السوري، ومع هذا التطور، يثار التساؤل حول ما إذا كانت هذه الرسالة تعبر عن دعم صريح للإدارة السورية الجديدة، أم أنها تندرج فقط في سياق الأعراف الدبلوماسية.
ويفتح هذا الحدث الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل العلاقات المغربية-السورية، وإمكانية أن تشهد تطورات تعكس إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية، خصوصًا فيما يتعلق بموقف سوريا الجديدة من قضية الصحراء المغربية، في ظل العلاقة الوثيقة التي جمعت نظام الأسد السابق بجبهة البوليساريو والجزائر.
الملك يهنئ أحمد الشرع بمناسبة توليه رئاسة الجمهورية العربية السورية
♦ الإشارات الدبلوماسية
اعتبر الحسين كنون، الباحث في العلاقات الدولية، ورئيس المرصد المغاربي للدراسات السياسية، أن الرسالة الملكية السامية التي بعثها الملك إلى القيادة السورية الجديدة، تتجاوز كونها مجرد تهنئة رمزية، بل تُعد بمثابة إعلان صريح عن دعم المغرب لمسيرة الانتقال الديمقراطي دمشق.
وقال كنون في تصريح لجريدة “شفاف”، إن المغرب الذي طالما وقف إلى جانب الشعب السوري منذ بداية الثورة، يشدد اليوم على ضرورة مرور هذه المرحلة الانتقالية بأمن وسلام، مع توفير الفرصة لإجراء انتخابات نزيهة تفضي إلى تشكيل مؤسسات دستورية تمثل إرادة الشعب.
وأردف أن هذه الرسالة تحمل العديد من الإشارات الدبلوماسية والتلميحات السياسية؛ إذ تؤكد جلية الموقف المغربي القائم على الوحدة العربية والإسلامية، وتجسد دور المغرب كلاعب إقليمي يسعى لرد الاعتبار لسوريا في المحافل العربية، وبالأخص الجامعة العربية.
بوريطة : موقف المغرب واضح ودائم في الحفاظ على الوحدة الترابية والسيادة الوطنية لسوريا
ولفت إلى أن المملكة المغربية سبق لها أن استضافت في الرباط الفرقاء السوريين والأطراف المعارضة للنظام وقتها من أجل الانتقال الديمقراطي، والحفاظ على وحدة الشعب السوري ومصلحته، وكانت ضد تشريد الشعب السوري وتحويله للاجئين في جميع أنحاء العالم.
وشدد الباحث في العلاقات الدولية، على أن المغرب -الذي يعتبر من الداعمين لوحدة الشعوب العربية وتحقيق الأمن الشامل، أي الغذائي والطاقي والدوائي-؛ يعيد من خلال هذه الرسالة التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو المبدأ الذي يتماشى مع التجربة المغربية في دعم الاستقرار والتنمية.
وأكد على أن دبلوماسية المملكة المغربية الملكية ليست مجرد إجراءات رمزية في هذا الجانب، بل هي استراتيجية متكاملة تهدف بشكل واضح وصريح إلى دعم الانتقال الديمقراطي في سوريا وتعزيز وحدة الشعوب العربية في مواجهة التحديات المشتركة.
♦ آفاق التعاون وقضية الصحراء
يرى الحسين كنون أنه من المتوقع أن يُفتح باب التعاون الثنائي بين المغرب وسوريا على عدة مستويات؛ سواءً في المجالات الأمنية أو الاقتصادية أو الثقافية، مشيرا إلى إمكانية إقامة اتفاقيات شراكة استراتيجية تتيح لسوريا الاستفادة من التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب وتطوير القدرات التقنية والرقمية.
ولفت رئيس المرصد المغاربي للدراسات السياسية، إلى أن ذلك من المرتقب أن يشمل أيضا جانب التعاون في ميادين التنمية المختلفة، حيث سيشكل إطارًا يساهم في تجاوز المرحلة الانتقالية وتعزيز قدرات المؤسسات السورية.
وأردف أنه من جهة أخرى، يطرح سؤال ملح يتمثل في مدى إمكانية القيادة السورية الجديدة في إعادة النظر في موقفها من قضية الصحراء المغربية، مبرزا أن المواقف السابقة التي ارتبطت بقيادة النظام الديكتاتوري في دمشق (نظام بشار الأسد) والتي كانت متوائمة مع مواقف البوليساريو والجزائر، لا تعكس الصورة الكاملة لما يمكن أن يسعى إليه الشعب السوري والقيادة الانتقالية الحالية.
وأشار إلى أنه بناءً على الإشارات الموجودة في الرسالة الملكية، يمكن أن يكون هناك تغيير إيجابي يتماشى مع مصلحة الشعب السوري والوحدة العربية، وأن يتجسد ذلك في موقف واضح وصريح يدعم العدالة والشرعية في القضايا الإقليمية، مثلما هو الأمر مع ملف الصحراء المغربية.
وأبرز أن الدبلوماسية الملكية، بتأييدها لهذه القيادة الجديدة المؤقتة، تدعو إلى رد الروح إلى وحدة الصف وبناء سورية جديدة، لتكون جزءًا من الأمة العربية، لافتا إلى أنه في نفس الوقت، ترى القيادة المغربية أهمية احترام وحدة المغرب؛ وعلى رأسها ذلك قضية الصحراء المغربية.
وأوضح أن هذه الرسالة لن يكون لها أثر إلا في إطار التعاون وتقديم المساعدة للأشقاء السوريين لعبور هذه المرحلة العصيبة؛ وأنه بالتالي قد تترتب عليها زيارة للملك أو زيارات دبلوماسية بتعليماته، سواء في إطار التعاون التجاري والاقتصادي والثقافي، متمنيا مع العودة إلى الجامعة العربية، أن تكون سوريا مع وحدة المغرب ومع قضيته الوطنية الأولى.

