في ظل تزايد الاعتماد على وسائل التدفئة المنزلية خلال فصل الشتاء، تبرز من جديد مخاطر التسمم بأحادي أكسيد الكربون كأحد أخطر الحوادث المنزلية التي تهدد السلامة الصحية للأسر.
ويرتبط هذا الخطر الصامت، في الغالب، بسوء استعمال أجهزة التدفئة وغياب شروط التهوية الكافية داخل المنازل، ما يؤدي سنويا إلى تسجيل خسائر بشرية كان بالإمكان الحد منها عبر الالتزام بإجراءات وقائية بسيطة وفعالة.
ويعيد هذا الموضوع إلى الواجهة إشكالية السلامة داخل المنازل، خاصة بالمناطق الباردة والجبلية، حيث يرتفع استخدام المدافئ التقليدية.
فوضى أكلات الشارع بين ضعف المراقبة وتعدد المتدخلين… من يحمي صحة المستهلك المغربي؟
كما يسلط الضوء على أهمية الوعي الصحي، ودور التوعية والتحسيس في الحد من الحوادث، إلى جانب ضرورة الالتزام بالصيانة الدورية للأجهزة واحترام شروط الاستعمال الآمن، بما يجعل الوقاية ركيزة أساسية لحماية الأرواح خلال الموسم الشتوي.
♦مخاطر التسمم بالغاز
ترجع هدى مخطار المتحدثة باسم المركز الوطني لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية وطبيبة مختصة في الصحة العمومية؛ السبب الرئيسي وراء حصول حالات تسمم بأحادي أكسيد الكربون إلى سوء استعمال أجهزة التدفئة المنزلية وسخانات المياه التي تعتمد على احتراق المواد العضوية مثل الغاز، الفحم، الحطب أو البنزين، مع غياب التهوية المناسبة في الغرف المغلقة.
وأوضحت الطبيبة هدى مخطار لجريدة “شفاف” أن أحادي أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة والطعم، مما يصعب اكتشافه ويضاعف خطر التعرض له، لا سيما في الأماكن المغلقة أو قليلة التهوية.
وقالت المتحدثة إن استنشاق غاز أحادي أكسيد الكربون يؤدي إلى استبدال الأوكسجين في خلايا الدم الحمراء، ما يسبب اختناقا داخليا لأنسجة الجسم.
وأضافت أن هذه الحالة قد تؤدي إلى توقف وظائف أعضاء حيوية مثل الدماغ والقلب والرئتين والكليتين والعضلات، مع احتمال الوفاة خلال دقائق في حال عدم التدخل الطبي العاجل.
وتابعت الطبيبة مخطار أن أعراض التسمم بأحادي أكسيد الكربون تختلف بحسب كمية الغاز المستنشقة والحالة الصحية للفرد، وتشمل صداعا أماميا، دوارا، تشوش الرؤية، غثيانا، إرهاقا شديدا، تسارعا في ضربات القلب والتنفس، صعوبة في الحركة، وفقدان الوعي في الحالات الأكثر حدة.
وأشارت مخطار إلى أن التمييز بين التسمم بأحادي أكسيد الكربون والتسمم الغذائي أو الإنفلونزا يعتمد على وجود مصدر للغاز بالقرب من الشخص المصاب، مؤكدة أن ذلك يستدعي التدخل الفوري عبر تهوية المكان جيدا بفتح النوافذ والأبواب، ونقل المصابين إلى منطقة آمنة وذات تهوية كافية.
وأكدت أن الأطفال وكبار السن يشكلون الفئات الأكثر عرضة لمخاطر التسمم بأحادي أكسيد الكربون، نظرا لصعوبة التعبير عن أعراضهم بوضوح.
وأردفت أن مراقبة أي سلوك غير اعتيادي، مثل النعاس المفاجئ أو علامات الارتباك، يعد أمرا بالغ الأهمية لتجنب المضاعفات الخطيرة.
♦إجراءات الإسعاف والمعالجة
شددت الطبيبة هدى مخطار على أن التدخل الفوري عند الاشتباه بالتسمم بأحادي أكسيد الكربون قد يكون الفارق بين الحياة والموت، موضحة أن الخطوات الأولى تتضمن نقل المصاب فورا إلى الهواء الطلق، وتهوية المكان بفتح النوافذ والأبواب، وإيقاف مصدر الغاز أو المدفأة، ومؤكدة على ضرورة عدم العودة إلى المنزل إلا بعد التأكد من توقف تسرب الغاز وضمان تهويته بالكامل.
وأوصت مخطار بإخراج جميع المتواجدين في المكان فورا، حتى في حال عدم ظهور أعراض عليهم، ونقل المصابين إلى أقرب مركز صحي أو مستشفى لتلقي العلاج، بما في ذلك تزويدهم بالأوكسجين عند الحاجة.
وفي ما يخص السخانات المائية، حثت مخطار على ضرورة التركيز على جودتها واحترام معايير السلامة عند اقتنائها، مع الحرص على تركيبها من طرف مختصين مؤهلين، تفاديا لأي مخاطر ناتجة عن احتراق غير سليم أو تعويض الأوكسجين داخل الفضاءات المغلقة.
وكشفت أن الوقاية اليومية من التسمم بأحادي أكسيد الكربون تتطلب صيانة دورية لجميع أجهزة التدفئة والسخانات مرة على الأقل سنويا، وتجنب استخدام الفحم أو الحطب داخل المنازل المغلقة، وعدم تشغيل أجهزة التدفئة أثناء النوم، مع تفضيل البدائل الأكثر أمانا.
وأوضهرت أن تركيب أجهزة كشف غاز أحادي أكسيد الكربون في المنازل وصيانتها بشكل دوري، يوفّر إنذارا مبكرا عند تراكم الغاز، ما يمنح القاطنين فرصة للتصرف بسرعة والوقاية من أي حوادث محتملة.
واستطردت مخطار بأن الالتزام بالإرشادات المتعلقة بتركيب أجهزة الكشف، واستخدام الوقود المناسب، والتهوية اليومية، وإجراء الصيانة الدورية من قبل مختصين معتمدين يمثل حجر الأساس للوقاية من التسمم بأحادي أكسيد الكربون.
وأبانت أن الجمع بين الإجراءات التقنية وسرعة التصرف داخل المنزل يشكل الحصن الأول لحماية الأسرة، مشددة على أن معرفة أفراد الأسرة بكيفية التعامل مع أي علامات للتسمم يزيد من فرص النجاة ويقلل من الإصابات والوفيات.
♦التوعية والتحسيس المجتمعي
أفادت الطبيبة هدى مخطار أن الحملات التوعوية التي يقوم بها المركز الوطني لمحاربة التسمم التابع لوزارة الصحة مع الفاعلين المدنيين، تهدف إلى تصحيح بعض السلوكيات الخاطئة المرتبطة باستخدام وسائل التدفئة المنزلية، خصوصا في المناطق الباردة والنائية التي تشهد تساقط الثلوج.
وذهبت إلى أن هذه الحملات تشمل توزيع منشورات على المصالح الصحية والجمعيات المحلية، وتنظيم ندوات موجهة للمهنيين في مجال التركيب والصيانة، إضافة إلى استخدام الوسائل السمعية والبصرية لتوعية المواطنين بمخاطر الغاز وأسبابه وطرق الوقاية والإسعافات الأولية.
وأبرزت مخطار الدور الحيوي للصحافة، وخصوصا الإعلام الجهوي، في نقل المعلومة الصحية بدقة، بما يسهم في توجيه التوعية لتتناسب مع سلوكيات الأفراد وبيئاتهم وظروف معيشتهم.
وسلطت الدكتورة مخطار الضوء على أن الفهم المبكر لأعراض التسمم والتصرف السليم يمكن أن يقلل بشكل كبير من المخاطر، مشيرة إلى أن الوقاية تبدأ من الداخل عبر تهوية المنازل يوميا، تجنب استخدام المجامر داخل البيوت، صيانة الأجهزة بانتظام، وإبعاد أي مصدر للغاز عن مناطق النوم أو أماكن التواجد المستمر.
وركزت مخطار على أن الالتزام بالإرشادات الوقائية، مثل تركيب أنابيب الطرح الخاصة بالسخانات، استخدام الوقود المناسب، وإبعاد المواد القابلة للاشتعال عن المدافئ، يمثل الخطوة الأكثر فعالية للحد من الحوادث.
وطرحت مخطار أهمية تدريب الأسر بشكل مستمر على التعرف على علامات تسرب الغاز وكيفية التعامل معها، موضحة أن المعرفة العملية واليقظة اليومية تمثلان مفتاح تقليل الحوادث.
وخلصت إلى أن تضافر الحملات التوعوية والإعلامية، إلى جانب الالتزام الفردي بأساليب الوقاية والصيانة الدورية للأجهزة، يشكل منظومة متكاملة لحماية الأسر من مخاطر التسمم بأحادي أكسيد الكربون، مشددة على أن السلامة مسؤولية جماعية تبدأ من داخل المنازل قبل أن تتحول إلى قضية مجتمعية عامة.

