كشفت المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الإخبارية حول وضعية سوق الشغل خلال سنة 2025 عن تراجع طفيف في معدل البطالة إلى حدود 13%، مقابل إحداث 193 ألف منصب شغل على المستوى الوطني، مدفوعًا أساسًا بارتفاع فرص العمل في الوسط الحضري، في وقت استمر فيه فقدان مناصب الشغل بالوسط القروي، مع تسجيل تحسن نسبي في الشغل المؤدى عنه مقابل تراجع غير المؤدى عنه.
وفي مقابل هذا التحسن الرقمي المحدود، برزت مؤشرات مقلقة تتعلق بارتفاع حجم الشغل الناقص وتنامي البطالة طويلة الأمد، مع اتساع الفجوة بين فرص الشغل المتاحة ومستويات التكوين والمؤهلات، بما يعكس تحولات أعمق في بنية سوق العمل وتوزيع مناصب الشغل بين القطاعات والجهات.
ويطرح هذا المشهد المتباين، تساؤلات حول مدى قدرة السياسات العمومية والاستثمارات القطاعية على تحويل خلق مناصب الشغل إلى فرص مستدامة وعادلة اجتماعيًا، وحول ما إذا كانت الأرقام المسجلة تعكس دينامية اقتصادية راسخة أم مجرد استجابة ظرفية لاختلالات هيكلية ما تزال قائمة.
❖ تحسن جزئي
يرى أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن قراءة رقم إحداث 193 ألف منصب شغل خلال سنة 2025 لا يمكن أن تكون قراءة سطحية أو رقمية فقط، بل يجب وضعها في سياق بنيوي أوسع يميز بين ما هو تحسن هيكلي فعلي وما هو تعافٍ ظرفي مرتبط بدورات الاستثمار والطلب.
وأشار سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن هناك مؤشرات تميل بالفعل إلى ما يمكن تسميته “تحسنًا هيكليًا جزئيًا”، وليس تحولًا شاملاً في بنية سوق الشغل.
وأبرز أن أولى هذه المؤشرات تتمثل في التحول اللافت من الشغل غير المؤدى عنه إلى الشغل المؤدى عنه، حيث سجلت المعطيات ارتفاعًا بنحو 249 ألف منصب مؤدى عنه مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه بـ55 ألفًا.
إحداث قرابة 20 ألف مقاولة في شهرين فقط.. هل تؤشر الأرقام على تحول نوعي أم تعيد إنتاج التفاوتات؟
وهذا التحول حسب تحليله، يعكس انتقالًا نسبيًا من اقتصاد عائلي هش وغير منظم إلى اقتصاد نقدي ومنظم نسبيًا، وهو تطور يحمل دلالة إيجابية على مستوى نوعية التشغيل وليس فقط حجمه العددي.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن قطاع الخدمات بات يشكل ما يقارب نصف مجموع المشتغلين، بنسبة تقترب من 49 %، وهو ما ينسجم مع مسار تحول الاقتصاد المغربي نحو اقتصاد حضري خدماتي.
وهذا الاتجاه يعكس من وجهة نظره؛ تحولات هيكلية في أنماط الطلب والاستهلاك والاستثمار داخل المدن الكبرى، حيث تتوسع قطاعات مثل التجارة والخدمات الشخصية وخدمات الأعمال والنقل واللوجستيك.
وغير أن هذا التحسن بحسب سامي؛ لا يمكن اعتباره كاملاً أو متوازنًا، لأن التشغيل يتحرك أساسًا داخل قطاعات مرتبطة بالطلب الحضري والاستثمار، مثل الخدمات والبناء والصناعة.
ولفت إلى أن التركيز الكبير في قطاع البناء والأشغال العمومية، الذي أحدث وحده حوالي 64 ألف منصب، يجعله قطاعًا حساسًا جدًا للدورة الاستثمارية (CAPEX)، أي للإنفاق الرأسمالي العمومي والخاص.
وأردف المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن قطاع يتوسع بسرعة عندما تكون هناك أوراش كبرى واستثمارات عقارية وبنى تحتية، لكنه يتقلص بالسرعة نفسها عند تباطؤ هذه الدينامية.
مفارقات أرقام سوق الشغل المغربي في 2025.. تراجع في البطالة أم تمدد للشغل الناقص؟
وفي المقابل، أبرز أن فقدان قطاع الفلاحة والغابة والصيد البحري لحوالي 41 ألف منصب شغل خلال السنة نفسها ليس تفصيلًا هامشيًا، بل مؤشرًا بنيويًا على تآكل القاعدة القروية لسوق الشغل.
وهذا التراجع في نظره، يفسر الأسباب الكامنة وراء تعرض المناطق القروية لنزيف مستمر في فرص العمل، وكذا العوامل المرتبطة بمعدلات الهشاشة والشغل الناقص والهجرة نحو المدن.
وأضاف أن التمركز الجهوي للتشغيل يمثل بدوره علامة على محدودية التحسن الهيكلي، إذ تضم خمس جهات فقط حوالي 72.3 % من مجموع السكان النشيطين.
وهذا الواقع يعكس بحسبه؛ سوق شغل “متمركزًا” أكثر مما هو “متوازن”، حيث تتركز الفرص الاقتصادية والاستثمارية في أقطاب حضرية كبرى، بينما تبقى جهات أخرى على هامش الدينامية الاقتصادية.
واعتبر أن خلق 193 ألف منصب شغل يمثل بالفعل تحسنًا بنيويًا جزئيًا، لأنه يحسن نوعية الشغل من خلال الانتقال نحو الأجر والعمل المنظم، ويعكس توسع قطاعات الخدمات والصناعة والبناء.
ولكنه في الوقت ذاته لا يرقى وفقه؛ إلى تحسن هيكلي كامل، لأن القاعدة القروية تتآكل، وخلق فرص الشغل ما يزال متمركزًا جهويًا وحساسًا لدورات الاستثمار، مشبهًا هذا الوضع بشركة تحقق أرباحًا جيدة، لكن محفظة زبنائها مركزة في اثنين أو ثلاثة من العملاء الكبار، ما يجعلها عرضة للمخاطر في حال فقدان أحدهم.
❖ جودة التشغيل
ينتقل سامي إلى تفسير المفارقة الظاهرة بين تراجع معدل البطالة من جهة، وارتفاع الشغل الناقص والبطالة طويلة الأمد من جانب آخر، معتبرًا أن مفتاح الفهم يكمن في التمييز بين “معدل البطالة” و“جودة التشغيل”.
وحسب المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، يمكن للاقتصاد أن ينجح في خفض معدل البطالة رقميًا، وفي الوقت نفسه يشهد تدهورًا في نوعية الوظائف التي يتم خلقها.
ويصف الشغل الناقص بأنه بمثابة “صمام أمان” اجتماعي واقتصادي، يسمح بامتصاص جزء من الضغط على سوق العمل دون أن يعني بالضرورة توفير وظائف مستقرة أو كافية.
وأشار إلى سببين رئيسيين وراء ارتفاع هذا النوع من التشغيل؛ الأول يتعلق بنقص ساعات العمل، حيث بلغ عدد الأشخاص المتأثرين بهذا الشكل من الشغل الناقص حوالي 617 ألف شخص، بمعدل يقارب 5.7 %، معتبرًا أن ذلك يعكس وجود وظائف جزئية أو موسمية أو غير مستقرة من حيث عدد ساعات العمل الأسبوعية.
وأما السبب الثاني، الذي يعتبره سامي الأخطر، فيرتبط بالدخل غير الكافي أو بعدم ملاءمة الشغل مع المؤهلات والتكوين، حيث ارتفع عدد المتأثرين بهذا الشكل من الشغل الناقص إلى حوالي 573 ألف شخص، بمعدل يقارب 5.3 %.
ويعني ذلك بحسبه، أن عددًا متزايدًا من المشتغلين يشغلون وظائف لا تتناسب مع مستوياتهم التعليمية أو مهاراتهم، أو لا توفر لهم دخلًا يكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية، وهو ما يخلق حالة “وظيفة لا تطابق المهارة أو لا تعيشك”.
ويفسر سامي هذا الوضع بكون خلق الشغل في بعض القطاعات يتم بوتيرة سريعة ولكن بإنتاجية منخفضة، أو في وظائف تقل من حيث المستوى المطلوب عن مستوى التكوين المتوفر لدى الباحثين عن العمل.
وأردف المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أنه هنا تظهر فجوة المطابقة (Skills mismatch) بين عرض الشغل المؤهل والطلب الفعلي في السوق.
وفيما يخص البطالة طويلة الأمد، يلاحظ سامي أن ارتفاع نسبة العاطلين الذين لم يسبق لهم أن اشتغلوا إلى 52.9 %، وارتفاع نسبة البطالة التي تدوم أكثر من سنة إلى 64.9 %، مع متوسط مدة بطالة بلغ 33 شهرًا، كلها مؤشرات على أن الدخول إلى سوق الشغل أصبح صعبًا، والخروج من البطالة أصبح أصعب.
واستطرد أن هذا الأمر يعني أن جزءًا كبيرًا من البطالة في المغرب هو بطالة إدماج أولي، تمس خصوصًا الشباب والنساء وحاملي الشهادات، وليس مجرد بطالة دورية مرتبطة بتباطؤ اقتصادي مؤقت.
ويقدم سامي تفسيرًا اقتصاديًا “نسقيًا” لهذه الظاهرة، قائمًا على اختلال العلاقة بين العرض والطلب والمطابقة، موضحًا أن الطلب على الشغل ينمو أساسًا في قطاعات مثل الخدمات والبناء، لكنه لا ينمو بالوتيرة نفسها في وظائف تتطلب شهادات عليا أو مهارات متخصصة، في حين يستمر عرض الشغل المؤهل في الارتفاع.
ولفت المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، إلى أن هذا التفاوت يولد فجوة في المطابقة، تسهم في توسع الشغل الناقص المرتبط بعدم الملاءمة.
وأضاف أن جودة الوظائف نفسها تظل إشكالية، إذ لا تتجاوز نسبة التغطية الصحية المرتبطة بالشغل 31.6 على المستوى الوطني، وتنخفض إلى حوالي 12.4 % في الوسط القروي، كما أن أكثر من نصف الأجراء فقط يتوفرون على عقود عمل، بنسبة تقارب 54 %.
واعتبر أن هذا الوضع يخلق نمطًا من التشغيل يصفه بأنه “سريع الدخول، سريع الخروج”، أي وظائف هشة يمكن فقدانها بسهولة في حال أي تباطؤ اقتصادي أو تغيير في ظروف السوق.
ونبه إلى أن انخفاض معدل البطالة لا ينفي بالضرورة تدهور جودة التشغيل، إذ يمكن خفض البطالة عبر إدخال الناس في أعمال ناقصة أو غير ملائمة، مختصرًا هذه المفارقة بعبارة دالة: “خفضنا الرقم… لكن التطبيق، أي الواقع، ما يزال يشتكي”.
❖ توجيه السياسات
في المحور الثالث، يقدم سامي تصورًا عمليًا لكيفية توجيه الاستثمار والتكوين من أجل خفض بطالة الشباب والنساء وتحسين ملاءمة الشغل مع المؤهلات.
وأكد في البداية أن الحل لا يكمن في إطلاق “برامج تشغيل” عامة وفضفاضة، بل في اعتماد منطق عقود أداء واضحة، تقوم على استثمار مشروط بمؤشرات شغل، وتكوين ممول بنتائج الإدماج الفعلي، ومنظومة مطابقة رقمية نشطة، مع تركيز خاص على الفئات والجهات الأكثر تضررًا.
ويطرح في هذا الإطار فكرة إعادة هندسة الاستثمار نحو ما يسميه “مناصب قابلة للاستمرار”، عبر تحويل منطق الدعم من التركيز على الإنفاق الرأسمالي (CAPEX) إلى منطق “Jobs-ROI”، أي العائد على الاستثمار من حيث خلق فرص الشغل.
وأضاف أنه وفق هذا المنطق، يجب ربط كل تحفيز أو إعفاء ضريبي أو صفقة عمومية بمؤشرات أداء واضحة (KPI)، مثل عدد مناصب الشغل الصافية التي يتم خلقها، ونسبة إدماج النساء والشباب، ونسبة العقود والتغطية الصحية، ومستوى الأجور والإنتاجية.
ويبرر هذا التوجه بكون بعض القطاعات، مثل البناء، قادرة على خلق وظائف بسرعة، لكنها لا تضمن وحدها استدامة هذه الوظائف على المدى المتوسط والطويل.
ولذلك يدعو إلى توجيه جزء أكبر من الاستثمار نحو اقتصاد الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، مثل الخدمات الرقمية واللوجستيك والصحة والتعليم وخدمات الأعمال، بدل الاقتصار على خدمات منخفضة القيمة.
وفيما يخص العالم القروي، يقترح سامي سياسة سماها “إنقاذ القروي عبر سلاسل القيمة”، انطلاقًا من كون فقدان الفلاحة لـ41 ألف منصب يعكس أزمة بنيوية في التشغيل القروي.
وأكد أن الحل لا يكمن فقط في برامج تشغيل قروية تقليدية، بل في تثمين سلاسل الإنتاج الزراعي والغذائي محليًا، عبر أنشطة التحويل والتبريد والتعبئة، واعتماد اقتصاد ذكي في تدبير المياه، بما يسمح بخلق وظائف غير موسمية والتخفيف من الهجرة القسرية نحو المدن.
وأما على مستوى التكوين، فيدعو إلى الانتقال من منطق “الشهادات” إلى منطق “المهارات القابلة للبيع”، عبر اعتماد تمويل التكوين حسب الإدماج (Pay-for-Placement).
ووفق هذا النموذج، يتم تمويل المراكز والمعاهد جزئيًا بناءً على نسبة إدماج خريجيها في سوق العمل بعد ستة إلى اثني عشر شهرًا، بدل تمويلها فقط على أساس عدد المسجلين، أي الانتقال من منطق شراء “نشاط” إلى شراء “نتيجة”.
وشدد كذلك على أهمية المسارات القصيرة وبرامج التدريب بالتناوب (Apprenticeship)؛ خاصة وأن جزءًا كبيرًا من البطالة طويلة الأمد مرتبط بالدخول الأولي إلى سوق الشغل.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
ودعا إلى تطوير شهادات مهارية قصيرة (Micro-credentials) مرتبطة مباشرة بالقطاعات التي تعرف طلبًا فعليًا على اليد العاملة، مثل الصناعة والخدمات واللوجستيك والبناء التقني.
وفيما يخص استهداف النساء والشباب، يبرز سامي أن بطالة النساء التي بلغت حوالي 20.5 %، وبطالة الشباب التي وصلت إلى 37.2 %، تفرض اعتماد مقاربة قطاعية دقيقة، تركز على قطاعات ذات طلب مستقبلي حقيقي، مثل الصحة والرعاية والتعليم والتجارة الرقمية وخدمات الزبناء عن بعد، وسلاسل الصناعة الخفيفة والمهن التقنية.
وأكد على أن هذا الاستهداف يجب أن يترافق مع إزالة العوائق العملية أمام مشاركة هذه الفئات، مثل مشاكل النقل، والحاجة إلى حضانات للأطفال، ومتطلبات السلامة، ومرونة أوقات العمل.
وشدد على أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في خفض معدل البطالة، بل في بناء سوق شغل متوازن مجاليًا، وعادل اجتماعيًا، وقادر على توفير وظائف مستدامة وملائمة لمؤهلات المواطنين، بما يعزز الثقة في الاقتصاد الوطني ويحول النمو الرقمي إلى تنمية فعلية يشعر بها الأفراد في حياتهم اليومية.

