أكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي أصبح ضرورة استراتيجية ملحة في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم.
وأوضح، في توصيته رقم 2026/1 التي صادقت عليها الجمعية العامة خلال دورتها الثانية عشرة المنعقدة في 14 أبريل 2026 تحت عنوان “من أجل اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي”، أن هذه التحولات تفرض إعادة التفكير في قضايا التربية بما يضمن توجيه التكنولوجيا لخدمة مشروع تربوي منصف يحقق جودة التعلمات ويواكب أهداف الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030.
ورصد التقرير اتساع الفجوة بين الانتشار المتسارع لاستعمالات الذكاء الاصطناعي التوليدي لدى الأطفال والشباب داخل الفضاءين التربوي والأسري، وبين محدودية التأطير المؤسساتي والتربوي المنظم لهذه الاستعمالات. وأبرز أن المؤشرات المستندة إلى معطيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات لسنة 2025 ونتائج دراسة “تاليس المغرب” تكشف بروز جيل شديد الارتباط بالمنصات الرقمية، وهو ما يثير مخاوف بشأن تراجع بعض المهارات الأساسية المرتبطة بالقراءة والكتابة والحساب نتيجة الاعتماد المتزايد على الحلول الجاهزة، فضلاً عن تنامي مخاطر السطحية المعرفية واتساع الفوارق التعليمية.
واستند المجلس في دعوته إلى التدخل العمومي العاجل إلى مرجعيات وطنية ودولية متعددة، يتقدمها الدستور المغربي بما يكرسه من مبادئ الحق في تعليم جيد وتكافؤ الفرص والمصلحة الفضلى للطفل، إلى جانب مقتضيات القانون الإطار رقم 51.17. كما استحضر التزامات المغرب الدولية، خاصة ما صدر عن قمة تحول التربية لسنة 2022، والملاحظة العامة رقم 25 للجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة، وتقرير المقررة الخاصة المعنية بالحق في التربية لسنة 2024، إضافة إلى إرشادات منظمة اليونسكو بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم الصادرة سنة 2023.
وحذر التقرير من جملة رهانات استراتيجية يفرضها التحول الرقمي داخل المنظومة التعليمية، وفي مقدمتها قضايا السيادة الرقمية والمعرفية والتحكم في البيانات التعليمية وحماية المعطيات الشخصية للمتعلمين والمدرسين.
كما نبه إلى تحديات الإنصاف اللغوي والثقافي المرتبطة بضمان حضور اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية داخل النماذج الرقمية التي تهيمن عليها اللغة الإنجليزية، فضلاً عن رهانات النزاهة الأكاديمية ومحاربة الانتحال العلمي والحفاظ على تماسك الإصلاح التربوي خلال مرحلة الانتقال الرقمي.
وطالب المجلس بوضع خطة مؤسساتية وتنظيمية واضحة تجعل من الدولة الفاعل الرئيسي في تأطير استعمالات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التربوية، مع إرساء آليات وطنية للتصديق على الحلول التكنولوجية قبل اعتمادها. كما دعا إلى اعتماد مقاربة مندمجة بين مختلف القطاعات، تقودها هيئة وطنية مختصة تتولى مهام التنسيق والتوجيه والتتبع.
ودعا التقرير إلى الشروع في إعداد إطار وطني مرجعي لاستعمالات الذكاء الاصطناعي يقوم على مبادئ الحياد التكنولوجي والسيادة المعرفية، ويرتكز على توفير موارد وبيانات وطنية موثوقة لدعم اتخاذ القرار التربوي المبني على الأدلة العلمية وتعزيز البحث والتطوير.
وشدد المجلس على أن التأطير المقترح ينبغي أن ينطلق من مبدأ “الإنسان أولاً”، بما يضمن تمحور العملية التعليمية حول المدرس والمتعلم والحفاظ على البعد الإنساني للفعل التربوي.
كما أوصى باعتماد مقاربة متدرجة تراعي الخصائص النمائية للمتعلمين، من التركيز على الحماية وبناء الأسس المعرفية في التعليم الابتدائي، إلى تنمية التفكير النقدي والاستقلالية في التعليم الثانوي، وصولاً إلى تعزيز المسؤولية الأكاديمية والإنتاج المعرفي في التعليم العالي والتكوين المهني.
وأكد التقرير ضرورة التزام الدولة بتوفير التطبيقات والحلول الذكية بشكل مجاني لجميع المتعلمين باعتبارها خدمة عمومية، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز ولوج الفئات الهشة والأشخاص في وضعية إعاقة إلى الأدوات الرقمية الحديثة.
وأوصى بإرساء ضوابط مهنية وأخلاقية صارمة لحماية الخصوصية التربوية والمعطيات الشخصية، مع ضمان الشفافية وقابلية الفهم والمساءلة في ما يتعلق بالخوارزميات والأنظمة المعتمدة. كما شدد على ضرورة الإبقاء على الإشراف البشري الكامل وعدم تعويض القرار المهني والبيداغوجي للمدرس بالمخرجات الآلية، والعمل على الحد من مختلف أشكال التحيز والتمييز الخوارزمي.
ودعا المجلس إلى اعتماد مقاربة تدريجية في إدماج الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التعليمية، تقوم على التجريب المؤطر والتقييم المستمر لتصحيح الاختلالات ومراجعة الخيارات عند الحاجة.
كما اعتبر أن نجاح الإصلاح يقتضي الموازنة بين التدابير الآنية الرامية إلى تنظيم الاستعمالات الحالية، وبين الرؤية الاستراتيجية الرامية إلى إدماج الذكاء الاصطناعي بشكل بنيوي في المناهج الدراسية.
وجدد التقرير التأكيد على أهمية تأهيل المدرسين والمكونين عبر برامج التكوين الأساسي والمستمر، وتمكينهم من الكفايات الرقمية والبيداغوجية اللازمة، مع إعداد مواثيق مرجعية وأخلاقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسات التربوية والبحثية.
ودعا إلى توسيع نطاق التعبئة المجتمعية لتشمل الأسرة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ ومختلف الفضاءات التربوية والاجتماعية، بهدف حماية التوازن المعرفي والنفسي للأطفال وتعزيز الاستعمال المسؤول للتقنيات الرقمية.
كما أوصى بإشراك المتعلمين والمتعلمات في صياغة الإطار الوطني المرجعي، والاستماع إلى آرائهم وتجاربهم باعتبارهم فاعلين أساسيين في العملية التعليمية، تجسيداً لحقهم في المشاركة وإبداء الرأي.
وخلص المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل المعرفة الإنسانية، معتبراً أن نجاح إدماجه داخل المنظومة التعليمية يظل رهيناً بقدرته على تحسين جودة التعلمات وتعزيز العدالة الرقمية والسيادة المعرفية واللغوية. وأكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواكبة التطور التكنولوجي، بل في توجيهه لخدمة نموذج تربوي مغربي منصف ومستدام يرسخ دور المدرسة في بناء الوعي وإعداد أجيال قادرة على الاندماج الفاعل في مجتمع المعرفة.

