شرعت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “المينورسو” في تنفيذ مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة، بعد شروعها في تقليص عدد الضباط العسكريين والموظفين داخلها، تزامنًا مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي رسخ توجهًا دوليًا يدعم الرؤية الواقعية للنزاع القائم منذ عقود، وتشير تقارير إعلامية إلى أن هذه الخطوات تأتي في إطار ترشيد النفقات وتقليص الأعباء التشغيلية للبعثة، في ظل إقرار أممي بانحسار العمليات الميدانية التي أنشئت من أجلها.
وفي خضم هذا التحول المتسارع، تبرز دلالات سياسية كبرى توحي بإعادة ترتيب الأولويات الأممية تجاه هذا الملف؛ خاصة مع تزايد القناعة الدولية بمحدودية خيارات التسوية التقليدية، وتعاظم الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل قابل للتنفيذ على أرض الواقع، وهو ما يطرح تساؤلات حول أي مدى تمثل هذه الإجراءات مقدمة لمرحلة جديدة تقترب فيها الأمم المتحدة من محطة الحسم، وعما إن كان سيعكس تراجع أدوار “المينورسو” تغيرًا في موازين القوة لصالح المقترح المغربي، مقابل ارتباك الأطراف الأخرى أمام تحول قواعد اللعبة الدبلوماسية.
❖ تجاوب دولي
يؤكد العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن قرار بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “المينورسو” بتقليص عدد أفرادها وضباطها العسكريين يحمل في طياته دلالات عميقة تتجاوز مجرد تبسيط الأعباء المالية أو إعادة الهيكلة التنظيمية.
وأبرز الوردي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الأمر يمثل إشارة سياسية قوية على التجاوب الدولي المتواصل والمتمدد حول مغربية الصحراء، وتعزيزًا لما تحقق دبلوماسيًا في السنوات الأخيرة؛ خاصة من خلال توالي الاعترافات والدعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
بين “المينورسو” و”المنساسو”.. هل يقترب نزاع الصحراء من محطة الحسم أم من إعادة إنتاج الجمود؟
وأشار إلى أن صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 يعكس تحولاً في نظرة المنتظم الدولي لطبيعة النزاع، بعدما أصبح الاعتراف بأن الحل الواقعي والسياسي الوحيد القابل للتطبيق هو مشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب عام 2007؛ خطوة حاسمة في مسار طي هذا الملف نهائيًا.
وأردف أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أنه بذلك يتأكد أن الجهود المغربية لم تعد مجرد مبادرات منفردة، بل أصبحت متكئة على إجماع متنامٍ داخل مجلس الأمن وفي العواصم المؤثرة دوليًا.
واستطرد أن هذه القراءات الجديدة تجعل من إجراءات “المينورسو” تعبيرًا عن نهاية مرحلة كانت تدار فيها الأزمة وفق مقاربات متقادمة، وبداية اتجاه أممي نحو تمتين الحل بدلاً من إدارة الأزمة فقط، وهو ما يبرز أن المقاربة المغربية باتت المرجع الأساسي في تصور المجتمع الدولي لمستقبل المنطقة.
❖ “سير على السكة”
يعتبر الوردي أن القرارات الأممية الأخيرة، إلى جانب التخفيض الملموس في عدد العاملين داخل البعثة، تؤكد بشكل جلي أن الدبلوماسية المغربية تسير في الاتجاه الصحيح.
وأوضح أن المؤسسات الدولية لم تعد تكتفي بعبارات الترحيب أو التشجيع، بل انتقلت إلى خطوات أكثر حسمًا في اتجاه ترجيح كفة الحل السياسي الواقعي الذي يدافع عنه المغرب.
ولفت إلى أن المجتمع الدولي بات يقرأ بوضوح طول مدة وجود البعثة التي تجاوزت ثلاثة عقود دون نتائج ملموسة، وهو ما يجعل من استمرارها بالشكل السابق أمرًا غير منطقي في سياق تتعزز فيه المكاسب المغربية ترابيًا وسياسيًا وتنمويًا.
وشدد المدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، على أن الرباط تمكنت من نقل النقاش من مربع “النزاع المفتعل” إلى مربع “الحسم الواقعي”، مما جعل الأمم المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها تبعًا لهذا التحول.
واستطرد أن هذه الدينامية إنما تعبر عن استقلالية القرار المغربي وقدرته على فرض إيقاعه الدبلوماسي، بما يتجاوز المناورات التقليدية للخصوم، مبرزًا أن الطي النهائي لهذا النزاع صار مسألة وقت لا أكثر، بالنظر إلى الإجماع الدولي المتزايد حول مشروعية الحقوق الترابية للمملكة.
❖ انحسار الانفصال
يرى الوردي أن هذه التطورات تحمل رسائل واضحة لمن يظل يلوح بأطروحات الانفصال والاستفتاء وتقرير المصير في قالب دعائي بعيد عن الواقع، مشيرًا إلى أن المقاربة الانفصالية قد ولت، ولم يعد لها من سند سوى خطاب قديم ومتهالك يفتقد للواقعية وللقبول الدولي؛ خصوصًا بعد اعتراف المجتمع الدولي بأن مشروع الحكم الذاتي يضمن الحقوق الكاملة للسكان في إطار السيادة المغربية.
تحوّل موقف جنوب إفريقيا تجاه قضية الصحراء المغربية.. انفتاح ظرفي أم مراجعة جيوسياسية عميقة؟
وأبرز أن المملكة أثبتت قولاً وفعلاً سيادتها الكاملة على جميع أراضيها من طنجة إلى الكويرة، وأن الوجود المؤسسي والتنمية الشاملة في مدن الصحراء يشكلان دليلاً ماديًا لا يقبل التشكيك، لافتًا إلى أن القوى المؤثرة في النظام الدولي باتت ترى في استمرار الانفصال تهديدًا للسلم الإقليمي، ونقطة مظلمة في تاريخ العلاقات الدولية.
وأضاف أن طرح الانفصال لم يعد يشكل سوى “أسطوانة مشروخة” تستعاد في سياقات متجاوزة، بينما تكشف الوقائع أن الحل المغربي هو الأكثر مصداقية وانسجامًا مع القانون الدولي ومع متطلبات الاستقرار الإقليمي، مما يجعل الرهان على أطروحة “البوليساريو” رهانًا خاسرًا في موازين الواقع.
❖ حسم متدرج
يشدد الوردي على أن التقليص التدريجي لأدوار “المينورسو” ليس حدثًا معزولاً، بل حلقة ضمن مسار تقوده الأمم المتحدة صوب إنهاء آخر بؤر النزاعات المفتعلة في القارة الإفريقية.
وأردف أن المواطنون المغاربة في الأقاليم الجنوبية يعيشون اليوم ورش التنمية والنمو والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، بينما الأطراف الأخرى تجد نفسها أمام تآكل أوراقها السياسية والدعائية.
ويتوقع أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن يستمر المجتمع الدولي في توجيه رسائل واضحة تجاه ضرورة تجاوز منطق الجمود، وتفعيل المقاربات السياسية الناجعة.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأشار إلى أن الحكم الذاتي يمثل قاعدة توافقية تمكن من حماية الاستقرار الإقليمي وتدعيم الأمن الجماعي، وهو ما يلتقي مع أولويات القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.
وأكد على أن المغرب بدبلوماسيته الهادئة والمتزنة؛ أثبت أن حماية وحدته الترابية لا تتم فقط بالشعارات، بل بالعمل المتواصل وبإقناع العالم بعدالة قضيته، وهو ما يتجسد اليوم في هذا التحول العملي في مسار الأمم المتحدة نحو إنهاء النزاع المفتعل، بما يعد انتصارًا تاريخيًا للدولة المغربية ولسكان أقاليمها الجنوبية.

