استقبلت عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا، خلال الأسابيع الماضية، دفعات من الأطفال القادمين من مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، ضمن ما يعرف بـ”برنامج عطل السلام”، الذي تشرف عليه جبهة “البوليساريو” الانفصالية، بدعم من جمعيات مدنية تساند أطروحتها.
ورغم ما يروج له القائمون على البرنامج من أهداف إنسانية، مثل منح الأطفال فرصة لقضاء عطلتهم الصيفية بعيدا عن ظروف العيش القاسية في المخيمات، فإن تقارير وشهادات حقوقية متطابقة تطرح علامات استفهام جدية حول خلفيات هذه المبادرة، وتلمح إلى توظيفها لأغراض سياسية تتنافى مع المبادئ الدولية لحماية الطفولة.
وعليه، فهل تتحول “عطل السلام” إلى غطاء ناعم لاستغلال الطفولة في صراعات لا تعنيها؟
هجوم السمارة.. هل يعكس “يأس البوليساريو” وتخبطها في ظل الانهيار المتسارع لمشروعها الانفصالي؟
♦تسييس الطفولة المحظور
يرى محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن وصف البرنامج المعروف بـ”عطل السلام” لا يعدو كونه تغليفا دعائيا يخفي مضمونا يتناقض جوهريا مع مبادئ القانون الدولي الخاص بحماية الطفولة، مؤكدا أن ما يحدث يندرج ضمن تسييس الطفولة في سياقات نزاعية غير مسلحة، وهو شكل من أشكال العنف الرمزي والسياسي المجرّم بموجب الأدبيات الحقوقية والمرجعيات الأممية.
ولفت عبد الفتاح في تصريح لجريد “شفاف”، إلى أن المادة 38 من اتفاقية حقوق الطفل تلزم الدول الأطراف باحترام قواعد القانون الإنساني الدولي المتعلقة بالأطفال في حالات النزاع، وتحظر ضمنياً أي إدماج قسري أو موجّه للقاصرين في أنشطة ذات طابع سياسي أو تعبوي.
وأوضح الفاعل الحقوقي، أن هذا الحظر يتعزز من خلال البروتوكول الاختياري لعام 2000، الذي لا يكتفي بمنع إشراك القاصرين في النزاعات، بل يوسع الحماية لتشمل كل أشكال التوظيف الدعائي أو التلقين الإيديولوجي الذي يعرّض الأطفال لضغوط نفسية ويقوّض نموهم السليم.
وشدد المتحدث على أن ما يجري داخل مخيمات تندوف من زج للأطفال في أنشطة سياسية موجّهة، يسلب الطفولة معناها الحقوقي ويحولها إلى أداة داخل سردية سياسية ممنهجة، مما يشكل انتهاكا مزدوجا لكل من اتفاقيات حقوق الطفل والقانون الإنساني الدولي.
وخلص إلى أن هذا الاستغلال يخرق أيضاً ما يعرف حديثاً بمبدأ “الحياد الطفولي”، الذي يفرض ضرورة إبعاد القاصرين عن ساحات التجاذب والصراع السياسي، باعتباره ركناً أساسياً في ضمان كرامتهم ونموهم السليم.
♦الجزائر تحت المساءلة
وفي الإطار ذاته، حمّل محمد سالم عبد الفتاح، الجزائرَ مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال في مخيمات تندوف، معتبرا أن الدولة المضيفة لا يمكنها التذرع بالحياد أو غياب السيطرة، وهي تحتكم فعليا بالسلطة الإدارية والأمنية على تلك المخيمات، كما تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
وأبان عبد الفتاح أن المادة 27 من هذه الاتفاقية تلزم الدولة الحامية بضمان المعاملة الإنسانية للأشخاص المحميين، وحمايتهم من كل أشكال العنف والتهديد، وهو ما يتعارض كليا مع استغلال الأطفال في الحملات الدعائية الممنهجة، التي تفرغ الحماية القانونية من مضمونها وتحّل الطفولة إلى وسيلة تخدم أجندات سياسية.
وذكر بأن الجزائر طرف موقع على اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية اللاجئين لعام 1951، ما يرتب عليها واجبات صريحة بضمان الحياد الإنساني، لا سيما فيما يتعلق بالبرامج الموجهة للفئات الهشة، وفي مقدمتها الأطفال.
إغلاق مكتب البوليساريو بدمشق..هل يشكل نقطة تحول في الموقف العربي من الصحراء المغربية؟
وتابع أن دعم الجزائر السياسي واللوجستي لبرنامج “عطل السلام”، وسكوتها عن الأنشطة الدعائية التي تستهدف الطفولة، يكشف تورطها في خرق تلك الالتزامات، ويؤكد انخراطها في تسييس الطفولة بما يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً المادة 2 التي تحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
واعتبر أن محاولات الجزائر التهرب من المسؤولية القانونية من خلال تكرار مزاعم عدم الإشراف المباشر على المخيمات، لا تصمد أمام الواقع الميداني ولا أمام المعايير القانونية الدولية، التي تضعها في موقع المتواطئ داخل منظومة استغلال ممنهج للقاصرين، تستخدم فيه معاناة الأطفال كورقة ضغط سياسي في انتهاك صارخ لكل الأعراف والاتفاقيات الدولية.
♦صمت دولي مريب
وفي الإطار ذاته، أكد عبد الفتاح أن استمرار صمت المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”، إزاء مظاهر الاستغلال الممنهج للأطفال القاصرين في مخيمات تندوف، يشكل تناقضا صارخا مع المبادئ الأساسية لحماية الطفولة على المستوى الدولي.
وأوضح أن المرجعية القانونية الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، تنص في مادتها الثالثة على ضرورة مراعاة “مصالح الطفل الفضلى” باعتبارها الاعتبار الأول في جميع الإجراءات المتعلقة به.
وأشار الفاعل الحقوقي إلى أن الواقع في مخيمات تندوف يعكس استغلالا فاضحا للأطفال، يتمثل في الزج بهم في مشاريع دعائية وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الحماية والرفاه النفسي والاجتماعي، وهو ما يشكل خرقا واضحا للمادة 19 من نفس الاتفاقية التي تلزم الدول بحماية الأطفال من كل أشكال العنف والإساءة والاستغلال.
ولفت المتحدث إلى أن إشراك هؤلاء الأطفال، قسرا أو بتوجيه، في حملات سياسية ذات طابع دعائي يخدم أجندات انفصالية، يمثل “استغلالا سياسيا للطفولة” ويشكل انتهاكا جديدا يستوجب اعترافا وتحركا عاجلا من المنظمات الدولية، لا الاكتفاء بإصدار تقارير شكلية تتجاهل هذه الانتهاكات المنظمة.
وحذر من أن صمت الهيئات الدولية المختصة بحماية الطفولة، إزاء هذه الانتهاكات في مخيمات تندوف، يشجع على استمرارها ويعد شكلا من أشكال التواطؤ الضمني، مما يطيل أمد معاناة الأطفال في تلك المنطقة المنسية.
♦شراكة في الانتهاك
وفي الأخير، يقول رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، إن الموقف الذي تتبناه بعض الدول الأوروبية التي تستقبل الأطفال القاصرين ضمن برنامج “عطل السلام”، معتبرا أن هذه الدول تتحول من داعم إنساني إلى شريك غير مباشر في الانتهاكات المرتكبة بحق أطفال مخيمات تندوف.
وأظهر عبد الفتاح إلى أن هذه الدول تغض الطرف عن الخلفيات السياسية لهذا البرنامج، مما يجعلها تنتهك مبدأ الحماية الدولية للطفل وتعرضه لخطر الاستغلال السياسي، مضيفا أن هذا البرنامج، رغم مظهره الإنساني، يتعارض مع المادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل التي تلزم الدول بضمان توجيه تعليم الأطفال نحو احترام حقوق الإنسان والقيم الأساسية التي تعزز التفاهم والسلام.
بعد تصاعد الانشقاقات وتنامي الاحتقان الاجتماعي .. هل دخلت البوليساريو مرحلة التفكك؟
وبين أن الأطفال المشاركين في هذا البرنامج لا يحصلون على فرصة حقيقية للراحة أو التعلم، بل يجبرون على الظهور أمام جماعات ضغط داعمة للأطروحة الانفصالية، ويلقون خطابات سياسية لا تناسب أعمارهم ولا تعكس وعيهم، ما يمثل “تلقينا سياسيا موجها” يدخل ضمن الانتهاكات المحظورة بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة (2000).
وحمل عبد الفتاح هذه الدول المسؤولية القانونية والأخلاقية لإتاحة أراضيها كمساحة لانتهاك القواعد الدولية لحماية الطفولة، محذرا من أن صمتها يسهم في تبييض صورة مشروع سياسي يستغل الأطفال كأدوات للضغط وابتزاز الرأي العام الأوروبي.

