على هامش الدورة الـ51 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول، عقدت الجزائر سلسلة لقاءات ثنائية مع المسؤولين الموريتانيين في إطار مساعي واضحة للتأثير على الموقف الحيادي والمتوازن لموريتانيا تجاه ملف الصحراء المغربية.
ويطرح هذا السياق تساؤلات حول مدى قدرة الجزائر على إحداث تغيير فعلي في مواقف موريتانيا، التي تبدو متمسكة بسياسة الحياد الإيجابي، ومدى تأثير هذه التحركات على مستقبل التوازن السياسي والدبلوماسي في منطقة المغرب العربي والساحل.
♦ارتباك دبلوماسي ومناورات عقيمة
يرى المحلل السياسي عباس الوردي، أن التحركات الأخيرة للوفد الجزائري خلال الدورة 51 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي بإسطنبول، خاصة محاولته الزج بملف الصحراء المغربية عبر لقاءات متكررة مع الجانب الموريتاني، تعكس ارتباكا دبلوماسيا واضحا.
ويعتبر الوردي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا السلوك يكشف عن مرحلة انحدار تمر بها الدبلوماسية الجزائرية، التي باتت تلجأ إلى المناورة بدل البناء، في وقت تتجه فيه دول المنطقة نحو شراكات متزنة ومصالح استراتيجية مشتركة.
مقتل ضباط جزائريين بطهران.. هل أصبح النظام الجزائري ذراعاً ميدانية لإيران في الشرق الأوسط؟
ويكشف المحلل السياسي، أن تلك الممارسات تعكس ارتباكا دبلوماسيا واضحا في النهج الدبلوماسي الجزائري، وعجز عن التأثير في مواقف الدول المجاورة، ما يبرز غياب البوصلة السياسية وفقدان القدرة على مواكبة التحولات الإقليمية.
وبين الوردي أن الجزائر حاولت، عبر تحركات دبلوماسية متكررة، التأثير على الموقف الموريتاني من قضية الصحراء المغربية، من خلال دفعها إلى الانخراط في نقاشات منحازة خلال اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي وغيره.
♦ثبات الموقف الموريتاني
ويشدد المتحدث على أن هذه المحاولات اصطدمت بثبات الموقف الموريتاني، الذي واصل تأكيد حياده الإيجابي واحترامه الواضح للوحدة الترابية للمغرب، في انسجام تام مع خياراته الاستراتيجية الهادئة والمتوازنة.
وانتقد الوردي تحركات الجزائر الأخيرة، مؤكدا أنها تفتقر إلى الحكمة الدبلوماسية وتعتمد أساليب استفزازية تخلف توترا غير مبرر، متجاهلة قواعد حسن الجوار وسيادة الدول.
وأوضح أن هذا المسار أدى إلى تضييق دائرة علاقاتها الدبلوماسية، حيث واجهت ردود فعل سلبية من عدة دول، بينها موريتانيا التي اختارت الوقوف بعيدا عن هذه المناورات العقيمة حفاظا على استقرار المنطقة.
ويؤكد الوردي أن الموقف الموريتاني تجاه قضية الصحراء المغربية يعكس وعيا استراتيجيا عميقا بأهمية الحفاظ على استقرار المنطقة، وترسيخًا واضحًا لمبادئ حسن الجوار.
ويشير المتحدث إلى أن موريتانيا اعتمدت إجراءات أمنية مشددة لمنع تسلل ميليشيات البوليساريو، وأغلقت المنافذ أمام محاولات زعزعة أمنها الداخلي، مما يعزز استقرارها ويؤكد حرصها على صون سيادتها الوطنية.
وجدد الوردي تأكيده على أن هذا الحياد لا يرمز إلى غياب الموقف، بل يجسد سياسة متوازنة تحمي مصالح البلاد وتصد أي تدخلات خارجية تهدد أمنها واستقرار المنطقة، مضيفا أن هذا التوجه يقوي الروابط الأخوية مع المغرب المبنية على الاحترام المتبادل والتعاون المثمر.
♦دبلوماسية متزنة وتعزيز الشراكات
ويبرز الوردي على أن المغرب، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، يواصل التزامه بسياسة خارجية متزنة وواقعية، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ويضيف إلى أن المملكة لا تلجأ إلى أساليب الوصاية أو الضغوط في علاقاتها مع جيرانها، بما في ذلك موريتانيا، بل تفضل العمل وفق مقاربات دبلوماسية مسؤولة ترتكز على الشرعية والقانون، دفاعاً عن وحدتها الترابية من طنجة إلى الكويرة.
وأردف المتحدث، أن المغرب يتحرك وفق رؤية استراتيجية واضحة تحمي مصالحه وسيادته، بعيدا عن أي انجرار وراء استفزازات الجزائر أو غيرها، وهو ما عزز من مكانته كقوة إقليمية موثوقة تحظى بتقدير واسع من الدول التي تثمّن الاستقرار وتؤمن بقيم التعاون المتوازن.
ويشدد الوردي على أن العلاقات المغربية-الموريتانية تواصل تعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي، مدفوعة بإرادة متبادلة لترسيخ التعاون الوثيق بين البلدين.
ويلفت إلى أن زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب اللقاءات المنتظمة بين كبار القادة العسكريين والمسؤولين الحكوميين، تعكس انسجاما متزايدا في الرؤى وتنسيقا فعّالا على مختلف المستويات.
ويثمن المتحدث هذا المسار التصاعدي باعتباره دليلا واضحا على حرص المغرب على احترام السيادة الوطنية لموريتانيا، وامتناعه عن أي تدخل في قراراتها الداخلية، ما يعكس عمق الالتزام بشراكة تقوم على الندية والتقدير المتبادل.
♦شراكة استراتيجية متينة
وذهب الوردي إلى أن العلاقات المغربية الموريتانية تجاوزت إطار التنسيق الظرفي نحو شراكة استراتيجية متماسكة، وتستند إلى الاحترام المتبادل والتقاطع الفعلي في المصالح العليا للبلدين.
ويعزو الوردي ثبات الموقف الموريتاني اتجاه المغرب إلى الدور المحوري الذي تلعبه المملكة في مرافقة المسار التنموي لنواكشط، انطلاقا من شراكته الاستراتيجية. مبرزا أن المغرب يرافق المسار التنموي لموريتانيا باعتباره شريكا موثوقا ومسؤولا، فيما تجسد مواقف نواكشوط تمسكا ثابتا بالثوابت الوطنية للمملكة. ومشددا على أن هذا الوضع يعكس فهما مشتركا لمتطلبات الاستقرار ويكرس تعاوناً إقليميا يتجاوز الحسابات الضيقة.
ويعتبر الوردي أن هذه الدينامية الإيجابية تجسد نضجا سياسيا ودبلوماسيا لدى كل من المغرب وموريتانيا، حيث يواصل المغرب توطيد روابط التعاون مع جيرانه بعيدا عن منطق الصدامات أو التوترات المفتعلة.
الجزائر تُفعل خيار التعبئة العامة.. هل هو إعلان أزمة أم استعداد لصراع؟
ويفيد بأن المملكة استطاعت ترسيخ حضورها الدولي عبر دبلوماسية هادئة وموثوقة، ما مكنها من كسب تأييد متنامٍ في ملف الصحراء المغربية، في مقابل تعثر الجزائر في إقناع الرأي العام الدولي بمواقفها، التي لا تستند إلى مقومات قانونية أو حجج سياسية صلبة.
وأظهر الوردي على أن الجزائر تعاني من عزلة دبلوماسية متزايدة بسبب غياب رؤية استراتيجية واضحة في تحركاتها الأخيرة، مشيرا إلى أن محاولاتها لإثارة ملف الصحراء في المحافل الدولية تتسبب في توتر علاقاتها، خاصة مع موريتانيا التي أظهرت ثباتا في موقفها، فضلا عن دول أخرى تفضل التعاون مع المغرب كشريك يعتمد عليه في حفظ الأمن والاستقرار.
وجدد المحلل السياسي تأكيده على أن المغرب، من خلال دبلوماسيته الحكيمة وثباته الوطني، يرسخ مكانته كقوة إقليمية فاعلة، فيما تتطور العلاقات بينه وبين موريتانيا بشكل يعكس الاحترام المتبادل والتنسيق المستمر.
وخلص إلى أن هذا النموذج المغربي يبرهن على قدرته في قيادة جهود السلام والتنمية بالمنطقة، مما يعزز دوره المحوري في المشهد المغاربي.

