أكدت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها حول القطاع غير الرسمي، والجنس، والشيخوخة: أوجه عدم المساواة التراكمية والآثار بين الأجيال، مايو 2026، أن المغرب يقف أمام منعطف ديموغرافي واجتماعي حاسم، حيث تتقاطع الشيخوخة السكانية مع استمرار الاقتصاد غير المهيكل وضعف مشاركة النساء في سوق الشغل، بما يهدد استدامة أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد على المدى الطويل.
وكشف التقرير أن هذه العوامل لم تعد مجرد اختلالات منفصلة، بل تحولت إلى منظومة مترابطة تعيد إنتاج التفاوتات بين الأجيال وتعمق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، موضحا أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه المغرب منذ سنة 2021 بتوجيهات من الملك محمد السادس، يشكل أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية الهيكلية بالمملكة، من خلال توسيع التغطية الصحية الإجبارية وإدماج العمال غير الأجراء وإرساء التعويضات العائلية وإصلاح أنظمة التقاعد.
وشددت الدراسة شددت أن نجاح هذه الإصلاحات يظل رهينا بإحداث تحولات عميقة داخل سوق الشغل، خصوصا ما يتعلق بتقليص الاقتصاد غير المنظم ورفع نسبة مشاركة النساء وتعزيز الإنتاجية.
وسجلت الدراسة أن الاقتصاد غير المهيكل ما يزال يستوعب أكثر من ثلاثة أرباع التشغيل بالمغرب، في بنية اقتصادية تقوم على هشاشة الشغل وضعف الحماية الاجتماعية وتدني الإنتاجية، مبينا أن هذا الواقع لا يقتصر على انقسام بين قطاع منظم وآخر غير منظم، بل يرتبط أيضا بفوارق حادة بين الرجال والنساء في الولوج إلى العمل والحقوق الاجتماعية.
وأبرزت المعطيات أن معدل المشاركة الاقتصادية للنساء لم يتجاوز 19,1 في المائة سنة 2024، مقابل 68,6 في المائة لدى الرجال، وهو من أضعف المعدلات في الدول ذات الدخل المتوسط، مشيرا إلى أن النساء العاملات يتركزن غالبا في أشكال شغل غير مهيكلة أو في العمل العائلي غير المؤدى عنه، بينما يهيمن الرجال على العمل المستقل داخل الاقتصاد غير المنظم.
وحذرت الدراسة من أن تسارع التحول الديموغرافي سيؤدي إلى ارتفاع نسبة المسنين بشكل غير مسبوق خلال العقود المقبلة، إذ ستنتقل نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 9,4 في المائة سنة 2014 إلى 23,2 في المائة بحلول سنة 2050، في وقت ستتجاوز فيه نسبة إعالة المسنين 39 في المائة، متخطية لأول مرة نسبة إعالة الأطفال.
واعتبر التقرير أن هذا التحول يفرض ضغوطا متزايدة على المالية العمومية وعلى أنظمة التقاعد، خصوصا في ظل ضعف قاعدة المساهمين واستمرار هشاشة التشغيل، مؤكدا أن اختلالات اليوم تتحول تدريجيا إلى تفاوتات مؤجلة تظهر آثارها بقوة في مراحل متقدمة من العمر، سواء من خلال ضعف المعاشات أو غياب التغطية الاجتماعية الكافية.
♦اختلالات العمل تعمق الفوارق
كشف التقرير أن التفاوتات بين النساء والرجال لا تبدأ عند سن التقاعد، بل تتراكم طيلة المسار المهني نتيجة أربع حلقات مترابطة، تتمثل في ضعف ولوج النساء إلى الشغل، وارتفاع احتمال اشتغالهن في القطاع غير المهيكل، وضعف فرص العمل المأجور، إضافة إلى تدني الأجور المصرح بها.
ولفت التقرير إلى أن هذه الاختلالات تؤدي في النهاية إلى فجوة كبيرة في المعاشات التقاعدية، حيث لا تتجاوز نسبة النساء اللواتي يتقاضين معاشا تقاعديا فعليا 15 في المائة من النساء البالغات 60 سنة فما فوق، مقابل 37 في المائة لدى الرجال.
وأوضحت الدراسة أن نسبة معاشات النساء مقارنة بالرجال بلغت سنة 2020 حوالي 11,1 في المائة فقط، ما يعني أن متوسط معاش النساء يقل بحوالي تسع مرات عن معاش الرجال، مسجلا وجود تحسن نسبي لدى الأجيال النسائية التي ما تزال في سن العمل، إذ بلغت نسبة المعاشات المحتملة للنساء مقارنة بالرجال 31 في المائة، ما يعكس بداية تقارب تدريجي بين الأجيال.
وذهبت المندوبية إلى أن هذا التقارب سيظل محدودا ما لم تتغير البنية العميقة لسوق الشغل، موضحة أن ارتفاع نشاط النساء وحده لا يكفي إذا كانت فرص الشغل الجديدة تتجه أساسا نحو الاقتصاد غير المهيكل، مؤكدا أن تحسين المؤشرات الاجتماعية يتطلب خلق مناصب شغل منظمة وقادرة على توليد حقوق اجتماعية فعلية.
وأفادت الدراسة أن النساء ذوات التعليم العالي يستفدن بشكل أكبر من الإصلاحات، حيث تنخفض لديهن معدلات البطالة وتتحسن فرص الإدماج المنظم، بينما تستمر الفئات النسائية ضعيفة التأهيل في مواجهة هشاشة أكبر، سواء من حيث البطالة أو ضعف التغطية الاجتماعية.
وأبرز التقرير أن السياسات العمومية قد تنتج أحيانا آثارا عكسية إذا تم تفعيلها بشكل منفصل، موضحا أن رفع مشاركة النساء أو تحسين التعليم دون توسع مواز في الطلب على الشغل المنظم يؤدي غالبا إلى انتقال جزء كبير من اليد العاملة نحو الاقتصاد غير المهيكل بدل الإدماج في وظائف مستقرة.
وسجلت المحاكاة الاستشرافية التي أنجزتها المندوبية أن سيناريو رفع مشاركة النساء يمكن أن يرفع تشغيل النساء بحوالي 6 نقاط مئوية، لكنه قد يؤدي أيضا إلى ارتفاع بطالة النساء وتوسع الشغل غير المنظم إذا لم ترافقه دينامية إنتاجية قوية.
وأضاف التقرير أن تحسين الإنتاجية داخل القطاعات المنظمة يظل من أكثر السيناريوهات قدرة على تقليص البطالة وتحسين جودة التشغيل، لكنه قد يمارس ضغطا على الأجور في المدى القصير، خصوصا بالنسبة للرجال، بسبب إعادة توزيع فرص العمل داخل السوق.
♦سياسات مندمجة لمواجهة الشيخوخة
خلص التقرير إلى أن مواجهة الاختلالات البنيوية تتطلب سياسات مندمجة تربط بين إصلاح الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة سوق الشغل وتحفيز النمو الاقتصادي المنتج، مؤكدا أن توسيع التغطية الصحية وحده لا يضمن بالضرورة خلق حقوق تقاعدية فعلية، خصوصا لدى الفئات ذات الدخل غير المستقر.
وشددت المندوبية على أن تقليص الاقتصاد غير المهيكل لا يمكن أن يتحقق فقط عبر إجراءات الردع أو فرض التصريح، بل يحتاج إلى توسيع قدرة الاقتصاد المنظم على استيعاب اليد العاملة، عبر الاستثمار والإنتاجية وخلق فرص عمل مستقرة.
وأفاد التقرير أن السياسات الأكثر فعالية هي تلك التي تجمع بين رفع نشاط النساء وتحسين التعليم وتقوية الطلب على الشغل المنظم وتقليص معوقات الولوج إلى العمل، مع تنسيق زمني دقيق بين هذه الإجراءات خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2035.
وأكدت الدراسة أن غياب التنسيق بين سياسات العرض والطلب يؤدي إلى نتائج محدودة، حيث قد ترتفع مستويات التعليم أو المشاركة الاقتصادية دون أن يقابلها توسع حقيقي في الوظائف المنظمة، ما يدفع جزءا من العمال نحو البطالة أو الاقتصاد غير المهيكل.
وذهبت المندوبية إلى أن الشيخوخة السكانية ليست السبب الوحيد للأزمة المرتقبة، بل إنها تضاعف اختلالات تراكمت منذ سنوات داخل سوق الشغل، معتبرة أن ضعف الكثافة الاشتراكية واستمرار هشاشة المسارات المهنية يجعلان أنظمة الحماية الاجتماعية أمام ضغوط متزايدة خلال العقود المقبلة.
وجدد التقرير على أن الفترة الممتدة بين 2040 و2060 ستكون حاسمة، باعتبارها المرحلة التي ستبلغ فيها الأجيال الحالية سن التقاعد، وهو ما سيكشف حجم الفوارق المتراكمة بين النساء والرجال وبين الفئات التعليمية المختلفة.
واعتبرت الدراسة أن رفع معدل نشاط النساء وتقليص الاقتصاد غير المهيكل يمثلان عاملين حاسمين في توسيع قاعدة المساهمين وتحسين استدامة أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، غير أن تحقيق ذلك يظل مرتبطا بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق وظائف منظمة ومنتجة.
وأظهر التقرير على أن الحد المستدام من التفاوتات الاجتماعية بين الأجيال لن يتحقق إلا عبر إصلاحات منسقة وطويلة النفس، تجمع بين الإنصاف الاجتماعي والتحول الاقتصادي ورفع الإنتاجية، بما يسمح ببناء نموذج اجتماعي أكثر توازنا وقدرة على مواجهة التحولات الديموغرافية المقبلة.

