أدانت اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان ما وصفته بالتراجع المستمر في مؤشرات الحقوق والحريات بالمملكة، والتضييق الممنهج الذي يطال الإطارات الجمعوية والنقابية والسياسية المستقلة.
وجاء ذلك في بيان ختامي مفصل أصدرته اللجنة عقب اختتام أعمال دورتها الخامسة بعد المؤتمر الوطني الرابع عشر، والتي التأمت بالمقر المركزي للجمعية في العاصمة الرباط تحت إسم دورة “الحق في التنظيم والتجمع السلمي”، وهو الاسم الذي اختير لتزامنه مع مرور 12 سنة على انطلاق مواجهة معلنة بين السلطة التنفيذية والحركة الحقوقية المستقلة.
وطالبت الجمعية، في هذا السياق، بالسحب الفوري لكافة التشريعات التراجعية التي تمس بحصانة الدفاع واستقلالية القضاء، والإفراج الفوري وغير المشروط عن معتقلي الرأي والتحركات الشبابية الأخيرة.
وفي المقابل، دعت الهيئة الحقوقية كافة القوى الديمقراطية والحقوقية وعموم المواطنين والمواطنات إلى المشاركة المكثفة وإنجاح الوقفة الاحتجاجية التي دعت إليها “شبكة الجمعيات والهيئات ضحايا المنع والتضييق” (RAVI) والمزمع تنظيمها يوم الأربعاء المقبل أمام مبنى البرلمان بالرباط، للتنديد بالحرمان المتواصل من وصولات الإيداع القانونية والمنع من استعمال الفضاءات العمومية.
وعلى الصعيد الوطني، ناقشت الجمعية التقارير الأدبية والمالية الصادرة عن المكتب المركزي، ووقفت بقلق بالغ عند المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، حيث عبرت عن قلقها الشديد من الارتفاع القياسي لمديونية الخزينة العامة التي اقتربت من حاجز 70% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة عتبة 1124 مليار درهم.
وعزت الجمعية هذا الارتفاع الصاروخي إلى الاستثمارات الضخمة الموجهة للبنيات التحتية الخاصة بالاستعداد لـ “مونديال 2030″، معتبرة أن هذه الاختيارات تؤكد مشروعية مطالب الحراك الشبابي “جيل زد” الذي نادى بجعل قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل على رأس أولويات الدولة الحقيقية.
كما أعلنت اللجنة مساندتها المطلقة لمعركة المحامين والمحاميات دفاعاً عن حصانة الدفاع، معبرة عن رفضها القاطع لمشروع القانون المنظم للمهنة لمخالفته المعايير الأممية، وحمّلت الحكومة مسؤولية الشلل التام الذي تعيشه المحاكم بسبب رفض الحوار، وما ترتب عليه من تمديد لمعاناة الموقوفين وتأخير قضايا المتقاضين. واستنكر البيان استمرار الاعتقال التعسفي لمئات الشباب والقاصرين على خلفية حراك “جيل زد” أو عبر حملات التوقيف العشوائية، مطالبة بإطلاق سراحهم فوراً واحترام حرية التعبير الرقمي، والكف عن توظيف القضاء للانتقام من الأصوات المنتقدة، مجددة المطالبة بكشف الحقيقة الكاملة في قضية مقتل ثلاثة شباب برصاص الدرك الملكي بمنطقة “القليعة” في أكتوبر 2025 ومحاربة الإفلات من العقاب.
وفي سياق متصل، توقفت الهيئة الحقوقية عند المآسي المستمرة للشباب المغاربة المفقودين في عرض البحر جراء غياب الآفاق التنموية، منتقدة التكتم الرسمي والصمت بشأن الأرقام الحقيقية للضحايا، فضلاً عن غياب قنوات تواصل واضحة مع عائلاتهم المكلومة، مقابل لعب دور مراقبة الحدود لفائدة أوروبا.
وانتقدت الجمعية أيضاً تعامل المجلس الوطني لحقوق الإنسان مع عائلات ضحايا الاختطاف القسري، معتبرة أن هناك تماطلاً واختزالاً للملف في تسويات مالية مجحفة دون الكشف عن مصير المختفين، ودون تفعيل التوصيات الجوهرية لهيئة الإنصاف والمصالحة المتعلقة بالإصلاح الأمني والقضائي لضمان عدم التكرار.
ولم يفت الهيئة استعراض الواقع المعيشي المتردي للمواطنين والمواطنات، حيث أدانت استمرار الغلاء الفاحش في أسعار المواد الأساسية والخدمات، مسجلة تدهوراً خطيراً في المنظومة الصحية العمومية وصل إلى حد تسجيل حالات وفاة أمام وداخل المستشفيات بسبب الإهمال أو غياب الإسابعات الحيوية، كما استنكرت الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء في عدة مناطق ومنع السكان من الاحتجاج السلمي للمطالبة بها.
وعبرت كذلك عن قلقها من تنامي جرائم قتل النساء والتشهير بهن، مدينة كافة أشكال العنف واللامبالاة التي تقابل بها السلطات ووزارة التشغيل ملف عاملات شركة “سيكوميك” بمكناس اللواتي يطفئن الشمعة الثانية لاعتصامهن المفتوح بعد 5 سنوات من التشريد، بالإضافة إلى رصد معاناة مأساوية للمرضى النفسيين جراء النقص الحاد في المستشفيات وترحيلهم قسراً إلى هوامش المدن.
وفيما يتعلق بالحقوق البيئية، نبهت الجمعية إلى الأضرار الجسيمة الناتجة عن الأنشطة العشوائية للمقالع والمناجم التي تؤدي لاستنزاف وتلويث الفرشة المائية ونشر الغبار السام، معتبرة ذلك خرقاً سافراً للفصل 31 من الدستور (الحق في الماء والعيش في بيئة سليمة)، ومطالبة بفرض عقوبات زجرية على الشركات وتوزيع عادل لعائدات الثروات لتنمية المناطق المتضررة.
وعلى المستوى الدولي والإقليمي، حيّت الجمعية صمود المقاومة في فلسطين ولبنان في وجه الغطرسة المدعومة من الإدارة الأمريكية والقوى الغربية، وأدانت بشدة استمرار حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في قطاع غزة والضفة الغربية والعدوان على لبنان، محذرة من المساعي الإسرائيلية لجر المنطقة لحرب إقليمية شاملة عبر التصعيد ضد إيران.
وجددت موقفها التاريخي الرافض لكافة أشكال التطبيع، مطالبة الدولة المغربية بالاستجابة الفورية للإرادة الشعبية عبر قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وإغلاق مكتب الاتصال بالرباط بصفة نهائية، وإقرار قانون وطني يجرم التطبيع.
واختتمت الهيئة الحقوقية بيانها بالإعراب عن قلقها البالغ من “الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء”، معتبرة أنه يشكل تراجعاً حقوقياً عميقاً يشرعن الاحتجاز المنهجي والطويل للأسر والأطفال على الحدود ويضرب مبدأ عدم الإعادة القسرية في عرض الحائط. كما استنكر البيان تصويت المغرب ضد مناهضة الحصار المفروض على كوبا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأدان التغلغل الإسرائيلي السريع في فنزويلا بغطاء “إنساني وإعادة الإعمار” عقب زلزال يونيو 2026، معتبرة إياه محاولة لنهب خيرات البلاد بالتعاون مع الولايات المتحدة بعد قطيعة دامت 17 عاماً.

