أعطت المائدة المستديرة التي نظمها مركز تناظر للدراسات والأبحاث قيمة مضافة للنقاش العمومي حول التطوع والتضامن، لأن أشغالها انتهت إلى وثيقة تركيبية واضحة حملت عنوان: “ورقة مركز تناظر حول التطوع والتضامن والالتقائية: خلاصات وتوصيات مائدة الرباط”.
وقد صيغت هذه الورقة في ضوء المداخلات والنقاشات التي عرفها اللقاء، بما جعلها مخرجا عمليا قابلا للتداول مع القطاعات الوزارية والمؤسسات والهيئات المدنية ووسائل الإعلام.
وسجلت الورقة أن الرهان المطروح اليوم يرتبط بدرجة الانسجام بين المتدخلين، ووضوح الأدوار، وقدرة البرامج العمومية والمجتمعية على الالتقاء حول أهداف مشتركة ومؤشرات أثر موحدة.
ومن هذا المنطلق، أوصت ببلورة رؤية وطنية مؤطرة لمجال التطوع والتضامن، وبإرساء آلية مؤسساتية أو إطار دائم للتشاور والتنسيق، وبتقوية حضور الالتقائية في التخطيط العمومي، إلى جانب دعم قدرات الجمعيات، وتطوير قاعدة معطيات دقيقة حول إسهامات التطوع الجمعوي، وترسيخ ثقافة التطوع داخل المدرسة والجامعة وفضاءات التنشئة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يظهر الدور الذي اضطلع به الدكتور فؤاد مسرة في توجيه اللقاء نحو المخرجات، حيث قدم المركز بوصفه فضاء لإنتاج أسئلة دقيقة واقتراحات قابلة للاستثمار، وأعطى للنقاش بعدا مؤسساتيا يجعل من الورقة الختامية وثيقة مرجعية أولية في هذا الورش.
كما أن دعم مؤسسة هانس زايدل وتعاون وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة منحا للموعد بعدا نوعيا، وساهما في توفير شروط لقاء يجمع بين الخبرة الأكاديمية والانشغال العمومي والممارسة المدنية.
وتكمن قوة هذه الورقة في أنها لم تقف عند حدود التشخيص، بل وسعت دائرة التفكير نحو الاستدامة والمتابعة، وأعلنت صراحة عزم مركز تناظر على مواصلة الانكباب على الملف الاجتماعي من زاوية جديدة قوامها دراسة التضامن والتطوع والالتقائية بين السياسات العمومية.
وهنا تبرز قيمة هذا العمل بوصفه لبنة في مسار تفكير مؤسساتي طويل النفس، يلتقي مع التوجيهات الملكية السامية الهادفة إلى تقوية التماسك الاجتماعي وتثمين الرأسمال البشري وتجويد نجاعة التدخل العمومي.
كما كشفت هذه المائدة المستديرة عن حاجة متزايدة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الرصيد المجتمعي الذي يمثله التطوع والتضامن وبين أدوات الفعل العمومي، بما يسمح بالانتقال من منطق المبادرات المتجاورة إلى منطق الأثر المنظم.
وقد أبرز النقاش أن قيمة هذا المجال لا تتحدد فقط بوفرة المبادرات وتنوعها، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات والفاعلين على بناء صيغ أكثر تماسكا في التنسيق والتخطيط والتنزيل والتتبع.
ومن هذه الزاوية، ظهر أن الالتقائية تكتسي وظيفة عملية تتجاوز بعدها التقني، لأنها تتيح توضيح الأدوار، وتحسين توجيه الموارد، وتقوية الانسجام بين الحاجات الاجتماعية والبرامج العمومية.
كما اتضح أن توسيع الأثر يظل رهينا بمدى قدرة مختلف المتدخلين على الاشتغال داخل رؤية مشتركة، تجعل من التطوع والتضامن رافعتين فعليتين للتماسك الاجتماعي والتنمية.
وفي امتداد هذا الأفق، أعطت الورقة الختامية للقاء لهذا النقاش مضمونا مؤسساتيا أوضح، حين حولت المداولات إلى خلاصات وتوصيات قابلة للتوجيه نحو الفاعلين العموميين والمدنيين.
فقد أكدت الوثيقة أهمية الرؤية الوطنية المؤطرة، وآليات التشاور والتنسيق، والبعد الترابي، ودعم قدرات الجمعيات، وترسيخ ثقافة التطوع في المدرسة والجامعة وفضاءات التنشئة الاجتماعية، بما يجعل هذا الورش أكثر اتصالا بالاستدامة والمتابعة.
وبهذا المعنى، لم تتوقف قيمة اللقاء عند حدود إثارة الموضوع أو توسيع النقاش حوله، وإنما امتدت إلى بناء أفق عملي يربط بين المعرفة والاقتراح، وبين التشخيص وإمكانات التفعيل.
ومن هنا، بدت مائدة الرباط محطة نوعية في مسار أوسع يروم إغناء التفكير العمومي حول التطوع والتضامن والالتقائية، وفتح المجال أمام مقاربات أكثر نجاعة وقربا من التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

