في خطاب محوري (الأمر اليومي) بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، جدد الملك محمد السادس التأكيد على التزامه الراسخ بتوطين الصناعات العسكرية كأحد الأوراش الاستراتيجية التي تحظى برعايته السامية، مبرزًا أن المشروع يندرج ضمن رؤية مستقبلية تسعى إلى تحقيق الاستقلالية الدفاعية للمملكة، حيث شدد الملك على أهمية هذا الورش الوطني في سياق إقليمي ودولي متقلب، يفرض جاهزية عسكرية مستدامة، وتأهيلًا بشريًا عالي الكفاءة، واستثمارًا نوعيًا في تقنيات التصنيع الدفاعي، بما يعزز مكانة المغرب كشريك موثوق في حفظ الأمن والاستقرار.
وتعكس الرسائل الملكية الأخيرة وعيًا متقدمًا بتحولات البيئة الأمنية الإقليمية وما تستدعيه من مقاربات جديدة في تدبير التسلح والسيادة الدفاعية، وهذا التوجه يفتح الباب أمام تساؤلات ضمنية حول مدى قدرة النسيج الصناعي الوطني على مواكبة هذا الورش الحيوي، وحدود الشراكات الممكنة مع الفاعلين الدوليين في ظل المنافسة الجيوصناعية المتزايدة، كما يثير الأمر نقاشًا استراتيجيًا أوسع حول أدوار المغرب المستقبلية ضمن المعادلة الأمنية الإفريقية والدولية، ومدى اتساق هذا التموقع مع رهانات التوازن بين الأمن والسيادة والتنمية.
♦ مشروع سيادي استراتيجي
يؤكد الدكتور محمد عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، والمدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، والخبير في الشؤون الأمنية، أن ما تضمنه الأمر اليومي للملك محمد السادس إلى القوات المسلحة الملكية بمناسبة الذكرى 69 لتأسيسها، يشكل تتويجًا لخيار استراتيجي تبنّاه العاهل المغربي منذ سنوات، لكنّه أصبح اليوم يمثل أولوية عسكرية ملحة في ظل التوترات الإقليمية والمتغيرات الأمنية المتسارعة.
وأضاف لعروسي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن تأكيد الملك على توطين الصناعات الدفاعية ليس مجرد توجه ظرفي، بل يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية العمل العسكري في دعم الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في القارة الإفريقية التي تواجه أخطارًا متنامية على صعيد الأمن الجماعي.
المغرب يسرع وتيرة التصنيع العسكري.. قراءة في الأبعاد والدلالات
ويرى الخبير في الشؤون الأمنية، أن الخطاب الملكي يشكل جزءًا من استراتيجية واضحة تنطلق من كون المغرب فاعلًا أساسيًا في محيطه، ويدرك أن التهديدات لم تعد تقليدية فقط، بل تشمل الإرهاب، الجريمة المنظمة، والتهديدات السيبرانية.
وأبرز أن ما سبق يفرض تعزيز الجاهزية وبناء قدرات دفاعية متطورة، مشيرا إلى الإشادة المتكررة بدور القوات المسلحة الملكية في عمليات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية، مما يعكس تعدد المهام المنوطة بها واستحقاقها لدعم مؤسساتي وتشريعي متجدد.
♦ السياق الإقليمي الحرج
يضع لعروسي الخطاب الملكي في إطار سياق إقليمي متأزم، يتسم بتوترات مزمنة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، إلى جانب ارتدادات الحرب في غزة، وانتشار الكيانات غير النظامية المسلحة.
واعتبر أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن تسارع الأحداث في الجوار الإقليمي يعمق الحاجة إلى توطين الصناعات الدفاعية كوسيلة لضمان الاكتفاء الذاتي والقدرة على المواجهة السريعة.
سباق أوروبي على تزويد المغرب بغواصتين عسكريتين.. لماذا تراهن المملكة على هذا النوع من السلاح؟
ولفت إلى أن التوجيهات الملكية تعبّر عن استعداد استراتيجي لمواجهة التحديات المقبلة من خلال توطين تقني وصناعي يمنح المغرب تفوقًا على مستوى الردع والانتشار والتدخل السريع.
♦ مرتكزات قانونية مطلوبة
فيما يتعلق بالبنية القانونية والمؤسساتية، يرى الخبير أن الاستقلالية الدفاعية لا تزال في طور التأسيس، وتتطلب بنية تشريعية صلبة وتنظيمًا مؤسساتيًا محكمًا.
ويشدد على ضرورة إصدار قوانين داعمة، وتطوير الإطار القانوني المتعلق بالصناعات الدفاعية، إلى جانب فتح المجال أمام شراكات دولية، لا سيما مع القطاع الخاص متعدد الجنسيات.
وأبرز أن عدم مركزية المنشآت العسكرية وتوسيع الشراكات مع فاعلين غير حكوميين قد يكون من بين الخيارات المطروحة، خاصة أن المغرب أبرم مؤخرًا اتفاقيات مهمة مع شركات أمريكية عملاقة في مجال الطيران والدفاع، ما يعزز مكانته كمحاور موثوق.
كما يلفت الانتباه إلى أهمية تكوين الأطر العسكرية والتقنية لمواكبة التطور التكنولوجي، خصوصًا في ظل الانتقال إلى أسلحة وأنظمة متقدمة كـ”F-16”، و”F-35”، وراجمات الصواريخ، وهي أنظمة تتطلب كفاءات بشرية مؤهلة.
♦ شراكات مرنة وذكية
يرى الدكتور لعروسي أن المغرب لن يكتفي بشريك واحد في مسار تطوير صناعاته الدفاعية، بل يتجه نحو تعدد الشركاء وفق نهج ذكي ومرن.
فإلى جانب الشراكة التقليدية مع الولايات المتحدة، يتوقع أن تنفتح المملكة على شركاء من دول ذات ثقل متوسط، وربما دول من أوروبا الشرقية أو حتى من آسيا، كالصين وروسيا، ما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تنويع التحالفات وتفادي التورط في اصطفافات حادة.
ويصف هذا التوجه بنموذج “التحالفات الذكية” (Smart Alliances)، الذي يمكّن المغرب من الحفاظ على استقلالية قراره السيادي، والاستفادة من خبرات متعددة دون الانجرار إلى محاور جامدة.
وذكر المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن هذه الرؤية تعكس الفهم العميق للمؤسسة الملكية لتوازنات النظام الدولي الجديد، وتُترجم عمليًا عبر الدبلوماسية الدفاعية والاقتصادية التي ينهجها المغرب اليوم.
♦ دور إقليمي حاسم
يشير الخبير إلى أن تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية سيساهم بشكل مباشر في تقوية المنظومة الأمنية الوطنية، وفي الحد من التبعية الخارجية، وهو ما من شأنه أن يؤهل المغرب للعب دور أكبر في ضمان الأمن الجماعي بمنطقة الساحل والصحراء.
كما يتوقع أن تتحول المملكة إلى وجهة مفضلة للدول الإفريقية والعربية في مجال التعاون الأمني والتقني، مما يعزز مكانتها في قيادة محور جنوب-جنوب أكثر فعالية.
قاعدة عسكرية في جنوب الصحراء.. هل يعيد المغرب رسم خريطة الأمن في الساحل؟
ويضيف أن تطوير القدرات الردعية المغربية سيكون له أثر واضح في مواجهة الكيانات غير النظامية، والجماعات الإرهابية، والشبكات الإجرامية المنظمة، ما يجعل من الصناعة الدفاعية ركيزة رئيسية في تحصين الأمن القومي.
♦ جاهزية وردع
يبرز المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن تسريع وتيرة تطوير الصناعات الدفاعية من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في قوة الردع المغربية.
وأردف أن هذا الأمر سيمنح المملكة القدرة على تقديم حلول أمنية فعالة في محيطها الجغرافي، بل والتحول إلى مزود محتمل للتجهيزات والخدمات الدفاعية على المستوى الإفريقي.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
ويعتبر أن هذا التوجه، إذا تم تدبيره بحكمة واستشراف، سيسهم في ترسيخ نموذج مغربي مستقل في الصناعات السيادية، يجمع بين الكفاءة التقنية، والانفتاح على الشراكات متعددة الأطراف، والإدماج الفعال للعنصر البشري الوطني.

