أثار مشروع القانون رقم 54.23 المتعلق بتعديل الإطار القانوني للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض نقاشا واسعا داخل الأوساط الصحية والمؤسساتية، في سياق تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة منظومة التغطية الصحية.
ويهدف المشروع إلى إدخال تغييرات على أسلوب تدبير التأمين الصحي وتنظيم العلاقة بين مختلف المتدخلين، بما يفترض أن يعزز الانسجام والنجاعة في تقديم الخدمات.
وتبرز القراءات المتداولة حول النص أن هذه التعديلات تندرج ضمن مسعى لتوحيد الأنظمة وتبسيط مساطر الاستفادة، غير أنها في المقابل تثير تساؤلات مرتبطة بتأثير بعض المقتضيات على التوازنات القائمة داخل المنظومة الصحية، وعلى ضمان ولوج منصف ومستدام للعلاج.
ويظهر الجدل المرافق للمشروع حساسية الإصلاحات القانونية المرتبطة بالقطاع الصحي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالحق في الصحة وجودة الخدمات، وما يرافق ذلك من رهانات اجتماعية وتنظيمية تستدعي نقاشا عموميا متوازنا ومسؤولا.
♦تحول مقلق بالمنظومة الصحية
حذّر علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، من التداعيات العميقة لتعديل المادة 44 من القانون رقم 54.23 المتعلق بالتأمين الإجباري عن المرض، معتبرا أن هذا التعديل لا يندرج في إطار تحسين الحكامة الصحية أو تطوير جودة الخدمات، بقدر ما يؤشر على انتقال مقلق من منطق الرعاية الصحية المبنية على الحاجة الطبية والعلمية إلى منطق آخر تحكمه الاعتبارات التجارية والربحية، بما قد ينعكس سلبا على جوهر الحق في الصحة كما هو مكفول دستورياً.
وأوضح لطفي في تصريح لجريدة “شفاف” أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في الصيغة القانونية للتعديل، بل في الفلسفة التي تؤطره، والتي تفتح الباب أمام تدخل شركات التأمين الصحي التكميلي في مجالات تتجاوز التمويل، لتصل إلى صلب القرار الطبي والتنظيم العلاجي، وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالات أخلاقية ومهنية وقانونية ذات أبعاد خطيرة.
واعتبر المتحدث أن تعديل المادة 44 يشكل تحولا بنيويا في طبيعة النظام الصحي، حيث يتم الانتقال من مقاربة تضع المريض واحتياجاته الطبية في صلب الاهتمام، إلى مقاربة تخضع الفعل العلاجي لحسابات مالية مرتبطة بتقليص النفقات وتعظيم الأرباح.
وأبرز أن هذا التحول يهدد استقلالية الطبيب، باعتباره الفاعل الأساسي في تشخيص المرض وتحديد أنجع السبل العلاجية، إذ يصبح القرار الطبي، وفق هذا التوجه، محكوما بسقوف مالية وبروتوكولات علاجية تضعها شركات التأمين، وليس بالضرورة بالمعايير العلمية أو الإكلينيكية المعتمدة.
ونوه إلى أن خطورة هذا المسار تتجلى في تحويل شركات التأمين من جهات ممولة ومرافقة للمنظومة الصحية إلى جهات تقريرية، تتدخل بشكل مباشر في تحديد نوعية العلاجات، ومدد الاستشفاء، ونوعية الأدوية، بل وحتى في قبول أو رفض بعض الإجراءات الطبية، وهو ما يُفرغ الممارسة الطبية من بعدها الإنساني والعلمي.
ولفت إلى أن فرض بروتوكولات علاجية “اقتصادية” بدعوى التحكم في التكاليف، قد يؤدي إلى تهميش المقاربة العلمية المبنية على تشخيص فردي لكل حالة، ويجعل الطبيب مجرد منفذ لسياسات الشركة، بدل كونه صاحب قرار مستقل يستند إلى تكوينه وخبرته وأخلاقيات مهنته.
وشدد على أن هذا التوجه لا يهدد فقط الممارسة الطبية، بل يمس بثقة المواطن في المنظومة الصحية ككل، ويُضعف العلاقة العلاجية بين الطبيب والمريض، التي تقوم أساساً على الثقة والاستقلالية والمسؤولية المهنية.
♦مساس بالحقوق الدستورية
أكد علي لطفي أن التعديل المقترح يمس بشكل مباشر المضمون الدستوري للحق في الصحة، كما هو منصوص عليه في الفصل 31 من الدستور، والذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين من العلاج والعناية الصحية دون تمييز.
وأوضح أن إخضاع الولوج إلى العلاج لمنطق مالي وربحي يخلق حواجز غير مرئية، لكنها فعالة، أمام فئات واسعة من المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، الذين يعتمدون أساسا على التغطية الصحية الأساسية، والتي لا تغطي في كثير من الحالات 100 في المائة من النفقات الصحية.
وأشعر من أن هذا التوجه قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الطبقية والصحية، عبر تكريس نظام صحي “بسرعتين”: نظام متكامل وعالي الجودة لفائدة من يتوفرون على تأمين تكميلي قوي، ونظام محدود أو مقلص لفائدة من يكتفون بالتأمين الإجباري الأساسي.
ونبّه إلى أن هذا التمييز غير المعلن يتعارض مع مبادئ العدالة الصحية وتكافؤ الفرص، ويقوض أسس التضامن الاجتماعي التي يفترض أن يقوم عليها أي نظام صحي وطني.
وأشار إلى أن من بين المخاطر المحتملة لهذا التوجه، استثناء بعض الأمراض المزمنة أو العلاجات الباهظة الكلفة من التغطية، بدعوى ارتفاع مصاريفها، وهو ما قد يضع المرضى في مواجهة مباشرة مع أعباء مالية لا طاقة لهم بها، ويدفع البعض إلى التخلي عن العلاج أو تأجيله، بما لذلك من آثار صحية واجتماعية خطيرة.
وبين أن تعقيد المساطر الإدارية المرتبطة بالموافقات المسبقة والملفات الطبية والتقارير، لا يخدم جودة العلاج، بل يهدف في نهاية المطاف إلى تقليص الإنفاق، حتى وإن كان ذلك على حساب صحة المريض وكرامته.
♦هيمنة تجارية وحلول مطروحة
سجل رئيس الشبكة وجود تعارض بنيوي بين الأهداف التجارية لشركات التأمين، التي تسعى بطبيعتها إلى تقليص النفقات وتعظيم الأرباح، وبين أهداف المنظومة الصحية، التي يفترض أن تضع صحة المواطن وجودة العلاج في مقدمة أولوياتها.
ولفت إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى سيطرة تدريجية لشركات التأمين على سوق الأدوية والمعدات والتجهيزات الطبية، وهو ما من شأنه رفع الأسعار بشكل أكبر، في ظل واقع يشهد أصلا ارتفاعا مقلقا في أثمنة الأدوية والتجهيزات، تصل في بعض الحالات إلى خمسة أو عشرة أضعاف أسعارها في بلدان المنشأ.
وانتقد ضعف آليات المراقبة والشفافية في هذا المجال، معتبرا أن العجز المسجل في أداء الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، إلى جانب غياب تدخل فعال لمجلس المنافسة، يساهم في تفشي الاحتكار وفرض هوامش ربح مرتفعة تصل، حسب تقديراته، إلى 250 في المائة في بعض القطاعات.
ودعا إلى حذف المادة 44 بصيغتها الحالية، ومنع أي تدخل لشركات التأمين في الإدارة الطبية أو القرار العلاجي، مع الاكتفاء بدورها التمويلي، وفق ضوابط واضحة تحترم استقلالية الطبيب وحقوق المريض.
وطالب بتعزيز دور الرقابة الحكومية، عبر تفعيل الآليات الدستورية لمجلس المنافسة، وتمكين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية من وسائل التدخل الفعلي لضبط الأسعار، ومحاربة الاحتكار، وضمان الشفافية في سوق الأدوية والخدمات الصحية.
وأنهى لطفي تصريحه بالتأكيد على ضرورة تعميم التغطية الصحية الشاملة دون تمييز، وضمان عدالة صحية حقيقية وجودة خدمات قائمة على المعايير العلمية والإنسانية، بما يحفظ كرامة المواطن ويصون الحق في الصحة كحق أساسي غير قابل للتفاوض.

