مع اقتراب عيد الأضحى بنحو شهرين، عاد الجدل مجددًا في المغرب حول وضعية سوق الأضاحي، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء خلال الأشهر الأخيرة، وبين تأكيد المهنيين وفرة رؤوس الأغنام في السوق الوطنية، وتحذير بعض المربين من احتمال ارتفاع الأسعار بسبب كلفة الأعلاف، يجد المستهلك نفسه أمام معطيات متضاربة تزيد من حالة الترقب والقلق بشأن كلفة الأضحية هذا العام.
ولكن خلف هذا الجدل، تبرز أسئلة حول العوامل الحقيقية التي تتحكم في أسعار الأكباش بالمغرب، وإن كان يتعلق الأمر فعلاً بارتفاع تكاليف الإنتاج والأعلاف، أم أن السوق باتت أكثر عرضة للمضاربة وهوامش الربح المرتفعة لدى الوسطاء، وكذا الحد الذي يمكن من خلاله للتوترات الدولية أن تؤثر فعليًا في سوق محلية يقال إن العرض فيها يفوق الطلب.
❖ واقع القطيع
يرى رياض وحتيتا، الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، أن فهم وضعية أسعار الأضاحي يقتضي بداية العودة إلى المعطيات المرتبطة بحجم القطيع الوطني للماشية، فحسب آخر الإحصاءات المتوفرة، يبلغ مجموع رؤوس الماشية في المغرب حوالي 32 مليون رأس، منها نحو 22 مليون رأس من الأغنام، لافتًا إلى أن جزءًا مهمًا من هذا العدد يتعلق بالإناث المخصصة للتوالد، وهو ما يحد من الكمية المتاحة فعليًا للتسويق خلال موسم الأضاحي.
وأشار وحتيتا في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن حوالي 16 مليون رأس من هذه الأغنام كانت معنية بعملية الإحصاء التي جرت خلال شهري نونبر ودجنبر من سنة 2025، ما يترك ما يقارب ستة إلى سبعة ملايين رأس من الخرفان التي يمكن أن تكون متوفرة خلال الفترة الحالية.
رغم إلغاء شعيرة الأضحية والإعفاءات الجمركية والضريبية.. لماذا تواصل أسعار اللحوم الحمراء الارتفاع؟
وأبرز الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، أن هذه الأرقام الصادرة عن وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، توضح أن الحديث عن وفرة كبيرة في القطيع لا يعكس بالضرورة واقع السوق اليوم.
وأردف أن عملية إعادة تكوين القطيع الوطني تحتاج إلى وقت طويل نسبيًا، لأن دورة الإنتاج في تربية الماشية تعتمد على مراحل متعددة تبدأ بالتوالد ثم التربية والتسمين قبل الوصول إلى مرحلة التسويق.
وفي السياق ذاته، اعتبر أن الزيادات الطبيعية في عدد الرؤوس لا يمكن أن تعوض بسرعة الخسائر التي تكبدها القطاع خلال سنوات الجفاف الماضية.
وأضاف أن جزءًا مهمًا من القطيع سيتم استهلاكه خلال شهر رمضان وبعده مباشرة، وهو ما قد يخلق ضغطًا إضافيًا على العرض مع اقتراب عيد الأضحى، وبالتالي يفسر احتمال حدوث ارتفاع نسبي في الأسعار.
❖ تأثير الأمطار
من بين العوامل التي كثيرًا ما يتم الاستناد إليها في النقاش العمومي مسألة التساقطات المطرية التي عرفها الموسم الفلاحي الحالي، وفي هذا السياق يوضح وحتيتا أن هذه الأمطار بالفعل تشكل عاملاً إيجابيًا بالنسبة للقطاع، لأنها تساعد على تحسين المراعي الطبيعية وتوفير الكلأ، ما يخفف نسبيًا من تكاليف تغذية الماشية.
ولكن هذا الأثر الإيجابي، حسب وحتيتا، لا ينعكس بشكل مباشر وفوري على أسعار اللحوم أو الأضاحي في السوق، فالتساقطات الحالية ستظهر نتائجها الحقيقية خلال الموسم المقبل، وليس خلال السنة الجارية.
ويفسر الخبير ذلك بكون المربين يميلون في مثل هذه الظروف إلى الاحتفاظ بالإناث من القطيع، خاصة النعاج، من أجل إعادة تكوين القطيع وزيادة الإنتاج في المستقبل.
ولفت إلى أن الكساب أو مربي المواشي عندما يرى أن المراعي تحسنت وأن الكلأ متوفر، يفضل الاحتفاظ بالنعجة حتى تلد من جديد بدلاً من بيعها أو ذبحها.
وأوضح أن هذه الاستراتيجية الإنتاجية تعني أن عددًا كبيرًا من المربين سيعملون على الاحتفاظ بالإناث داخل المراعي إلى غاية أواخر الصيف، ما يجعل تأثير الموسم الفلاحي الجيد يظهر بشكل أكبر خلال السنة المقبلة وليس خلال عيد الأضحى الحالي.
❖ جدل الأعلاف
في خضم النقاش الدائر حول أسعار الأضاحي، طرحت أيضاً مسألة تأثير التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على أسعار الأعلاف في المغرب، غير أن وحتيتا يرى أن الربط المباشر بين هذه التطورات الدولية وسوق الأضاحي يطرح بدوره عدة تساؤلات.
واستطرد أن تأثير أي أزمة دولية على أسعار الأعلاف لا يظهر بشكل فوري، بل يحتاج إلى وقت حتى ينعكس على سلاسل التوريد والأسواق العالمية، مبرزًا أن الحديث عن تأثير مباشر للحرب على أسعار الأضاحي في الفترة الحالية يبدو سابقًا لأوانه.
ولفت إلى أن معظم المربين يكونون قد قاموا بالفعل بتخزين جزء من الأعلاف الضرورية لتسمين الأكباش قبل موسم العيد، وهو ما يجعل تأثير أي ارتفاع محتمل في الأسعار محدودًا على المدى القصير.
اللحوم الحمراء في رمضان بين المحلي والمستورد.. استقرار أم وهم انخفاض؟
وأضاف أن الخروف المخصص للأضحية يكون في هذه المرحلة دخل فعليًا في مرحلة التسمين، ما يعني أن الكساب اعتمد على مخزونه من الأعلاف الذي اقتناه مسبقًا، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار المفاجئ للأعلاف لن يؤثر مباشرة في الكلفة بالنسبة لهذا الموسم.
❖ تمثيلية المربين
أحد النقاط التي أثارها الخبير الفلاحي تتعلق بالدور الذي تلعبه الجمعيات المهنية في تقديم المعطيات المرتبطة بالقطاع، ففي رأيه، فإن البلاغات التي تصدر عن بعض الهيئات المهنية قد توحي أحيانًا بأنها تمثل جميع المربين في المغرب، بينما الواقع يختلف عن ذلك.
وأكد أن الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز (ANOC) تمثل أساسًا المنخرطين في هذه المنظومة المهنية المنظمة، لكنها لا تشمل جميع المربين؛ خصوصًا الصغار والمتوسطين الذين يشتغلون خارج هذه السلاسل المنظمة.
قبل ثلاثة أيام من حلول عيد الأضحى .. الغلاء يقض مضجع المواطنين و”الكسابة” يحاولون تبرير الارتفاع
وأضاف أنه من المهم التمييز بين مختلف الفاعلين في القطاع عند الحديث عن وضعية القطيع أو عن الأسعار، لأن ظروف الإنتاج تختلف بشكل كبير بين المربين الكبار والمنظمين وبين المربين التقليديين.
وأبرز أن إصدار معطيات مرتبطة بالوضع العام للقطاع من الأفضل أن يتم عبر الوزارة الوصية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن السياسات العمومية وعن الإشراف العام على القطاع الفلاحي.
❖ أعلاف بديلة
توقف الخبير الفلاحي والمستشار الزراعي عند مسألة الأعلاف البديلة التي يعتبرها أحد الحلول المهمة لتقوية القطيع الوطني والتخفيف من كلفة الإنتاج بالنسبة للمربين.
وأشار في هذا الصدد إلى أن هناك عدة أنواع من الأعلاف البديلة التي أثبتت فعاليتها، مثل الشعير المستنبت والأزولا والبونيكام، وهي حلول عملية واقتصادية يمكن أن تشكل بديلاً للأعلاف المركبة المستوردة التي أصبحت تشكل عبئًا ثقيلاً على الكساب المغربي.
القرار الملكي بعدم ذبح أضحية عيد الأضحى.. هل تسهم الخطوة في إعادة بناء القطيع الوطني؟
وأردف أن غرفة بسيطة لاستنبات الشعير لا تتجاوز مساحتها عشرين مترًا مربعًا يمكن أن توفر أعلافًا كافية لتغذية حوالي خمسمائة رأس من الأغنام، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي توفرها هذه التقنيات الحديثة.
ورغم هذه الإمكانات، يلاحظ الخبير أن الأعلاف البديلة لا تزال غائبة عن برامج الدعم الحكومية الموجهة للقطاع، في الوقت الذي يتم فيه التركيز بشكل أكبر على دعم الأعلاف المستوردة أو الأعلاف المركبة.
وطرح في هذا الإطار تساؤلات حول أسباب عدم إدماج هذه الحلول بشكل أوسع في السياسات الفلاحية، خاصة أن عددًا محدودًا من الشركات يهيمن على صناعة وتوزيع الأعلاف المركبة في السوق.
ولفت إلى أن تسريع إدماج الأعلاف البديلة ضمن برامج الدعم يمكن أن يشكل خطوة مهمة لتعزيز السيادة الغذائية وتخفيف الضغط على المربين، بما يساهم في استقرار أسعار اللحوم والأضاحي في المستقبل.

